الكلمة الأخيرة في هذا الشرق للسعودية
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

الكلمة الأخيرة في هذا الشرق للسعودية

خالد البوّاب - الأحد 27 أيلول 2020

كان الزعيم كمال جنبلاط يقول في ستينيات وسبعينيات القرن الفائت، إنّ الكلمة الأخيرة في هذا الشرق للسعودية. يعني ذلك أنّه لا يمكن إبرام أيّ اتفاق لا توافق عليه المملكة وهي قادرة على ضربه وإنهائه أو تغييره. حصل ذلك في أكثر من محطة. أبرزها لبنانياً، إطاحة المملكة بالاتفاق الثلاثي الذي نشأ بين الدروز والشيعة والموارنة في الثمانينيات. أي بين وليد جنبلاط، نبيه بري، وإيلي حبيقة برعاية علوية سورية. أطاحت المملكة بالاتفاق الذي بني على ركام بيروت والسنّة، وأعدّت العدّة لاتفاق الطائف الذي أعاد التوازن، وضرب منطق تحالف القوى الأقلوية.

لا يمكن توقع أيّ حلّ للأزمة اللبنانية لا يكون فيه للسعودية ودول الخليج من خلفها الكلمة الأخيرة.

إقرأ أيضاً: أي حكومة بعد خطاب الملك سلمان؟

واليوم يأتي الموقف السعودي الأوّل من نوعه، على العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، ليعلن أنّ انفجار المرفأ "هو نتيجة هيمنة حزب الله على اتخاذ القرار في لبنان بقوة السلاح ما أدّى إلى تعطيل مؤسسات الدولة الدستورية". قالها الملك سلمان بصراحة لا لبس فيها ولا مجال للشبهة في استنتاج ما عناه في كلمته: حزب الله هو الذي يتحمّل المسؤولية. أي أنّ تفجير المرفأ حصل بسبب الحزب وسلاحه، وهو الموقف الدولي الأوّل الذي يتحدّث بوضوح عن حصول عملية استهداف. المعادلة واضحة هنا، تشير إلى اتّضاح رؤية دول الخليج والدول العربية والغربية حول مخاطر سلاح الحزب وتداعياته.

قبل الدخول في التداعيات السياسية المحلية لموقف الملك سلمان، فإن إجماع السعودية مع الولايات المتحدة الأميركية والكثير من الدول الأوروبية، باستثناء فرنسا، على تصنيف الحزب بالإرهابي، يعني أنّ الحزب دولياً قد أضحى كتنظيم داعش، الذي استدعى إنشاء تحالف دولي لإنهائه

أيضاً هي المرّة الأولى التي يعلن فيها الملك السعودي وجوب تجريد حزب الله من سلاحه واصفاً إياه بأنّه "تنظيم إرهابي"، ومما قاله الملك سلمان: "تحقيق ما يتطلّع إليه الشعب اللبناني الشقيق من أمن واستقرار ورخاء يتطلب تجريد هذا الحزب الإرهابي من السلاح". لم يخرج أيّ موقف سعودي من قبل بهذا الوضوح، وعلى هذا المستوى الرفيع. والأهم انه لا يمكن أن يكون الكلام لمجرّد الكلام، إنما سيكون له تبعات سياسية كبيرة أساساً كانت قد بدأت بالتبلور من خلال وقف أيّ دعم أو مساعدة عن لبنان ووضعه في شبه عزلة دولية بسبب حزب الله ونشاطه، كما أنها تتبلور سياسياً لناحية الشروط الدولية والعربية في رفض مشاركة الحزب بأيّ حكومة.

قبل الدخول في التداعيات السياسية المحلية لموقف الملك سلمان، فإن إجماع السعودية مع الولايات المتحدة الأميركية والكثير من الدول الأوروبية، باستثناء فرنسا، على تصنيف الحزب بالإرهابي، يعني أنّ الحزب دولياً قد أضحى كتنظيم داعش، الذي استدعى إنشاء تحالف دولي لإنهائه. اليوم هناك تحالف دولي لنبذ حزب الله سياسياً بعد تصنفيه إرهابياً. ولا يمكن اتهام السعودية بأن خلفيتها في مواجهة الحزب طائفية أو مذهبية، لأنّها واجهت من قبله تنظيم داعش والنصرة وكلّ الجماعات المتطرفة، كما واجهت جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسهم الإخوان المسلمون. ما يعني أنّ المعركة ليست ضدّ الشيعة، بل ضدّ التنظيمات المتطرفة أيّاً كان توجّهها.

 

ماذا يعني هذا الكلام بأبعاده المستقبلية؟

طوال السنوات الفائتة، عندما كان العديد من الدول لا يزال يتعاطى مع الحزب كحزب لبناني، وجّهت إليه نصائح كثيرة بعدم الانخراط في معارك سوريا، والعراق، واليمن. نُصح بالعودة إلى لبنان والاهتمام بالملف اللبناني الداخلي عبر الانخراط باللعبة السياسية. لم يستجب الحزب واعتبر نفسه قوة إقليمية، أذاب الحدود بين الدول في صورة مشابهة لما فعله تنظيم داعش، ما دفع بدول كثيرة إلى التعاطي معه وفق هذا المنطلق، وقد بدأ ذلك بالظهور من خلال استهداف مواقعه وعناصره في سوريا من قبل الطائرات الإسرائيلية، وعلى الحدود السورية العراقية، وداخل العراق من قبل طائرات أميركية تعتبر من عداد التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.

سيعيد الموقف السعودي خلط الأوراق اللبنانية بشكل كامل. من كان مندفعاً إلى هذه التسوية الحكومية، سيتراجع. وفي حال أصرّ على سياسته، سيدفع ثمناً غالياً في مستقبله السياسي والشعبي، الأمر الذي سيؤسّس تحالفات جديدة على الساحة اللبنانية

بعد هذه التطوّرات، تغيّرت المعادلة بشكل كامل، لم يعد أحد يطالب حزب الله بالانسحاب من الميادين الخارجية والعودة إلى الانخراط بالحياة السياسية اللبنانية. إنما انقلبت الآية، بحيث بات ممنوعاً على حزب الله المشاركة في الحياة السياسية اللبنانية، وممنوع عليه المشاركة في الحكومات أو أن يكون مقرّراً في مجريات الأحداث السياسية، مقابل عدم الاهتمام بانسحابه من الدول المجاورة لأن الأوضاع تخطّت مرحلة الكلام، وسيكون عرضة للاستهداف العسكري، وربما من قبل التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، لعدم إعطاء الحزب أيّ مجال للتعاطف بحال كان استهدافه من قبل إسرائيل. وهنا لا بدّ من التوقف عند اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول الخليجية، وما سيكون لذلك من تبعات كبرى.

أما الأبعاد اللبنانية في كلام الملك سلمان فهي تعني الكثير:

 - أولاً: تعني توجيه ضربة قاصمة للمبادرة الفرنسية، التي فصلت حزب الله عن سلاحه، وأجّلت البحث في مسألة السلاح علماً أنّ كلّ المجتمع الدولي ينسب المشكلة اللبنانية إلى سلاح الحزب، فكان الموقف واضحاً بأنه لا يمكن الاعتراف بالحزب كقوة سياسية، بينما هو قوة عسكرية تقوّض الدولة، ويدفع اللبنانيون ثمن مغامراتها.

- ثانياً: يشكّل الكلام ضربة قوية لكلّ القوى السياسية المحلية التي تذهب إلى تطبيع علاقاتها مع حزب الله، وتقديم التنازلات له، والاستمرار في إبرام التسوية معه. وأكثر من يصاب بهذا الكلام هو الرئيس سعد الحريري، الذي لم يتغيّر في أدائه السياسي على الإطلاق.

- ثالثاً: يؤشّر كلام الملك سلمان إلى أنّ الحريري لم يعد هو الانعكاس الحقيقي للموقف السعودي في لبنان.

- رابعاً: يؤكد الكلام أنّ السعودية تقف أمام الموقف الأميركي وليس خلفه. ومن الملاحظ أنه بعد موقف الملك، جاء تصريح مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد هيل في الاتجاه السعودي نفسه، فاعتبر أنّ "أميركا تقدم المساعدة عندما يلتزم قادة لبنان بالتغيير"، وأنّ "دعم الجيش أتى ضمن استراتيجيتنا لمواجهة إرهاب حزب الله".

- خامساً: سيعيد الموقف السعودي خلط الأوراق اللبنانية بشكل كامل. من كان مندفعاً إلى هذه التسوية الحكومية، سيتراجع. وفي حال أصرّ على سياسته، سيدفع ثمناً غالياً في مستقبله السياسي والشعبي، الأمر الذي سيؤسّس تحالفات جديدة على الساحة اللبنانية.

- سادساً: سيكون للموقف تداعيات كبيرة على الساحة الداخلية خاصة أنه موقف يتلاقى مع مواقف البطريرك الماروني بشارة الراعي، والمطران الياس عودة. وستجد قوى مسيحية كثيرة أنّ الموقف تعبير عما تفكّر فيه، كما أنّ انعكاسه سيكون بشكل مباشر أيضاً على الساحة السياسية السنية التي لم تعد قادرة على الاستمرار بنهج التنازل. وإذا كان الاستسلام من قبل يتذرّع بأنّ لا حاضنة عربية ودولية، فها هو الموقف قد أعلن. وما بعده سيكون هناك الكثير من التحوّلات.

 

ونحن التاركون إذا سخطنا.. ونحن الآخذون لمّا رضينا

"عمرو بن كلثوم"