ترسيم حدود لبنان: مقدمة لتحالف إيراني تركي إسرائيلي؟
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

ترسيم حدود لبنان: مقدمة لتحالف إيراني تركي إسرائيلي؟

خالد البوّاب - السبت 03 تشرين الأول 2020

تتعاطى الولايات المتحدة الأميركية مع إعلان "اتفاق الإطار" لإطلاق مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، على أنّها حقّقت انتصاراً ديبلوماسياً. في المقابل، لم يعلّق حزب الله على الاتفاق. من حقّق الانتصار الديبلوماسي قبل موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، سيدفع باتجاه تكريس انتصار سياسي أيضاً. ما أعلن عنه رئيس مجلس النواب نبيه بري يمثّل تحوّلاً كبيراً في الموقف اللبناني، لجهة القبول بالدخول في مفاوضات لترسيم الحدود مع "إسرائيل". وهذا حتماً كان له انعكاسه على المبادرة الفرنسية التي فشلت، مقابل إصرار الأميركيين على التقدّم بمبادرة من نوع آخر على صعيد تشكيل الحكومة.

إقرأ أيضاً: الحزب "يهدّىء" بمفاوضات الترسيم.. لتأخير جهنّم والعقوبات

لن تكون طريق التفاوض سهلة، لكنّه تنازل لبناني بالشكل والمضمون والأساس، لتجنّب العقوبات، وتجنّب المزيد من الضغوط والحصار. ستكون هناك شروط أميركية إسرائيلية قاسية جداً، تتعلّق بملف السلاح والصواريخ. من غير المعروف كيف سيتعاطى معها حزب الله، وما إذا سيكون قادراً على الاستثمار بلعبة الوقت وفق لقواعد التفاوض "الفارسية" التي رفضها جبران باسيل. وذلك سينعكس بشكل واضح خلافاً بين الحليفين الأساسيين ستبرز ملامحه لاحقاً.

الحلف الإيراني الروسي لم يتمكّن من حماية حليفه الأرميني، ولم يتمكّن من توفير الحماية لبشار الأسد. وهذا سيدفع المسيحيين اللبنانيين وخصوصاً التيار الوطني الحرّ إلى طرح تساؤلات كثيرة حول جدوى تحالفهم مع إيران

البيانات الأميركية واضحة لجهة تخصيص مفاوضات الترسيم حول الحدود البحرية، مع تجاهل الترسيم البرّي، لأن إسرائيل تعتبره منجزاً، وينتظر التوقيع الذي رفضه لبنان مشدّداً على ربطه بالترسيم البحري، على ما جاء في كلام الرئيس برّي أمس الأوّل. وتوحي أيضاً بوجود اتفاق ضمني معيّن. يقول لبنان إنّ المباحثات لن تكون مباشرة، بينما يؤكد الأميركيون والإسرائيليون أنّها محادثات مباشرة، وسيكون لها تبعات سياسية كبرى. حتى وإن أعلن ديفيد شينكر أنّ "اتفاق الإطار لا يرقى إلى مستوى التطبيع"، فإنّ خلفية إطلاق هذا الموقف تهدف إلى استدراج المزيد من التنازل من الأطراف اللبنانية. وعندما سئل شينكر عما إذا كان الاتفاق هو تنازل بسبب العقوبات، أجاب بالنفي، علماً أنّ العلاقة بديهية بين المسألتين.

عملياً، ستنطلق المفاوضات من مبادرة السفير فرديريك هوف، المفوّض الأميركي الأول بهذا الملفّ. المفوّض الثاني إيموس هوكشتاين، لم يتخلّ عن اقتراح هوف، لكنّه أوجد تخريجة له، إذ اقترح أنّه في حال اكتشف الغاز في المنطقة المتنازع عليها، لا تستحوذ عليها أيّ دولة من الدولتين، بل يجري إيجاد إطار جديد له، عبر الوسيط الأميركي، الذي يفترض أن يعمل على تشكيل شركة قابضة هي التي تبتاع هذه المنتج، وتدخله في أحد الأنابيب مقابل توزيع العائدات على الطرفين. لا بدّ من انتظار الجلسة الأولى لمراقبة مسارها واستشراف ما سيليها.

ما يجري بين أذربيجان وأرمينيا يستوقف المراقبين لاتخاذ العبر. إيران مثلاً، لم تفعل شيئاً للأرمن، ولم تستطع فعل شيء في سوريا غير تدميرها وتهجير أهلها بدون تثبيت ذلك سياسياً، وبدون القدرة على توفير استمرارية النظام بالمقوّمات اللازمة. الأمر نفسه بالنسبة إلى العراق. كذلك روسيا، غير قادرة على حماية حلفائها في المنطقة وفي أكثر من بلد. وهذا هو الخيار الشرقي الذي أعلن أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله سابقاً وجوب التوجّه إليه. الحلف الإيراني الروسي لم يتمكّن من حماية حليفه الأرميني، ولم يتمكّن من توفير الحماية لبشار الأسد. وهذا سيدفع المسيحيين اللبنانيين وخصوصاً التيار الوطني الحرّ إلى طرح تساؤلات كثيرة حول جدوى تحالفهم مع إيران، او الاستمرار في الركون إلى معادلة "التحالف المشرقي" التي طرحها جبران باسيل سابقاً، فيما سيف العقوبات مسلّط عليهم.

إيران غير قادرة على تقديم الدعم لهم، ولا روسيا، بينما أبرز حلفاء روسيا، كاليونان، وقبرص وصربيا، يبتعدون عنها ويلجأون إلى الأميركيين لحمايتهم. ستتنامى أكثر هذه التساؤلات بعد الموقف الإيراني من أرمينيا والتخلّي عن دعمها. لإيران أسباب كثيرة لتجنّب اتخاذ موقف إلى جانب أرمينيا أهمّها عدم انتكاس علاقتها بتركيا. وثانيها أنّ الأذاريين مكوّن أساسي في المجتمع الإيراني، وأيّ موقف غير محسوب من إيران سينعكس على واقعها الداخلي.

دخول لبنان في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، سيترافق مع دخول النظام السوري أيضاً، بضغط روسي

في المقابل، استنسخت تركيا تجربة الإيرانيين في نقل المقاتلين غبّ الطلب إلى ساحات قتال متعددة، وهي لعبة الميليشيات الشيعية، التي ستنقلب على الإيرانيين، من خلال النشاط التركي في نقل مقاتلين سوريين، وفلسطينيين، وعراقيين وصولاً إلى أفغانيين وباكستانيين. ولذا، أصبح المشهد مكرّساً لميليشيات سنية تجوب الدول والمناطق. هذا المشهد لن يبعد تركيا عن لبنان وهي ستستخدمه مستقبلاً كساحة ترى فيها فراغاً سياسياً وشعبياً داخل البيئة السنية. وكان أول اختراق عملاني عبر زيارة اسماعيل هنية، الأمر الذي سيستتبع بخطوات متعدّدة في الأسابيع المقبلة.

دخول لبنان في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، سيترافق مع دخول النظام السوري أيضاً، بضغط روسي. وإذا ما كانت منطقة الشرق الأوسط تنقسم إلى ثلاثة خطوط وتحالفات غازية ونفطية، جميعها تلتقي بشكل مباشر مع أميركا وإسرائيل، فإن هذه المفاوضات ستقود لبنان إلى أحد هذه الخطوط. الخطّ الأوّل هو الخليجي الإسرائيلي الذي أحدث تحوّلاً هائلاً في المنطقة، والخطّ الثاني مصري عراقي أردني. أما الخط الثالث فتركي قطري، يرتبط في مصالح استراتيجية وموضعية مع إيران الراغبة بالالتحاق في الركب الأميركي ما بعد الانتخابات.

هنا سيكون لبنان أمام خيار السير بواحد من هذه الخطوط الثلاثة. بفعل موازين القوى يرفض حزب الله ومن خلفه إيران أن يكونا في الخطّ الخليجي، ويرفضان اللحاق بالخط العراقي المصري الأردني. سيبقى أمامهما الخطّ التركي القطري المرتبط بتحالف مع إيران، ومع إسرائيل في آن. هذا الخطّ لا يعلن عن تطبيع العلاقات واتفاقيات السلام على الرغم من أنّه أحد العاملين في سبيل دفع كلّ العرب الآخرين إليها. فيكون هذا الخطّ هو الموضعي في التحالف على قاعدة "التقية" وإعلان العداء واستمرار المقاومة، فيما الجوهر يكون مختلفاً بشكل كامل.