الشيعية السياسية ما بعد "مار مخايل"
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

الشيعية السياسية ما بعد "مار مخايل"

نديم قطيش - الإثنين 21 أيلول 2020

ليس من باب الصدفة هذا التزامن بين أمرين:

1- فائض التصعيد عند الثنائي الشيعي للحصول على وزارة المال في الحكومة العتيدة وحق تسمية الوزراء الشيعة فيها.

2- فائض الانسحاب المسيحي الماروني الذي مارسه جبران باسيل، في مؤتمره الصحافي الأخير، من بنود جدول الأعمال المشترك بينه وبين قاطرة الثنائي، أي حزب الله.

إقرأ أيضاً: التهديدات المتزايدة للعيش المشترك

منذ تفاهم مار مخايل 6 شباط 2006، اختار حزب الله (قاطراً خلفه الرئيس نبيه بري المتآكلة حصته في القرار الشيعي) أن يحيل معادلة 6 شباط 1984 إلى التقاعد. نسخة 2006 أنشأت الحصانة السياسية للشيعية السياسية على قاعدة الغطاء الذي يؤمّنه لها ميشال عون وتياره آنذاك، الذي كان صاحب الصفة الأكثر تمثيلاً في بيئته. وهو ترتيب معاكس لنسخة 1984 التي بنت حصانتها السياسية على قاعدة الغطاء الذي يؤمّنه لها الانقلاب الميليشياوي المسلح، بالتكافل والتضامن مع وليد جنبلاط والحزب التقدمي الاشتراكي، أي التحالف الشيعي الدرزي، على شرعية "الدولة المارونية" كان يمثّلها آنذاك الرئيس أمين الجميل.

منذ 2006 تفلّت بري بشكل مدروس من ضوابط نسخة 2006 من دون أن يؤدي تفلّته إلى إحداث أضرار استراتيجية بقواعد الحماية التي أرساها تفاهم حزب الله عون. واضطر مرغماً أن يبتلع تتويج هذا المسار بإيصال عون إلى رئاسة الجمهورية، في خريف 2016، نتيجة تسوية رئاسية فرضها عناد عون مدعوماً من توازن القوى الحقيقي في لبنان، والذي يمثّله سلاح حزب الله.

منذ 2006 تفلّت بري بشكل مدروس من ضوابط نسخة 2006 من دون أن يؤدي تفلّته إلى إحداث أضرار استراتيجية بقواعد الحماية التي أرساها تفاهم حزب الله عون

مرّ التحالف الشيعي الماروني بشتى أنواع الامتحانات السياسية، من حرب تموز 2006 التي اتخذ فيها الجنرال عون مواقف شديدة الالتصاق بموقف حزب الله، ثم انقلاب 7 أيار 2008، الذي تنطّح عون في ختامه لإعلان "الانتصار"، إلى تغطية حزب الله في تدخله في سوريا، إلى إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري من الرابية عام 2010 وفي خلال مؤتمر صحفي تصدّره الوزير جبران باسيل، ليعقبه الجنرال معلناً قطع "وان واي تيكيت" للحريري..

في كلّ هذه الامتحانات وغيرها، كان الثنائي الماروني الشيعي في غاية الانسجام. ومثّل بالنسبة للشيعة، في العقل العميق للطائفة، السند الموضوعي للبدائل عن تغيير النظام. فمنذ تجربة خروج الوزراء الشيعة من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وفشلهم في إسقاط الحكومة، باتت تتشكّل الحكومات على قاعدة الثلث المعطل الممسوك بالكامل، بالمعنى الأمني للكلمة، بالتكافل والتضامن الكاملين مع الجنرال عون وبقية الحلفاء.

مرّ التحالف الشيعي الماروني بشتى أنواع الامتحانات السياسية، من حرب تموز 2006 التي اتخذ فيها الجنرال عون مواقف شديدة الالتصاق بموقف حزب الله، ثم انقلاب 7 أيار 2008، الذي تنطّح عون في ختامه لإعلان "الانتصار"، إلى تغطية حزب الله في تدخله في سوريا، إلى إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري من الرابية عام 2010

فهل استنفدت الضمانة المسيحية قدرتها على تشكيل هذا الضمان السياسي، وباتت الشيعية السياسية أمام امتحان البحث عن ضمانات شيعية بحتة لا تعتمد على الآخرين؟

لم يفت الثنائي الشيعي حجم الرسائل التي بعث بها جبران باسيل في مؤتمره الصحافي الأخير، الذي بدا وكأنه يسدل الستار على مرحلة "تفاهم مار مخايل" بكلّ تفاصيلها. فالرجل، الذي يستشعر دنوّ العقوبات الأميركية، ويتصرّف على قاعدة ردّها بكلّ ما أوتي من قدرة على المناورة السياسية، سدّد ثلاث لكمات مؤلمة لمرتكزات استراتيجية في مشروع وهوية الثنائي الشيعي:

1- بشأن النظام: أعلن باسيل معارضته لأمرين استراتيجيين في صلب حراك الشيعية السياسية وهما رفضه المثالثة، ورفض استحواذها على وزارة المال باعتبارها التوقيع الثالث على المراسيم ومصدر "لصلاحية فيتو" داخل السلطة التنفيذية على عدد لا بأس من القرارات. أما بقية القرارات، فكان الثلث المعطّل يتكفّل بحمايتها وضمان عدم خروجها على مسار المصالح الاستراتيجية للثنائي وحزب الله بشكل رئيسي.

2- بشأن طبيعة عمل حزب الله: بدا باسيل شديد التجرؤ على عمل حزب الله الأمني والعسكري خارج الحدود اللبنانية متبرّعاُ بالإعلان عن انسحاب حزب الله من سوريا، ومشيرًا إلى أنّ "طاقة اللبنانيين على تحمّل تبعات مشاكل الغير وصلت لحدّها الأقصى". وتحدّث باسيل بإسهاب عن الاستراتيجية الدفاعية ومركزيتها في إسناد مشروع إنقاذ لبنان، وهو ما يتعارض بشكل استراتيجي مع كلّ ما عبّر عنه حزب الله في السرّ وفي العلن في كلّ مرة فوتح بالاستراتيجية الدفاعية، التي يعتبرها الاسم الحركي "لإخصاء" سلاحه.

3- بشأن موقع لبنان ضمن المشهد الصراعي في المنطقة: فبعد سنوات من تغطية علنية من قبل عون – باسيل لمشروع حزب الله تحويل لبنان إلى حلقة مركزية في حلقات محور الممانعة، وتولّي جبران باسيل من موقعه في وزارة الخارجية وفي المنتديات العربية والدولية، النطق بما يخدم هذا المسار، ذهب باسيل في اتجاه معاكس إلى تبنّي فكرة "الحياد" التي تنادي بها الكنيسة المارونية. والحياد كما الاستراتيجية الدفاعية، ما هي في عرف حزب الله إلا "مراسيم تنفيذية" لإستكمال تطبيق المعلن والمضمر من حزمة القرارات الدولية لا سيما 1559، 1680، و1701. ولا شكّ في أن توجّس حزب الله سيتضاعف من هذا الخيار الآن في ظلّ دينامية سلام هائلة في المنطقة انطلقت من الاتفاق الإماراتي البحريني الإسرائيلي، وسيكون لها محطات أخرى مهمة قريباً.

العقوبات غيّرت سلوك باسيل وحشرت حزب الله، لكن حذارِ مكافأة من ساهم في إيصال اللبنانيين إلى ما وصلوا إليه فقط لأنه يتمتع بمواصفات "الجبن الاستراتيجي"

وفي أمور أكثر تفصيلًا توقف الثنائي عند عدم تعليق باسيل على العقوبات الأحدث التي فرضتها واشنطن على نقطتي التقاطع بين أمل وحزب الله من جهة والوزير سليمان فرنجية وحزب الله من جهة، أي الوزيرين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس. كما توقف عند الانتقاد الحاسم لزيارة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية الى بيروت، على الرغم من معناها الاستراتيجي في معركة الرأي العام والسياسة التي يخوضها حزب الله بعد انطلاق دينامية السلام الجديدة.

الثنائي الشيعي وحزب الله، يتصرّف بإزاء هذه المعطيات على قاعدة دخوله ولا بدّ في مرحلة ما بعد "تفاهم مار مخايل" بكلّ مكتسباتها الاستراتيجية، وبدأ البحث عن البدائل الموضوعية لحماية مشروعه السياسي في مرحلة مقبلة غير معلومة التوازنات. وهو ما يفسّر الانكفاء الشيعي إلى أدوات حماية ذاتية بالكامل تبدأ بوزارة المال وتوسعة المعنى الدستوري لدورها وموقعها في بنية النظام السياسي، مقروناً باختيار الوزراء الشيعة، أي الحكومة الشيعية داخل الحكومة، والتلويح الدائم بحجب الميثاقية الشيعية عن أيّ قرار أو تطوّر سياسي مقبل ما لم يكن متوافقًا عليه مع الثنائي الشيعي، بوصفهم هم "الشيعة" مذهباً وطائفة واجتماعاً وسياسةً، وأن لا شيعي خارجهما أيّاً تكن صلته بالطائفة.

تبقى ملاحظة أخيرة، لكل من نظَّر وينظِّر أنّ العقوبات الأميركية تفيد حزب الله، وهي أنهّ ما كان ليحصل ما حصل لولا اقتران العقوبات الأميركية الشرسة، بالمبادرة الفرنسية، والقرار العربي بمغادرة الأوهام حول استرضاء بعض اللبنانيين حرصًا على ذكريات السبعينات وجودة الكبة النية وأغاني فيروز.

العقوبات غيّرت سلوك باسيل وحشرت حزب الله، لكن حذارِ مكافأة من ساهم في إيصال اللبنانيين إلى ما وصلوا إليه فقط لأنه يتمتع بمواصفات "الجبن الاستراتيجي"..