ماكرون "لن يَلزم حدّه"!! والخلّية الفرنسية على حالها...

ماكرون "لن يَلزم حدّه"!! والخلّية الفرنسية على حالها...

ملاك عقيل - الثلاثاء 29 أيلول 2020
أ ف ب

على الرغم من أنّ الرأي السائد في الإليزيه كان ينحو باتجاه عدم الالتزام بمهل زمنية محدّدة في سياق إعادة إنعاش المبادرة الفرنسية، إلا أنّ الرئيس إيمانويل ماكرون عاد وكبّل نفسه بمهلة الستة أسابيع كحدّ أقصى "لولادة الحكومة وحصول تقدّم". مهلة وصفها الرئيس الفرنسي بـ"المفصلية". ولعلّ أحد أهمّ ركائزها عدم قطع حبل الصرّة مع حزب الله ورفضه تبنّي سياسة العقوبات (الأميركية والأوروبية) رغم "تتويجه" حزب الله على أنّه "المعرقل الأوّل" لمسار المبادرة الإصلاحية.

إقرأ أيضاً: الحريري – ماكرون: من أهان سياسته هان هوانه

لكنّ العارفين يجزمون بأنّ "وضع أيّ مهلة لم يعد واقعياً مع اقتراب الانتخابات الأميركية والصعوبة الكبيرة جداً في تأليف حكومة في المدى المنظور"، مشيرين إلى أنّ "الفرنسيين سيرفعون مستوى اتصالاتهم إلى أعلى بكثير من عون وبري والحريري والحزب، بعدما أدركوا أنّ اليد الفرنسية وحدها لا تصفّق، فيما الطبّاخون اللبنانيون يمعنون في إحراق كلّ ما يصل إلى يدهم. وهم يفضّلون رئيس حكومة لا يحمل كتاب اعتذاره مع أوّل تشكيلة حكومية يقدّمها لرئيس الجمهورية. فماكرون قضى أكثر وقته يقنع مصطفى أديب بعدم الاعتذار"!!.

ما قام به ماكرون يشكّل سابقة في الإليزيه لجهة مخاطبة قادة دول بهذه الطريقة بما في ذلك رئيس الجمهورية، مستثنياً من كلّ الطاقم الجيش اللبناني فقط. وهذا ما لم يفعله أيّ رئيس فرنسي آخر

إعلان فشل المحاولة الأولى في سياق ترجمة المبادرة الفرنسية تزامن مع انتهاء خدمات السفير برونو فوشيه في لبنان الذي واكب تفاصيل المبادرة، وعقد أكثر من جلسة مع مسؤولي حزب الله في قصر الصنوبر، وغاص في تفاصيل الزواريب اللبنانية، وهو يغادر لبنان نهائياً نهاية الشهر الحالي.

سفيرة فرنسا الجديدة في لبنان آن غريو تنتقل من موقعها كسفيرة منذ العام 2017 في المكسيك، إلى بيروت، بخبرة متواضعة في ما يتعلّق بالملفات اللبنانية. إذ لا اطّلاع لديها بشكل عام على ملفات الشرق الأوسط. والمغرب هو البلد الوحيد الذي تولّت فيه غريو منصباً استشارياً. وهو بروفيل يعاكس ذاك الذي يتمتّع به فوشيه "المستشرق" والمتخصّص في شؤون منطقة الشرق الأوسط والملمّ بالملف الإيراني.

وغريو التي ستصل إلى لبنان في 4 تشرين الأول لن تكون في هذه المرحلة جزءًاً أساسياً  من الـ team work الفرنسي المعنيّ بإنعاش المبادرة. إذ ستكمّل ما بدأته منذ أسابيع في فرنسا، باستكشاف الملفّ اللبناني بكلّ مفاصله وأزماته. وقد أسرّ أحد المسؤولين الفرنسيين لإحدى الشخصيات في بيروت قائلاً: "on va tout gérer de Paris"  (سندير كلّ شيء من فرنسا). وماكرون لن يترك بسهولة الساحة اللبنانية.

وهنا تؤكد المعلومات أنّ كلّ ما أشيع عن تغييرٍ سيجريه ماكرون على فريق عمل خليّة الأزمة المعنيّة بإدارة مرحلة ما بعد استقالة حسان دياب، وانفجار المرفأ، ليس صحيحاً، بل سيبقى فريق إيمييه – بون – دوريل مُمسِكاً بمفاصل الملف (إيمانويل بون هو سفير فرنسا السابق في لبنان، وبرنار إيمييه هو رئيس الإستخبارات الخارجية الفرنسية، وباتريك دوريل هو مستشار الرئيس الفرنسي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا).

وفيما لوحظ في المؤتمر الصحافي لماكرون "رشاقته" في تناول تفاصيل مواقف القادة اللبنانيين وتشريحها وإلمامه الكبير في "زواريب" التركيبة السياسية الطائفية، فإنّ مصادر مطّلعة على كواليس الإليزيه تؤكد أنّ "الثلاثي الفرنسي كان يقدّم يومياً briefing لماكرون. والأخير لديه شغف واضح بالوصول إلى نتيجة وإحداث خرق كبير في جدار الأزمة. ولعل أهمّ ما فعله في هذا المؤتمر إسقاط القناع عن قادة هم بمصاف زعامات، وتكريس بقاء الطابة في الملعب اللبناني، وتحديداً في قصر بعبدا، لجهة الدعوة إلى استشارات سريعة لتكليف رئيس حكومة جديد".

وفي الشكل، تشير المصادر إلى أنّ "ما قام به ماكرون يشكّل سابقة في الإليزيه لجهة مخاطبة قادة دول بهذه الطريقة بما في ذلك رئيس الجمهورية، مستثنياً من كلّ الطاقم الجيش اللبناني فقط. وهذا ما لم يفعله أيّ رئيس فرنسي آخر".

وتضيف المصادر: "صحيح أنّه في Ethique التخاطب بين رؤساء الدول هذا أمر غير جائز، وأنّ الرئيس الفرنسي تخطّى فعلاً حدود اللياقات السيادية، خصوصاً أنّه ليس هناك حالة نزاع بين البلدين، بل علاقات تاريخية واحترام متبادل. لكنّ ماكرون خَبِر شخصياً مناورات وكذب بعض هؤلاء المسؤولين، وسَمح لنفسه بتسطير مضبطة اتهام غير مسبوقة إلى درجة ألمح فيها إلى أنّ الرئيس نبيه بري يتعرّض لضغوط من جانب حزب الله، وأنّ سعد الحريري الذي يلعب دور "الإصلاحي والمُنقذ" قد أخطأ في إدارة تأليف الحكومة. أما لجهة حزب الله، فقد تخلّى بالكامل عن لجهته الدبلوماسية معه إلى حدّ التكامل مع المنطقين الأميركي والسعودي. وهذه النقطة هي الأكثر حساسية في خطابه". وتعلّق المصادر قائلة: "بالتأكيد، هو لم يكن ليفعل ذلك لو لم يتعاطَ معهم بالأساس على أنهم "تلامذة" يستدعيهم عند اللزوم ليُعلمهم بواجباتهم وصولاً إلى حدّ توبيخهم".

الأمر وصل إلى حدّ طلب الإيرانيين من الحزب أن "يرخيها قليلاً" في الموضوع الحكومي مع حليفه نبيه بري

وفيما ينتظر أن يحدّد السيد حسن نصرالله اليوم موقف الحزب من المبادرة الفرنسية بعد اعتذار أديب، فإن هاشتاغ "ماكرون إلزم حدّك" الذي تصدّر في اليومين الماضيين مواقع التواصل والذي حرّكته الجيوش الإلكترونية الموالية للثنائي الشيعي، مهّد للهجة التي سيتحدّث بها نصرالله.

 وفي هذا السياق تحديداً، تشير أوساط مطلعة إلى أنّ "ماكرون لم يكن يناور حين فَصَل بين موقف حزب الله وبين موقف طهران، مبرّئاً إيران من تهمة تعطيل تشكيل حكومة أديب في ظلّ "عدم وجود دليل على ذلك". فالرئيس الفرنسي يدرك أنّ حسابات إيران في لبنان لا  تتوقف على حقيبة أو تسمية الوزراء الشيعة، في وقت صبغت كافة الحكومات الماضية بشيء من التعفّف "الحزبلاوي" في مسألة الحقائب، فيما المطلوب من الحزب إيرانياً على المستوى الإقليمي، يقوم به على أكمل وجه".

وتؤكد الأوساط عينها أنّ "الأمر وصل إلى حدّ طلب الإيرانيين من الحزب أن "يرخيها قليلاً" في الموضوع الحكومي مع حليفه نبيه بري"، لافتة إلى أنّ "حزب الله أهدر فرصة ثمينة جداً في خطوة غير مسبوقة لدولة أوروبية كبرى كفرنسا خاطبته وجهاً لوجه كاسرة المناخ الدولي الضاغط ضده، فيما كان يجدر به أن يلاقيها إلى منتصف الطريق بتسهيل تشكيل حكومة خصوصاً أن ليس هناك من وزير شيعي سيخوض معركة كسر حزب الله من داخل الحكومة. وهو بمطلق الأحوال، يملك الغالبية النيابية وبإمكانه قلب الطاولة حين يريد".

وهنا يقول مطلعون إنّ "رئيس الجمهورية طلب عبر وسطاء من الحزب التعاطي إيجاباً مع موضوع الحكومة لتسهيل الحلّ في ما يتعلّق بالمداورة وآلية التسمية، لكنّه فوجئ بصدّه أكثر من مرة. وهو اليوم لن يكون في وارد الدعوة إلى استشارات قبل التفاهم المسبق على اسم الرئيس المكلّف والتشكيلة الحكومية، خصوصاً أنّ عون نفسه يرفض حتى من يسمّي عنه الوزراء المسيحيين من دون استخدامه حق الفيتو".