ماكرون تشاور مع محمد بن سلمان.. مجرّداً الحزب من صفة "الاحترام"
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

ماكرون تشاور مع محمد بن سلمان.. مجرّداً الحزب من صفة "الاحترام"

خالد البوّاب - الإثنين 28 أيلول 2020

لو تسنّى للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يقارن بين خطابه في قصر الصنوبر يوم الأول من أيلول، وخطابه في السابع والعشرين منه، لتفاجأ هو نفسه من نفسه. في الموقف الأول لم يشنّ أيّ هجوم على حزب الله، لا بل اعتبره طرفاً لبنانياً قوياً ومنظّماً ويمكن الاستناد عليه في إحداث تغيير أو في مسار الإصلاح. أمّا الموقف الثاني، فقد جاء مغايراً بشكل كامل لمضمون الأوّل. خصّص ماكرون مؤتمره لتحميل حزب الله المسؤولية، وصعّد بوجه الحزب بشكل غير مسبوق. صعّد بوجه الثنائي الشيعي عندما قال إنّ الحزب والحركة لا يريدان التسوية ولم يسهّلا إنجازها وخيّرهما بين الديمقراطية وبين "الأسوأ"، معتبراً أنّ الحزب والرئيس نبيه برّي أمام خيار تاريخي.

إقرأ أيضاً: الكلمة الأخيرة في هذا الشرق للسعودية

ربما يتسبّب ماكرون بأذى للرئيس بري، باعتباره وحزب الله فريقاً واحداً، وهذا أحد مؤشرات التلويح الفرنسي باحتمال الانتقال إلى خيار تأييد السياسة الأميركية في لبنان، وهي "الأسوأ" الذي لم يعلن عن طبيعته ماكرون. على الرغم من أنّه اعتبر أنّ فرض عقوبات فرنسية حالياً لن يكون مجدياً.

ما قبل فشل تشكيل حكومة مصطفى أديب، أي فشل المبادرة الفرنسية، التي لم يرد ماكرون التخلّي عنها، كان لدى حزب الله غطاء دولي تمثّله فرنسا التي ترفض الاستجابة للضغوط الأميركية في تصنيفه إرهابياً. وأصرّت على التواصل معه والرهان على هذا التواصل لإنجاح مبادرتها، لكنه عاد وعبّر عن خذلان و"خيانة" تعرّض لهما. وصل به الأمر إلى حدّ اتهام حزب الله بالكذب. ليخسر الحزب إحدى أهم الأوراق الدولية التي كانت تمنحه غطاءً ما حتى الأمس. من أول تداعيات هذه الخسارة، هي عملية الفصل التي أجراها ماكرون بين الحزب وإيران. ففي وقت حمّل الحزب المسؤولية الكاملة عن إجهاض التسوية، أشار إلى أنه لم يكن لديه أيّ دليل على ضغوط إيرانية مورست لأجل عرقلة المبادرة الفرنسية وعملية تشكيل الحكومة، وحصر السبب بالشق الداخلي وبسعي حزب الله لتعزيز موقعه السياسي في لبنان. 

ربما يتسبّب ماكرون بأذى للرئيس بري، باعتباره وحزب الله فريقاً واحداً، وهذا أحد مؤشرات التلويح الفرنسي باحتمال الانتقال إلى خيار تأييد السياسة الأميركية في لبنان

هذا الفصل بين الحزب وإيران يؤكد أنّ فرنسا ماكرون لا تريد التخلّي عن علاقتها مع طهران، ولا عن الرهان على حصول مفاوضات إيرانية أميركية ربما تؤدي إلى اتفاق. بينما أبدى استعداداً للتخلي عن العلاقة مع الحزب، الذي فرض عليه شروطاً قاسية. فقال إنّ على حزب الله أن يثبت أنّه حزب سياسي لأن ليس بإمكانه بأن يكون جيشاً في لبنان، وميليشيا تقاتل في سوريا، ويدّعي أنه حزب سياسي يحظى باحترام اللبنانيين، بينما هو يخوّف اللبنانيين ويمارس عليهم الترهيب.

هكذا نزع ماكرون ورقة السلاح من يد حزب الله، أي ورقة القوة، وفتح الطريق أمام مرحلة سياسية جديدة تتعلّق بتعاطي الشأن السياسي بدون استخدام السلاح أو التهديد. وهذا بحدّ ذاته تحوّل كبير على صعيد الموقف الفرنسي من الحزب، ويشير إلى التقارب الفرنسي مع النظرة الأميركية.

وصف ماكرون حزب الله بـ"صاحب النشاطات الإرهابية"، لكنه أكّد أنه لن يلجأ حالياً إلى خيار العقوبات، أيّ أنه لن يلجأ إلى تصنيف الحزب على لائحة الإرهاب الفرنسية

بالطبع تأخر ماكرون كثيراً في اكتشاف حزب الله. وهو ربما اقتنع بما قاله له وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو قبل مدّة، عندما اعتبر أنّه لا يمكن الرهان على عقد اتفاقات وحوارات مع إيران وحلفائها، لأنّ هذا الأسلوب لا ينفع معهم. الآن تأكد ماكرون من صحة هذا الكلام. وبالتأكيد، كلامه سيفتح الطريق أمام المزيد من الضغوط الأميركية على الحزب، على الرغم من أنّ واشنطن لم تكن توافق باريس على التطبيع مع الحزب والاعتراف بدوره في تشكيل الحكومة الجديدة. لا بل ستضغط أميركا أكثر على فرنسا لتصنيف الحزب كمنظمة إرهابية. وقد وصف ماكرون حزب الله بـ"صاحب النشاطات الإرهابية"، لكنه أكّد أنه لن يلجأ حالياً إلى خيار العقوبات، أيّ أنه لن يلجأ إلى تصنيف الحزب على لائحة الإرهاب الفرنسية. هكذا ترك الباب مفتوحاً أمامه، لكن هذه المرّة بصيغة جديدة، قوامها ضرورة أن يقدّم الحزب تنازلاً أساسياً وواضحاً في عملية تشكيل الحكومة، بعدم التمسك بأيّ وزارة وبعدم التمسك بمبدأ أن يتمثّل في أيّ حكومة، وإلا حينها سيكون خيار العقوبات جاهزاً.. وربما أكثر من العقوبات.  وفي المضمون أيضاً، منح كلام ماكرون حزب الله خيار أن يبقى "حزباً سياسياً" لا يستخدم السلاح في الحياة السياسية.

الخطأ الكبير الذي ارتكبه ماكرون في مبادرته الأولى أنّه أراد تجنّب النقاش في ملف سلاح الحزب وتأجيله، بينما كان واضحاً أنه لا يمكن لأيّ تسوية أن تنضج وتنجح في ظلّ السلاح واستخدام وهجه. وربما تلك هي القناعة التي وصل إليها الرئيس الفرنسي، ففرضت عليه التشاور مع ولي العهد السعودي قبل مؤتمره الصحافي. ولا بدّ من الوقوف عند ما قاله له الأمير محمد بن سلمان بعد الموقف الذي أطلقه الملك سلمان قبل أيام. هنا مربط الفرس. وعلى هذه السكّة ستسير الأمور من الآن وصاعداً.