لبنان دولة تحت الاحتلال (2/2): الخراب الآتي..
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

لبنان دولة تحت الاحتلال (2/2): الخراب الآتي..

رضوان السيد - الإثنين 05 تشرين الأول 2020

كان لدى الزعيم في السنوات الأخيرة اعتباران: الأول شنّ الحرب على كلّ العالم من أجل مصالح واستراتيجيات إيران، والاعتبار الثاني إرضاء الطائفة الشيعية في لبنان والتي فقدت الآلاف من أبنائها بحروب الزعيم، وجرى التضييق عليها في سائر أنحاء العالم بجريرة أعمال الزعيم. ثم نالها من البؤس والتعب ما نال سائر اللبنانيين.

إقرأ أيضاً: لبنان دولةٌ تحت الاحتلال (1/2): تناقضات خطاب الزعيم

من المشاكل الثلاث الرئيسية التي تُعاني منها بلادنا المحتلة، هناك إذن المشكلتان الحاضرتان بإلحاحٍ الآن: الأولى الإصرار على تعديل أو تغيير النظام لزيادة حصة الثُنائي الشيعي فيه واستطراداً الطائفة. وليست لدى أطراف النظام قدرة على مقاومة الفرض الحزبي. إنما من جهةٍ أُخرى، لا يبدو أنّ الاستسلام يُنقذ من الانهيار. فها هو النظام السوداني الجديد الذي يعتقد العسكريون فيه أنّ السلام مع إسرائيل سيحلّ أمرين: العقوبات المفروضة وشطب الديون من أيام البشير بسبب الاتهام بالإرهاب، ومساعدة السودان بقرابة العشر مليارات دولار. بيد أنّ الأطراف المعنية (أميركا وإسرائيل) ما أبدت استعداداً للقيام بهذه "التضحية" الكبيرة، وليس في الإعطاء والمساعدة فقط؛ بل حتى في رفع العقوبات، وإسقاط الديون! ولا شكّ - كما سبق القول - أنّ مشكلات النظام الدولي مع حزب الزعيم ورُعاته، أكبر بكثير من مشكلاته مع نظامٍ مضى وانقضى، فالرئيس السوداني السابق موجودٌ  في السجن الآن!

لا بدّ من مرحلةٍ انتقالية في لبنان من سنتين أو ثلاث تأتي فيها حكومةٌ مقبولةٌ لكي تنفرج الأوضاع ويراجع كلّ اللبنانيين المصابين والمذهولين الآن دوغمائياتهم؛ وهو الأمر الذي قاله الرئيس الفرنسي في مؤتمره الصحافي عن لبنان بعد أن كان قد تحدّث بخفةٍ عن نظام جديد في السفارة الفرنسية في بيروت. قال الفرنسي في مؤتمره الصحافي من باريس إنّ الوقت الآن لا يسمح بتغيير النظام، ولا بدّ من إنقاذ البلاد من الوضع المتردّي أولاً. وإلى انعدام الفرصة الآن، لا شكّ أنّ المسيحيين اللبنانيين أخبروه أنّ التعديل أو التغيير في النظام يضرُّ أول ما يضرّ بالمسيحيين! لقد كان العقلاء من المسيحيين والمسلمين وعلى مدى ثلاثة عقود يقولون إنّ المشكلة ليست في الدستور، بل في عدم تطبيقه، وفي صيرورة الراديكاليين الشيعية والمسيحية ضدّه؛ هدفه الحصول على حصةٍ أكبر يجدونها في رئاسة الحكومة عند السنّة! أما اليوم، وقد أعلنت الشيعية السياسية عن مطالبها، فإنّ المسلمين في معظمهم، والمسيحيين وعلى رأسهم البطريرك الماروني وبعد تفجير المرفأ وبيروت في 4 آب الماضي بل وقبله، اكتشفوا الطائف والدستور باعتباره مرتكز التوازُن الوطني، وحاميه وحامي العيش المشترك من الاختلال. واستمرار الاختلال لصالح الشيعية السياسية والعسكرية، يعني الهجرة الجماعية للمسيحيين، التي انطلقت بالفعل على قدمٍ وساق، دون أن يعني ذلك أنّ بورجوازيي السنة وجائعيهم لا يفكّرون بالهجرة بل ويهاجرون، وكذلك الأمر لدى البورجوازية الشيعية. كان لبنان دائماً في القرنين الأخيرين منطلقاً لهجراتٍ واسعة، لكنّها صارت الآن تهجيراً لن تتوقف اندفاعاته في المدى المنظور. ولن تتشكّل الحكومة المطلوبة الآن بشدّة، لكنّها إن تشكّلت وفيها الحزب المعصوم، فلن تحظى بدعمٍ من أحدٍ بالخارج الدولي والعربي!

لا بدّ من مرحلةٍ انتقالية في لبنان من سنتين أو ثلاث تأتي فيها حكومةٌ مقبولةٌ لكي تنفرج الأوضاع ويراجع كلّ اللبنانيين المصابين والمذهولين الآن دوغمائياتهم؛ وهو الأمر الذي قاله الرئيس الفرنسي في مؤتمره الصحافي عن لبنان

المشكلة الثانية الحاضرة أو التي حضرت في الوعي والواقع السياسي الآن، فتظهر في انطلاق المفاوضات لترسيم الحدود مع إسرائيل. فمنذ حوالى العام تجري المفاوضات بين مبعوثٍ أميركي وسيط، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ومرة تصعد ومرة تهبط حظوظها. وبالطبع ما كان رئيس الجمهورية ولا الحزب يريدانها أن تكون علنية. لكنّ الأميركان لا يصمتون ويتوخَّون الإحراج والإذلال ربما أكثر من الحرص على النجاح، هكذا هو الأمر في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فلماذا قرّر الإيرانيون وقرّر الزعيم المعصوم فجأةً إعطاء ترامب هذا الانتصار في آخِر شهرٍ من عهده؟ هل اقتنعوا بأنه سينجح؟ فيعطونه هدية مثلما أعطوا ريغان هديةً في مطلع عهده أول الثمانينات بإطلاق رهائن السفارة الأميركية في طهران؟ أم لأنّ في هذا الترسيم البحري على الأقلّ فائدة كبرى لشيعة الجنوب وللبنان، إذ تستطيع الشركات الثلاث التي تعاقدت مع الحكومة اللبنانية البدء بالحفر على الغاز بعد الاتفاق على الحدود البحرية مع إسرائيل. ويؤكد الخبراء أنّ الثروات الغازية موجودة وبكمياتٍ تجارية، لأنها ظهرت في المجال البحري المجاور لدى إسرائيل؟ هذان السببان ممكنان، لكنهما كانا يستطيعان التلبّث شهراً لا أكثر حتى انجلاء نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية دون أن يضرّ ذلك شيئاً في إحقاق الهدفين، بل قد يكون الأمر أفضل لإيران وللحزب إذا نجح المرشح الديمقراطي جو بايدن. لقد كان التأخير حتى في تشكيل الحكومة اللبنانية العتيدة دافعاً لذهاب المراقبين إلى أنّ إيران تريد تأجيل كلّ شيء لحين حصول الانتخابات، وبخاصةٍ أنهم ما عادوا مقتنعين بمبادرة ماكرون الذي وجّه إليهم لَوماً شديداً على التسبُّب في إفشال تشكيل الحكومة! وكما كان الرئيس السادات يقول: 99% من أوراق  الحلّ بيد أميركا!

إنّ الذي دفع للاستعجال من وجهة نظري ونظر آخرين هو استراتيجية رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو في الضغوط المدمِّرة على مخازن أسلحة وصواريخ الحزب المنتشرة من بيروت وإلى الحدود مع فلسطين المحتلة. في 4 آب انفجر العنبر رقم 12 في المرفأ، وفي 22 أيلول انفجر مخزن آخر في عين قانا بالجنوب. وقبل أيّام أعلن نتنياهو من الأمم المتحدة عن وجود مصنع للأسلحة الصاروخية على مقربةٍ من بيروت ومطارها، في ضاحيتها الجنوبية. وسارع إعلام الحزب إلى أخذ مندوبي وسائل الإعلام إلى المكان الذي ذكره نتنياهو ليُثبت كذب دعاية العدو. لكنّ الإعلام الاستخباري الإسرائيلي عاد إلى تصوير المعدّات التي رأى الإعلاميون قسماً منها وأوضح وظائفها العسكرية، وأضاف أنّ الدليل (السياحي) الذي كان يقود الإعلام ويشرح له هو مسؤول الصواريخ في الحزب، وهو من آل رمّال، وضابط في الحرس الثوري. وفي الأوّل  من تشرين الأوّل الجاري أعلن خبراء في الـ FBI الذي كشفوا على موقع انفجار المرفأ أنّ التفجير كان عمليةً تخريبيةً وليس ناجماً عن الإهمال والفوضى رغم وجودهما ثمّ نفوا ذلك فلم يتذكر أحد إلا الخبر الأوّل. إسرائيل إذن فجّرت مخزون الحزب في المرفأ، ومخزون الحزب في عين قانا، وتوشك أن تفجّر المخزون في الجناح بضاحية بيروت، دون أن يستطيع الحزب أن يفعل شيئاً. وإذا تسارعت وتيرة التفجيرات، فقد يصل الأمر إلى المطار نفسه والشويفات والمواقع الأخرى التي ذكرها نتنياهو في كلمته في العام الماضي، وقال إنّها اثنان وعشرون، ولو حصل ذلك، وهو يوشك أن يحصل دون أن يجرؤ الحزب على الردّ بهجومٍ أو حرب، فسيكون ذلك فضيحةً له بعد الانتصارات (الإلهية) على مدى عشرين عاماً وأكثر! ولذلك قرّروا وخلال ساعاتٍ، وقبل أن تنتهي وظيفة السلاح المكدَّس في لبنان كما انتهت في سورية – أن يذهبوا مباشرةً للتفاوض مع إسرائيل، مقدّرين أنّ الانفجارات في مخازنهم ستتوقّف بالتأكيد.

اليوم أعلنت الشيعية السياسية عن مطالبها، فإنّ المسلمين في معظمهم، وعلى رأسهم البطريرك الماروني وبعد تفجير المرفأ وبيروت في 4 آب الماضي بل وقبله، اكتشفوا الطائف والدستور باعتباره مرتكز التوازُن الوطني، وحاميه وحامي العيش المشترك من الاختلال

سيقول "إعلام المقاومة" إنّ سلاح الحزب انتصر. فكما اضطروا إسرائيل إلى الانسحاب عام 2000، يضطرونها الآن ومعها أميركا إلى ترسيم الحدود. لكن تبقى هناك مشكلات. فالمتنازَع عليه في البحر سيجري تقاسُمهُ مناصفةً. أما في البر فسيضطرون للاعتراف بالخط الأزرق المؤقت، وستظلّ مزارع شبعا وتلال كفرشوبا تحت الاحتلال، لأن الإسرائيليين والسوريين يعتبرونها جزءًا من الجولان المحتل، وما اعترفت سورية للبنان بالسيادة عليها أبداً، ورغم أنّ الحزب ركب على ظهورنا (وليس على ظهر إسرائيل) بسلاحه لأكثر من عشرين عاماً من أجل مزارع شبعا بزعمه، حتى عندما غزوتم اليمن يا ناس! وكان من " فضائل" ذلك السلاح على لبنان أخيراً دمار مرفئه وثلث عاصمته! كلُّ هذه الأمور سيجري الصمت عنها وعليها، وسيظلّ الثابت أنهم ضحّوا من أجل التحرير، ويستحقون حصةً أكبر في نظام لبنان المتهالك! ويا دار ما دخلك شر! السلاح انتهت وظيفته، والسيطرة على البلاد لا تحتاج إلى صواريخ طويلة أو قصيرة المدى، فأين ستذهب الصواريخ؟ ورغم أنّ رئيس الجمهورية انزعج قليلاً لأنهم تأخروا في إدخاله إلى المفاوضات؛ فإنه ما يزال مصراً على أنّ الحزب لا شأن له بالمرفأ وما حدث فيه وله. ولا أدري إذا كان ما يزال مصرّاً على أنّ الحزب لا يستعمل سلاحه بالداخل، وأنّه ضروري لردع إسرائيل لأنّ الجيش ضعيف! سيحصل بالتأكيد على إعادة آلاف المسيحيين من إسرائيل.

وعلى رئيس الجمهورية الآن وعلى سائر اللبنانيين بحسب طلب الزعيم المعصوم تغيير الأولويات والقواعد التي كانت موضوعة لتشكيل الحكومات وبياناتها الوزارية، بل وما كان موضوعاً في مبادرة الرئيس الفرنسي عن حكومة الاختصاصيين "حكومة المهمة"، ينبغي بحسب الزعيم وحزبه ولسانهم رئيس مجلس النواب: تشكيل حكومة تكنو – سياسية، أولى مهامها، وابتداءً ببيانها الوزاري، القول بترسيم الحدود مع إسرائيل (بدلاً من ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة!) باعتبار ذلك عملاً تحريرياً عظيماً. اتفاق الحزب مع إسرائيل بوساطة أميركية لا يحرّر مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، بل يفيد في تحديد الحدود البحرية. ولذلك، وما دام النزاع مع إسرائيل قد انتهى أو أوشك، فينبغي النصُّ في البيان الوزاري على أوحدية السلاح بيد الجيش والقوى الأمنية بدلاً من الثلاثية العبثية، وتجاهل ذلك يكون معناه أنّه ما بقيت للسلاح غير وظيفة داخلية يحدّدها حاملو السلاح وحدهم كما حصل حتى الآن. ونكون "يا حلوة لا رحنا ولا جينا" كما يقول اللبنانيون. نكون بدون هذا النصّ الذي يعني تطبيق القرار الدولي رقم 1559 (2001) بإزالة الجيوش الأجنبية والميليشيات المسلحة على الأرض اللبنانية، قد خسرنا مزارع شبعا وتلال كفرشوبا (لصالح إسرائيل وليس لصالح سورية)، وبقي السلاح الإيراني على أعناقنا.

نعم، لبنان دولةٌ محتلةٌ من الحزب في حالة الحرب، وستظلّ محتلةً من جانب الحزب في حالة السلام، أفلا يتحوّل المسلحون وطوائفهم في لبنان وسورية إلى ضامنٍ لأمن الدولة العبرية، في مقابل الحكم في لبنان وسورية؟! هو استشرافٌ أرجو أن لا يصحَّ ولا يتحقّق لأنه خرابٌ كامل. إنما دلّوني على ديارٍ دخل إليها الإيرانيون وميليشياتهم ثم غادروها، ودلّوني، بل دلّونا، على بلادٍ دخل إليها الإيرانيون وميليشياتهم ولم يسيطر عليها الخراب حتى ولو كان فيها ثروات بترولية!