أنطوان مسرة لـ"أساس" (2/2): البديل عن الطائف حرب أهلية
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

أنطوان مسرة لـ"أساس" (2/2): البديل عن الطائف حرب أهلية

زياد عيتاني - السبت 03 تشرين الأول 2020

يقارب الدكتور أنطوان مسرة الأزمة اللبنانية عبر علم النفس، ويؤكد أنّ استمرار هذه الأزمة يكمن في أننا لم نعالج هذا المرض النفسي الذي نعاني منه. ثمّ ينتقل إلى التاريخ فيقول "العرب واللبنانيون عكس العالم كله. فالعالم يتعلّم من التاريخ. أما العرب واللبنانيون يتعلّمون في التاريخ".

يحذّر الدكتور مسرة من المسّ بالطائف، ويرى أنّ الكلام عن تعديله جهل كبير، ويقول لـ "أساس": "كلّ كلمة، وكلّ سطر بالطائف لها جذور، وهي إنتاج لبناني أصيل مثل (الكشك والأوارما) ما عدا البند حول إعادة تمركز الجيش السوري من لبنان، وهذا البند خلق إشكالاً مع اللجنة العربية، ومن بعدها إشكالاً في اجتماعات الطائف. ومنذ سنتين علمت من بعض المشاركين بالطائف أنّ هذا البند كتبه الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بيده، وقال: "من يريد تعديله يتصل به شخصياً. لم أكن ادرك حجم الضغط الكبير".

إقرأ أيضاً: أنطوان مسرة لـ"أساس" (1/2): "ليس لدينا خيار غير دولة لبنان الكبير"

وتابع: "لا يوجد بديل عمليَاً عن اتفاق الطائف. والكلام عن تعديله هو جهل، ومن يتكلّم عن تعديل الطائف لا يقول ماذا يريد من هذا التعديل، مثل الذي يتكلم عن الدولة المدنية ولا يقول ماذا تعني الدولة المدنية؟ كالداخل إلى المطعم ويشعر بالجوع، ولا يعرف ماذا يريد أن يأكل. هم يلهوننا بشعارات فارغة".

يذهب الدكتور مسرة إلى أغوار التجارب العلمية والبحثية، فيرى أنه "في علم النفس العيادي وعلم النفس التاريخي، كلّ شعوب العالم لديها مشاكل، وقد عالجتها بسياق كتابة التاريخ والتربية. عندما تقرأ كتاب كمال جنبلاط "من أجل لبنان"، هو كتاب لديه خلقية عالية جداً واعتراف بالواقع والحكمة ومعالجة لرواسب الماضي. كلّ طائفة في لبنان لديها رواسب بتاريخها.

موارنة كسروان وجبل لبنان يجري استغلال هواجسهم بشأن الحماية واستعادة حقوق وما إلى ذلك. السُنّة أُغرقوا بمفهوم العروبة والاُمة. وبالفعل، حصلت بعض المراجعات السُنيّة حيث صدر عن القيادات السُنية بيانات رائعة عن الرئيس صائب سلام (لبنان وطن لجميع أبنائه)، وبيان آخر عن قوى التحالف مع القوى الفلسطينية المسلّحة.

كلّ بلد تحت الاحتلال لا ينتظم وضعه الدستوري. واليوم نحن بلد محتل من الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالوكالة من جهة داخلية

أما الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس، فقد عاشوا بالمدن وبتفاعل مستمر مع الجميع ومع المسلمين. الشيعة لم يكن لهم دور كبير خلال الحكم العثماني ثم وقت الانتداب باستثناء الأسعد وعسيران. هم لديهم عقدة الغبن التي استغلت بالسياسة. وعندما دخلوا إلى الشأن العام دخلوا كغزاة. فيما الطائفة الأرمنية، هي من أكثر الطوائف التي يجب أن نتمثّل فيها لأنها حملت ذاكرة أليمة، وأدركت أنّ حمايتها تكون من الدولة فقط. وأذكر الراحل الكبير النائب خاتشيك بابكيان في أوائل 1975. كان الأرمن معرّضين لكثير من الانتقادات والاتهامات مطالبين إياهم بتشكيل ميليشيا، قال لي خاتشيك في حينه: "لا نريد أن نتهجّر مرة ثانية".

يربط الدكتور مسرة انتظام الدستور بإنهاء الاحتلال مؤكداً أنّ لبنان حالياً محتلّ من إيران ويقول: "كلّ بلد تحت الاحتلال لا ينتظم وضعه الدستوري. واليوم نحن بلد محتل من الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالوكالة من جهة داخلية. وأجرينا اتفاق القاهرة سنة 1969 مع القوى الفلسطينية المسلّحة لأن بعض السُنة والتقدميين يريدون تغيير النظام بالاستقواء بالخارج. وحصلت توبة قومية، وبعدها جاء اتفاق قاهرة جديد، هو اتفاق مار مخايل ودائماً عبر الاستقواء بالخارج. كلّ شخص سعى للاستقواء بالخارج، ذهب ضحية الخارج".

ويعتبر أنّ "التجربة الماضية أثبتت أنّ من يستقوي بالخارج الذي هو الأقوى بالنهاية سيبيع الداخل نتيجة صفقات. فلننظر اليوم إلى الذين تعرّضوا للاغتيال في لبنان هؤلاء هم رجال الدولة (كمال جنبلاط، بشير الجميل، رفيق الحريري، رينيه معوض) ومن الجيل الجديد (جبران تويني، سمير قصير، محمد شطح)، تركوا المخادعين والمستقوين ليتمسرحوا. نحن صغار في لعبة الكبار. لبنان كبير في دوره ورسالته ونموذجه، ولكنه صغير في لعبة الأمم".

اليوم اللبنانيون عالقون بمأزق عليهم أن يتخذوا موقفاً (دولة أو لا دولة، جيش أو لا جيش، دستور أو لا دستور)

يصمت الدكتور مسرة ثم يقول: "كلّ تجربة في تاريخ لبنان تدلّ على أنّ كلّ من يلعب بلبنان يكون ضحيته متل (أرض عليها بيض). لبنان هو وحدة اقتصادية تجارية مصلحية إنسانية صلبة صلبة صلبة. كلّ الحروب لم تفكّك هذه الوحدة الصلبة على الرغم من الاستراتجية الإسرائيلية حيث تشير كتابات إسرائيلية سنة 1952 إلى أنّ دافيد بن غوريون قال: إذا امتدّ العنف لفترة طويلة، فستنفصل هذه العلاقات الصلبة. إلا أنّ مشكلتنا أن هذه الوحدة الاقتصادية المشروعة الصلبة لم تمتد الى المجال السياسي فلبنان بقي سهل الادلجة والسياسيون الفاسدون يُتلاعب بهم وبعقولهم. وهذه ناحية تربوية ثقافية تحتاج لمعالجة من خلال تعليم التاريخ ومن خلال التربية المدنية في المدارس. وهذا ما قمنا به منذ العام 1996 حتى 2002 في خطة النهوض التربوي مع منير أبو عسلي الواردة في اتفاق الطائف. وكنت أنا عضواً في اللجنة التربية المدنية. في التاريخ، صدرت البرامج بـ90 صفحة بالاجماع من مجلس الوزراء في حزيران 2000. ثم أحد وزارء التربية أوقف العملية لحجّة وليس لسبب. كما حصل بشأن صلاحيات رئيس الجمهورية. فالدستور اللبناني يشير إلى أنّ رئيس الجمهورية يسهر على احترام الدستور (المادة 49 من الدستور) وهو الوحيد الذي يقسم اليمين الدستوري. هو فوق الصلاحيات. والتعاطي بالصلاحيات هو ملك دستوري خارج علاقات النفوذ والسلطة، ويحق له أن يتدخل عند مخالفة الدستور".

في نهاية اللقاء مع الدكتور مسرة لا يمكن أن تضع نقطة نهاية، فالحديث معه يبدأ ولا ينتهي. ولدى سؤال عن المطلوب من اللبنانيين قال: "اللبناني يحب "المسايرة" على قاعدة مسافة واحدة من الجميع. وأنا عانيت من ذلك عندما كنت في المجلس الدستوري. واليوم اللبنانيون عالقون بمأزق عليهم أن يتخذوا موقفاً (دولة أو لا دولة، جيش أو لا جيش، دستور أو لا دستور). لبنان عربي الهوية والانتماء. اللبنانيون سنة 1943 اتخذوا موقفاً وتعرّضوا للسجن، الصامتون المتموضعون في مسافة واحدة من الجميع أين موقفهم من الدولة؟

وأقول للبنانيين لا يوجد بدائل عن دستورنا، وعن الطائف، والبديل هو الحرب الأهلية لسنوات. وأنصح الجميع بقراءة كتاب إميل جعجع "كيف كفرت بالميثاق وعدت إليه". فبشير جميل عند انتخابه رئيساً للجمهورية تحدّث عن لبنان 10452 كلم2. وفي بداية الحرب سنة 1975 نادى بشعارات "مات الميثاق وقبرناه والآن بدأت معركة الجبل ولينتصر من ينتصر". هو تعلّم من الخبرة. هل نحن نتعلم دائماً في التاريخ أو من التاريخ؟".