ساحة طرابلس: هكذا ضربتها الأجهزة
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

ساحة طرابلس: هكذا ضربتها الأجهزة

جودي الأسمر - الأحد 18 تشرين الأول 2020

يستدعي الانتباه في رواية 17 تشرين الخاصة بطرابلس، أنه في المدينة ساحة للثورة تصلح لاعتبارها في اللغة الأدبية "استعارة مسترسلة"، تكفي كعنصر واحد لتجسيد تحوّلات الانتفاضة. على اعتبار أنّ أيّ إرادة تغييرية في كلّ العالم وعبر التاريخ، هي فعل تراكمي ثقافي. فنجد في السّاحة نفسها بدءًاً باسمها، تفاعلات ثقافية خاصة بالمدينة، أدّت لاندلاع الانتفاضة، لكن ليس حقّاً إلى أفولها، كما سيتبيّن لنا لاحقًاً.  

إقرأ أيضاً: ساحة إيليا في صيدا: أوجيرو اختارتها للثورة

ولفهم أو محاولة فهم مسار الانتفاضة، ننطلق من مكوّنها الإنساني. في مقارنة أوّلية بين بيروت وطرابلس، نذكر أنه في بيروت ساحات متعدّدة للانتفاضة، وفي طرابلس ساحة واحدة. في تعدّدية الساحات مؤشر على تعدّدية المكوّن الثقافي، كما في بيروت. أما طرابلس، فحافظت على نسيج واحد بأغلبية سنية. في بيروت، ساحة رياض الصلح صدحت بأصوات المجتمع المدني ومبادراته، فيما توجّه سكّان "الشرقية" الأقرب إلى المكوّن المسيحي، إلى "جسر الرينغ". وفي الحمرا، اتخذت الثورة طابعاً بروليتارياً ضد الرأسمالية وضدّ "حكم المصرف".

ثقافياً، كانت "مكتبة الثورة" الأولى عالمياً المفتوحة على فضاء ثورة، فيما نشطت لشهور طويلة خيمات التثقيف في "ساحة ومساحة" و"مدرسة المشاغبين" التي أنشأت أيضاً صفوف محو الأمية

ساحة طرابلس الواقعة عند مدخلها الجنوبي، هي تاريخيًا ساحة "التمثال" أو "عبد الحميد كرامي"، الزعيم الوطني الذي شكّل رمزاً للاستقلال وناضل لأجل الوحدة مع سوريا، إلى أن جاءت منظمة "الصاعقة" التابعة لحركات يسارية فلسطينية، وقامت بتفجير تمثال عبد الحميد كرامي، لترفع بعد سنوات "حركة التوحيد الإسلامي" لفظة الجلالة "الله" نور السموات والأرض، وتمهرها بعبارة "قلعة المسلمين"، إيحاءً بعزلة وحصانة ضدّ الاختلاف. كأنّ هذه الخطوة أطلقت عدّاد معركة طرابلس الذاتية مع التطرّف، تضاف إلى معركة ثانية وجودية على الساحة الوطنية منذ إرساء لبنان الكبير لمركزية بيروت كعاصمة.

إذن، 17 تشرين هي تزامن لمعركتين في طرابلس: ثورة أولى ذاتية ضدّ صورتها "الداعشية المفترضة" كما تتوهّمها بعض المناطق اللبنانية، والثانية هي الثورة الوطنية. وليس مبالغاً القول بأنّ الثورة الأولى غذّت الثانية. فإبداع طرابلس في إظهار جميلها، جعلها مصدر إلهام لأهلها ولبقية المناطق التي أطلقت عليها لقب "عروس الثورة".

طاقات فنية وثقافية وإعلامية غزيرة حوّلت هذه الساحة إلى موزاييك جميل نبض بصرخة "كلن يعني كلن". في الموسيقى تألّق مهدي كريمة الذي صار "DJ الثورة" من شرفته في المبنى المطلّ على الساحة. وكذلك صدحت الثورة بأغانٍ ثورية لتميم عبدو في "طروبلسي يا كبير"، وأغنية "اعطوني فرصة" لإبراهيم الأحمد، و"بلبل الثورة" محمد إسماعيل الذي كان يهتف بصوت محموم بالحماس "يا ثوار يا أحرار" فيلهبهم. في الغرافيتي، قام الفنان محمّد الأبرش بتحويل الكتلة الرمادية البكماء المعروفة بـ"مبنى الغندور"، وهي مشروع أوتيل مؤجل منذ الأزل، إلى علم لبناني كبير احتضن عبارات مطمئنة منها "طرابلس مدينة السلام"، "أدخلوها بسلام آمنين". وأسفل المبنى رسم زميله غياث الروبة بورتريهات لشهداء الانتفاضة حسين العطار، وعلاء فخر، وفؤاد السمان. وتعاون عديد من الرسامين لحشد جدران الساحة ومبانيها بلوحات أخرى.

ثقافياً، كانت "مكتبة الثورة" الأولى عالمياً المفتوحة على فضاء ثورة، فيما نشطت لشهور طويلة خيمات التثقيف في "ساحة ومساحة" و"مدرسة المشاغبين" التي أنشأت أيضاً صفوف محو الأمية، وخيم لجمعيات عديدة أمثال "We love Tripoli"، فيما انبثق من المجتمع المدني مجموعة "حرّاس المدينة" الذين تفانوا في تنظيم الساحة، وتنظيفها، وضبط الإيقاع على نَفَس جامع موحّد. وتولّت خيمة "مطبخ الثورة" طهي طعام بالمجّان من تبرّعات المتظاهرين. وطرابلس التي عانت لعقود تعتيماً وتشويهاً إعلاميين، كانت قد نمّت طاقاتٍ إعلامية نقلت صورتها بحرفية ونَفَس شبابي، برزت خصوصاً من خلال منصة "أنا هون" ومؤثرين محليين على مواقع التواصل.

إنه لمن الصعب أرشفة واحتواء كلّ ما نضح به الإناء الطرابلسي من جهود محلية صادقة، وتسمية كلّ من يقف وراءها، دون أن ننسى أنها شهدت أكبر مظاهرة طالبية في 9 تشرين الثاني، ونظّمت أول مسيرة شعبية لنزع صور الساسة المعلّقة على مشاهد البؤس.

السابق ذكره هو بانوراما سريعة، بهدف التذكير بأنّ كلّ إبداع وتشكيل فني لثورة طرابلس هو صنيعة أبنائها الأصيلين، فالكلّ يعرف الكلّ في طرابلس، ما أعان النشطاء على استثمار المستويات القصوى لطاقاتهم في انتفاضة تشرين أملاً بالتغيير، لأنّ طرابلس هي الأفقر، وهي الأكثر توقاً للتغيير.

سنة كانت كافية لنفهم بأنّ الثورة في هذه المدينة "صنعت في طرابلس" من لحمها الحيّ، وإجهاضها "صنع من خارج طرابلس" لأنها كانت الإلهام، وحجر الدومينو الأوّل والمشعّ من رأس الخريطة وسلسلة المدن المنتفضة وهو متى وقع، تداعت بقية الأحجار

في مقابل هذه النقاء الطرابلسي، أتت دسائس من خارج بيئة وإرادة أهلها، فحاولت إجهاضها، ونجحت بتفكيك آخر معالمها. وليس هذا منطقاً في المظلومية نحاول اجتراره،. فما أنهى المشهد الثوري في الساحة خلال أيار الماضي، جاء على خلفية اشتباكات مفتعلة بين الجيش اللبناني وبين مواطنين انتحلوا صفة "ثوّار" في طرابلس والميناء. وشهادات أهالي المنطقتين في الإعلام تفيد بأنّها وجوه غريبة، لم يروها من قبل، ولأنّ أصحابها صغار في السنّ، وبعض منهم من الأرياف أو غير لبنانيين. وقبل أيار، كانت تنشب عراكات مريبة لم تشهدها الساحة سابقاً، استدرجتها عصابات لتوزيع المخدّرات وضحايا الإدمان، ذهب ضحيتها مواطن على خلفية "بسطة" بعد طعنه بالسكين.

ولم يظهر الخطاب التجييشي الطائفي في طرابلس سوى بإلهام أو إيعاز أو تمويل من خارج المدينة. فشعار "سنّة، سنّة" الذي تداعى في إحدى المسيرات، استوحى نفسه من شعار الملثمين من الخندق الغميق "شيعة، شيعة". وكان شعار "سنّة سنّة" أطلقه مواطن يعيش في اليونان وانتقل في فيديو عبر فايسبوك. ولم تشفع سنية سعد الحريري، ولا حسّان دياب، في استقالة الأول وتسمية الأخير لرئاسة الحكومة. بل بقي الشارع محافظًا على نبضه الأول، إلى أن اخترقت منصة الثورة تحية إلى الرئيس سعد الحريري أصوات بإيعاز مخابراتي، كشفها ويعرفها أهالي طرابلس منذ اللحظة صفر للثورة.

هي أصوات تسلّطت ضدّ غايات طرابلس وأهلها الذين اجتهدوا في التفوّق على أنفسهم وألهموا الجميع. سنة كانت كافية لنفهم بأنّ الثورة في هذه المدينة "صنعت في طرابلس" من لحمها الحيّ، وإجهاضها "صنع من خارج طرابلس" لأنها كانت الإلهام، وحجر الدومينو الأوّل والمشعّ من رأس الخريطة وسلسلة المدن المنتفضة وهو متى وقع، تداعت بقية الأحجار.