الانتحاري جبران باسيل
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

الانتحاري جبران باسيل

خالد البوّاب - السبت 17 تشرين الأول 2020

 لا يمكن وضع ممارسات جبران باسيل السياسية في خانة اللعب السياسي. الرجل في مهامه ومراسه يتخطّى "التعطيل" ليصل مشروعه إلى حدّ التدمير الممنهج. وهذا منهج لم ينشأ مع باسيل فقط، بل ورثه عن عمّه ميشال عون كما ورث التيار، والحزب.

عندما كان تكتل عون ينتحل صفة التغيير والإصلاح، لم تكن المواقف والممارسات إلا لتؤكد أنّه تيار التعطيل. وعندما اتخذ التكتل اسم "لبنان القوي"، لم يقم بغير الاستقواء على لبنان لبنان وتدمير فئات ومؤسسات واسعة فيه، وجعل بعضه رماداً. التدمير يختلف عن التعطيل، وهو مرحلة متطوّرة عنه. أربع سنوات من عهد ميشال عون وولي عهده جبران باسيل، كانت كافية بإعادة لبنان 30 سنة إلى الوراء، إلى أواخر الثمانينيات، من أزمة الدولار والصراعات المناطقية والمذهبية والطائفية.

إقرأ أيضاً: باسيل وعون: فخامة الرئيسين

ما يفعله باسيل مستقوياً بعون هو نسخة مكرّرة عما فعله عون في الثمانينيات. وما بين العهدين، مسار طويل لمنهج ضرب كلّ أسس المواطنة والمشروع السياسي الذي يجوز فيه قوام الاختلاف في الرأي أو احتمال التنوّع. المنهج الذي سلكه التيار الوطني الحرّ سوداوي بكل تفاصيله، لا يقتصر على تدمير المؤسسات بعد تعطيلها، إنما تدمير البنى الاجتماعية والبشرية، من خلال وضعها في أزمة مع ذاتها، أزمة تفوح منها نوازع أمراض عصبية ونفسية فتتحوّل إلى مراس سياسي يراد منه سداد النواقص نفسياً، عقلياً، وسياسياً.

هذا المسار هو الذي دفع التيار الوطني الحرّ إلى استخدام لعبة الشعبوية في رفع المعنويات وادّعاء القوة المسيحية، لاستنباط همم بعد شعور بالغبن، وتحت هذا السقف يصبح كلّ شيء مباح من تعطيل الدولة والاستحقاقات الدستورية وضرب المؤسسات، كرمى لعيون "الجنرال" أو صهر الجنرال

طريقة التعاطي الإعلامية والخطابية لدى التيار الوطني الحرّ فتحت الطريق أمام تدمير مجتمع لبناني بأسره. مجتمع تحدّث عنه باسيل في خطابه بذكرى 13 تشرين، وهو يقصد جمهوره الذي لا يعرف معانيها. هذا المجتمع يريد له باسيل وعمّه أن يكون منعدماً لأيّ حسّ سياسي أو نقدي، إنما تحويل المجتمع إلى ببغاوات تردّد ما يُقال له. وهذا نموذج تعمّم على نواب وكوادر التيار، فما إن يخرج تصريح ينتقد رئيسهم أو أحد قراراتهم، حتّى يسارع نواب التكتل جميعهم إلى الردّ عليه بأردأ الأساليب، في إشارة واضحة لتكوين عقل جمعي معطّل، يفوه بما يُلقّن.

هذا المسار هو الذي دفع التيار الوطني الحرّ إلى استخدام لعبة الشعبوية في رفع المعنويات وادّعاء القوة المسيحية، لاستنباط همم بعد شعور بالغبن، وتحت هذا السقف يصبح كلّ شيء مباح من تعطيل الدولة والاستحقاقات الدستورية وضرب المؤسسات، كرمى لعيون "الجنرال" أو صهر الجنرال، الذي تعطّل تشكيل الحكومة على مدى 3 سنوات في سبيل إرضائه، وبعدها تعطيل استحقاق رئاسة الجمهورية على مدى سنتين ونصف لانتخاب عون. هنا تصبح العقدة النفسية ذات بعد انتحاري، بحيث يُنحر كلّ شيء في سبيل إرضاء طلاسمها.

من يسلك مثل هذا المسار يتحوّل إلى انتحاري، وكما وصف الصحافي غسّان شربل رئيس الجمهورية ميشال عون بأنّه منذ لحظة دخوله إلى القصر الجمهوري قبل أربع سنوات وهو "يرتدي حزاماً ناسفاً اسمه جبران باسيل". هذا الحزام الناسف قابل للانفجار داخل القصر وداخل المجتمع المسيحي واللبناني كله، وقابل لإحداث تشظّيات هائلة. في الأساس، كانت قد تحقّقت بفعل ممارسته السياسية التي هشّمت الدستور والدولة والمؤسسات. وها هي تستعد للانتقام، وإلى تهشيم المجتمع بأسره.

الخطورة في مثل هذا النوع من الأشخاص، أنهم انتحاريون وينحرون البلاد معهم. فهو إما أن يحقّق ما يريد، أو يفجّر نفسه في كلّ محيطه، فيتناثر البلد كما تناثرت مؤسسات الدولة وتهدّمت

كلّ انتحاري يصل إلى مرحلة تفجير نفسه. ربما وصل جبران باسيل إلى هذه المرحلة، تعطيل الاستشارت النيابية وتأجيلها لم يكن إلا في سبيل إرضاء غروره، وهو الذي يريد أن يقول إنه حاضر وفاعل ومؤثر، ولا يمكن استبعاده. سؤال أساسي يطرح في هذا المجال: على ماذا يستند باسيل غير توقيع عمه رئيس الجمهورية على المراسيم؟

لا جواب. لكن الأكيد أنّ كلّ رهاناته ستنفجر به. سابقاً كان يراهن على تحالف شيعي ماروني في مواجهة السُنّة، والعالم العربي، والعالم أجمع. بعد الخوف من العقوبات، بدأ يبحث عن تمايز عن حزب الله تبدّى في الخلاف حول طبيعة الوفد المشارك في مفاوضات ترسيم الحدود. استمرار الخلاف سيعني خسارته لتحالفه مع حزب الله. وهنا الرهان على الأميركيين لن يفيده، بل سيحيله منبوذاً شيعياً بالتحديد، ولبنانياً بفعل ممارساته. العودة إلى حضن حزب الله كما كان سابقاً غير ممكنة. رهانه على التحالف المشرقي، والذي يعني في ما يعينه تحالف الأقليات، قد سقط، في فشل روسيا بتوفير الحماية لحلفائها. لم يترك باسيل لنفسه فرصة للنجاة.

الخطورة في مثل هذا النوع من الأشخاص، أنهم انتحاريون وينحرون البلاد معهم. فهو إما أن يحقّق ما يريد، أو يفجّر نفسه في كلّ محيطه، فيتناثر البلد كما تناثرت مؤسسات الدولة وتهدّمت. يراقب باسيل حالياً آفاق التقارب السني الشيعي في لبنان، والاحتضان السياسي الذي يمثّله حزب الله لسعد الحريري بدعم ترشيحه بدون مراعاة الحليف، مثل هذه الصورة ستعجّل من خيارات باسيل الانتحارية، وهو يعلم أنه أصبح مستحيلاً عليه إنقاذ نفسه. لا بدّ من ربط الأحزمة.