قانون الدولار الطالبي: "فريش" للمسافرين.. وظلمٌ للمقيمين
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

قانون الدولار الطالبي: "فريش" للمسافرين.. وظلمٌ للمقيمين

علي نور - الخميس 08 تشرين الأول 2020

بموجب قانون الدولار الطالبي، الذي أقرّه المجلس النيابي في آخر جلساته التشريعيّة، باتت المصارف اللبنانيّة ملزمة بالسماح لكلّ من الطلاب اللبنانيين المسجّلين في الجامعات الأجنبيّة بتحويل مبلغ عشرة آلاف دولار أميركي إلى الخارج، من حسابات الطلاب أو حسابات ذويهم، على أن يكون الطالب مسجّلاً في الجامعة قبل العام 2020. مع العلم أنّ القانون ينصّ، وبشكل صريح، على إجراء التحويل وفقاً لسعر الصرف الرسمي (1515)، أي أنّ دولارات التحويلات لن يتمّ تمويلها من الودائع الدولاريّة القائمة، بل سيتم بيعها للطالب أو ذويه مقابل تأمين المبلغ بالليرة ووفقاً للسعر المدعوم.

إقرأ أيضاً: إنسوا دولاراتكم المصرفية: وداعاً نتفليكس وأخواتها

في المبدأ، لا يوجد من يشكّك اليوم بأحقيّة مطالب الطلاب المغتربين وذويهم، وتحديداً من ناحية معالجة مشاكلهم التي نتجت عن الانهيار المالي في لبنان، وعدم قدرة الأهالي على إجراء التحويلات إلى الخارج لدفع رسوم جامعات أبنائهم وكلفة إقامتهم. لكن الأكيد اليوم، أنّ القانون الذي قدّمته منذ البداية كتلة الوفاء للمقاومة، وتبنّته لاحقاً سائر الكتل النيابيّة، لم يعبّر سوى عن استسهال التشريع المتسرّع والمتخبّط لمعالجة مشكلة إنسانيّة واجتماعيّة حسّاسة، وتحديداً من خلال صياغة قانون غير قابل للتنفيذ واقعيّاً. وإذا حاولت المصارف أو مصرف لبنان تطبيقه، فسيكون على حساب أولويّات اجتماعيّة أخرى لا تقلّ حساسيّة. وقد تحكّمت ثقافة تسجيل النقاط على المستوى الشعبي بالمسار التشريعي، فنتج عنها قانون متسرّع مليء بالفجوات التقنيّة.

البديل في هذه الحالة، سيكون حكماً تمويل التحويلات من احتياطات المصرف المركزي. لكن في هذه الحالة، هل ثمّة ما يؤكّد أنّ مصرف المركزي سيمتلك خلال السنة الحاليّة القدرة على توفير هذه الدولارات بالسعر المدعوم؟

في البداية، أوّل ما يمكن أن نسأل عنه عند الاطلاع على القانون هو مصدر تمويل هذه التحويلات، وهو ما لم يحدّده القانون بشكل واضح وصريح، بل حدّد فقط إلزاميّة إجراء التحويل من المصارف. مع العلم أنّ عدم القدرة على تمويل تنفيذ القانون، سيعني عمليّاً الامتناع عن تنفيذه، أي بيع الطلاب وذويهم إنجازاً وهمياً. فموجودات المصارف الخارجيّة والأرصدة في المصارف المراسلة في الخارج، باتت تتفاوت بشدّة بين مصرف وآخر. وبعض المصارف باتت تسجّل مستويات سلبيّة بالنسبة إلى صافي الموجودات الخارجيّة، أي أنّها ستحتاج إلى استقدام سيولة جديدة لتمويل التزاماتها القائمة أساساً. ولذا، فمن غير الواقعي أن تُلزم المصارف على نحوٍ شامل وعشوائي بالقاعدة نفسها بالنسبة إلى توفير هذه السيولة لإجراء التحويلات. علماً أنّ المصارف التي ما زالت تملك أرصدة وازنة في المصارف المراسلة، تمتلك مقابلها التزامات مستقبليّة أخرى. 

البديل في هذه الحالة، سيكون حكماً تمويل التحويلات من احتياطات المصرف المركزي. لكن في هذه الحالة، هل ثمّة ما يؤكّد أنّ مصرف المركزي سيمتلك خلال السنة الحاليّة القدرة على توفير هذه الدولارات بالسعر المدعوم؟ مع العلم أنّ مصرف لبنان نفسه بات في مرحلة التخطيط لرفع دعم استيراد السلع الأساسيّة بشكل تدريجي، نتيجة استنزاف احتياطاته واقتراب نفاد السيولة القابلة للاستخدام من هذه الاحتياطات. وفي كلّ الحالات، ثمّة إشكاليّات كبيرة قد تبرز في حال قرّر مصرف لبنان حجب جزء من السيولة القابلة للاستخدام، تلك المتبقّية عن عمليّات دعم استيراد المواد الأساسيّة، أو حجبها عن عمليّات دعم استهلاك الأسر الأكثر حاجة لهذه المواد، من أجل دعم التحويلات التي ينصّ عليها هذا القانون.

على أيّ حال، ثمّة تساؤلات أخرى يطرحها بعض الخبراء. فما تبقى من احتياطات مصرف لبنان وسيولة المصارف في الخارج، تمثّل اليوم كلّ ما تبقّى من أموال المودعين في المصارف اللبنانيّة. وعمليّاً، يطلب القانون من المصارف أن تقوم ببيع ما تبقّى من هذه السيولة لذوي الطلاب في الخارج لدعم تعليم أبنائهم، بالسعر الرسمي المدعوم، في حين أنّ هذه الدولارات نفسها باتت محجوبة عن المودعين أنفسهم، وبعضهم من الذين يتابع أبناؤهم دراساتهم الجامعيّة في لبنان دون أن يتمكّن ذويهم من استعمال ودائعهم لتمويل تعليمهم. ويبدو أنّ آليّة عمل القانون نفسه، إذا وجد المعنيون طريقة لتنفيذها، ستضع الحلول المطلوبة لفئة اجتماعيّة في مواجهة مصالح واحتياجات فئات أخرى.

الواضح أنّ إحدى مشاكل القانون الأساسيّة تكمن في أنّه جاء منفصلاً عن سائر الخطوات المطلوبة لتنظيم إدارة ما تبقى من احتياطات في مصرف لبنان وسيولة في النظام المصرفي

من الفجوات الأخرى في القانون، عدم تحديد الآليّات التقنيّة الكفيلة بتنفيذه. فاللجنة الفرعيّة التي عملت على القانون، قامت بتعديلات كان من جملتها عدم ربطه بأيّ مراسيم تطبيقيّة، على أن يكون القانون نفسه الآليّة التطبيقيّة لفكرة الدولار الطالبي. لكنّ القانون لم يتضمّن مثلاً تعريف آليّة التأكّد من عدم قيام ذوي الطالب نفسه بإجراء تحويلات متعدّدة بالمستندات نفسها من مصارف مختلفة. كما لم يحدّد بعض التفاصيل البديهيّة كضرورة إجراء التحويل لمصلحة الجامعة نفسها، أو إمكانيّة إجرائه لحساب الطالب لتغطية نفقات أخرى كالمعيشة والإيجار. وفيما يخصّ هذه النقطة بالتحديد، ستكون الكرة في ملعب وزارة الماليّة أو مصرف لبنان، من ناحية مبادرتهما طوعاً لصياغة مراسيم أو تعاميم حول آليّات تنفيذ القانون، في حين أنّ القانون لا ينصّ على إلزامهما بهذا الدور مطلقاً.

في كلّ الحالات، من الواضح أنّ إحدى مشاكل القانون الأساسيّة تكمن في أنّه جاء منفصلاً عن سائر الخطوات المطلوبة لتنظيم إدارة ما تبقى من احتياطات في مصرف لبنان وسيولة في النظام المصرفي. كما جاء بعيداً عن الانسجام مع خطّة متكاملة للتعامل مع الأزمات المتفرّقة التي نشأت بعد الانهيار المالي، ومن بينها الأزمات الأكاديميّة، كسبل لمعالجة مأساة الجامعة اللبنانيّة ومشكلة أقساط الجامعات الخاصة في لبنان. أما المشكلة الأكبر، فهي اقتصاره على أربع أسطر ومادة وحيدة، دون أن يعمل معدّوه على تحديد الكثير من التفاصيل المطلوبة لتنفيذه، وهو ما سيهدّد إمكانيّة تنفيذه لاحقاً، ما سيعني أنّ مأساة الطلاب المغتربين ومطالبهم المحقة والحسّاسة قد لا تجد طريقها للحلّ قريباً.