fb مثلّث الحب الذي أنجب اتفاق ترامب للسلام في الشرق الأوسط

مثلّث الحب الذي أنجب اتفاق ترامب للسلام في الشرق الأوسط

ترجمة هشام عليوان - الجمعة 18 أيلول 2020

بقلم توماس فريدمان – نيويورك تايمز

 

 

بما أني غطّيت أخبار الدبلوماسية العربية – الإسرائيلية لأكثر من 40 عاماً، فلا بدّ لي من القول إنّ اتفاقات التطبيع التي وُقّعت يوم الثلاثاء بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، وبين إسرائيل والبحرين، قد جرت بطريقة غريبة، لكنّها كاشفة بشكل لا يصدّق.

أفضل ما يمكنني شرحه بتشبيه مقتبس من إذاعة أو تلفزيون متخصّصين بشؤون الأسرة (تسمّى تلك الأقنية في الولايات المتحدة "أوبرا الصابون soap opera" لأنّ شركات الصابون كانت ترعاها): فكما لو أنّ جاريد كوشنر (مستشار ترامب وصهره) كان محامياً مكلّفاً بترتيب الطلاق بين زوجين، "السيدة إسرائيل" و"السيد فلسطين". ومع ذلك، اكتشف كوشنر أثناء الإجراءات أنّ السيدة إسرائيل والسيد فلسطين غير متوافقين إلى درجة أنهما لم يتمكّنا حتّى من الجلوس في غرفة معاً، ناهيك عن الاتفاق على خطّته بشأن الانفصال بينهما.

إقرأ أيضاً: مجموعة بحثية إسرائيلية تتوقع مستقبل لبنان عن طريق المحاكاة

لكن أثناء ذلك، اكتشف كوشنر شيئاً مثيراً للاهتمام: فقد كانت السيدة إسرائيل على علاقة غرامية مع السيد الإمارات، الذي كان يهرب من علاقة جائرة مع السيدة إيران.

لذا، توقف كوشنر عن محاولة ترتيب الطلاق بين السيد فلسطين والسيدة إسرائيل، واستغلّ بدلاً من ذلك المصلحة المتبادلة بين السيدة إسرائيل والسيد الإمارات في عقد الزواج بينهما، ناهيك عن المصلحة الذاتية للرئيس دونالد ترامب ليكون بمثابة "قاضي الصلح" الذي سيتولّى المهمّة في حديقة البيت الأبيض في خضمّ حملة انتخابية رئاسية.

من دون التجارة

ولا يقلّل من أهمية تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات، وبين إسرائيل والبحرين، أنه بدأ يتحرّك بسبب فشل الدبلوماسية الإسرائيلية الفلسطينية لإدارة ترامب حتى الآن، حتّى لو أضاف ذلك بعض السخرية إلى قصتنا.

قاعدتي هي: في الشرق الأوسط، تحصل على تغيير كبير عندما يقوم اللاعبون الكبار بالأشياء الصحيحة لأسباب خاطئة.

...

وهذا هو الشيء الصحيح. وقد عقدت كلٌّ من مصر والأردن اتفاق سلام مع إسرائيل لإنهاء حالة الحرب، بيد أنّ التجارة، والسياحة، والاستثمارات المتبادلة كانت محدودة. أما تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات، وكذلك بين إسرائيل والبحرين، فلأنهم يريدون التجارة، والسياحة، والاستثمار، وكذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية ضدّ ايران. ومن الواضح أنّ المملكة العربية السعودية باركت كلّ ذلك من خلال السماح لطائرات شركات "العال" الإسرائيلية بالتحليق عبر المجال الجوي السعودي ذهاباً وإياباً إلى البحرين والإمارات.

أنت لا ترى ذلك كلّ يوم. وبرأيي، أيّ شيء يجعل الشرق الأوسط أشبه بالاتحاد الأوروبي وأقل شبهاً بالحرب الأهلية السورية، هو شيء جيد. يقول لي صديق من دبي: إنّ بعض الناس يتبادلون الآن التحية على سبيل المزاح بـ"شالوم عليكم"، وهي مزيج من العبارات العبرية والعربية لـ"مرحباً".

ليس لديّ أيّ أوهام: أصلّي كلّ ليلة من أجل هزيمة ترامب في تشرين الثاني، لكن إذا ساعد هو وكوشنر في رعاية هذه الصفقة، وهما في طريقهما للخروج من الباب، فهذا أمر جيد بالنسبة لهما. إنهم مذنبون بألف خطيئة، لكن هذه الصفقة ليست واحدة منها.

لا أستطيع أن أتوقّع كيف سيكون كلّ ذلك. ّلكن عندما تقرّر الدولة العربية الأكثر تقدّماً من الناحية التكنولوجية والأكثر تعولماً، وهي دولة الإمارات العربية المتحدة، التعاون مع الدولة غير العربية الأكثر تقدّماً من الناحية التكنولوجية والأكثر تعولماً في المنطقة، إسرائيل، فإني أظنّ أن طاقات جديدة سوف تنطلق، وأنّ شراكات جديدة سوف تنعقد، وتكون جيدة للعلاقات البشرية، العربية - الإسرائيلية، والعلاقات اليهودية – الإسلامية.

وفي حال نجاحها، فإنها ستخلق نموذجاً بديلاً لمحاكاة نموذج المقاومة الإيرانية الدائمة، الذي ساعد فقط على تفريخ الدول الفاشلة في لبنان، وسوريا، وغزّة، والعراق، وإيران.

لماذا يحدث هذا الآن؟

أولاً، لأنّ أميركا تعمل على تقليص وجودها العسكري في الشرق الأوسط بشكل حادّ، ونتيجة لذلك، تشكّل تحالفات جديدة لملء الفراغ. هناك المحور الشيعي بين إيران وحزب الله في لبنان وسوريا وأجزاء من العراق واليمن. وهناك التحالف التركي –القطري. ولمواجهة كلا المحورين، يقوم المحور الجديد الضمني بين إسرائيل والإمارات والبحرين والسعودية، إلى جانب محور سنّي ناشئ معتدل، عراقي، مصري، أردني.

الاتجاه الثاني هو أنّه منذ الربيع العربي، وانهيار أسعار النفط، وطفرة أعداد الشباب العرب، تدرك الدول العربية السنية المعتدلة أنّها لم تعد قادرة على الاحتفاظ بشرعيتها من خلال مزايدة بعضها بعضاً على قضية فلسطين، ومنح الوظائف الحكومية، والدعم.

ربما كانت أهم نتيجة غير مقصودة لمسعى كوشنر للسلام، حقيقة أنّ الحكومة الإسرائيلية اليوم غير قادرة أبداً على قبول أيّ نوع من حلّ الدولتين مع الفلسطينيين

ويعتمد استقرار هذه الدول مستقبلاً على توفير الوسائل التعليمية، والعلاقات التجارية، والترابط العالمي، والتعدّدية الدينية والجنسانية والتعليمية، للشباب فيها المحتاجين إلى الازدهار. وفي حين أنّ هذه الدول ترفض إدراج التعدّدية السياسية أو المعارضة في هذا المزيج، إلا أنّها في الوقت المناسب سيتعيّن عليها ذلك. لكن في الوقت الراهن، فإنّ نموذج تحديثها هو الصين، وليس أميركا.

كما كانت هناك اعتبارات تكتيكية حاسمة بالنسبة للإمارات، كما يقول ديفيد ماكوفسكي، الخبير في العلاقات العربية الإسرائيلية في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى". قال لي: "من ناحية، شعرت الإمارات أنّ نفوذها مع إدارة ترامب لن يكون أفضل مما هو الآن، في وقت يواجه ترامب صعوبة لإعادة انتخابه، ويبحث عن اختراق دبلوماسي في الشرق الأوسط. وعلى هذا النحو، إذا كان هناك وقت مناسب لبيع الولايات المتحدة طائرات الشبح المتطوّرة من طراز أف-35، إلى الإمارات، بعد أن رُفضت الصفقة لمدّة ثماني سنوات، فقد حان الوقت الآن".

وأضاف ماكوفسكي أنّ صنع السلام مع إسرائيل كان أيضاً "تأميناً جيداً من المخاطر السياسية"، بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة في حال فوز جو بايدن بالرئاسة، حيث "يمكن أن يعوّض ذلك التوترات مع الديمقراطيين في الكونغرس بسبب عداء الإمارات للاتفاق النووي الذي توصّل إليه أوباما مع إيران، وبسبب مشاركتها في حرب اليمن".

لكن ربما كانت أهم نتيجة غير مقصودة لمسعى كوشنر للسلام، حقيقة أنّ الحكومة الإسرائيلية اليوم غير قادرة أبداً على قبول أيّ نوع من حلّ الدولتين مع الفلسطينيين.

كيف ذلك؟ وقد تخلّت خطة كوشنر عن الحياد التقليدي للولايات المتحدة، ووضعت خريطة الدولتين التي كانت تهدف إلى تلبية كلّ حاجة أمنية وسياسية لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو (المعروف شعبياً باسم بيبي) وقاعدته اليمينية من المستوطنين اليهود في الضفة الغربية.

لقد ساعد بيبي وسفيره في واشنطن رون ديرمر Ron Dermer في صياغة خطة كوشنر. وماذا حدث؟ بيبي لن يقبل خطة بيبي نفسه.

اقترح كوشنر أنّه يمكن لإسرائيل ضمّ حوالى 30% من الضفة الغربية، حيث معظم المستوطنات اليهودية، ولكن سيكون الفلسطينيون قادرين على إقامة دولة على 70% الأخرى – وإن كانت عبارة عن مجموعة من قطع الأراضي المرتبطة على نحوٍ فضفاض – وعاصمتها على حافة القدس.

لكنّ المستوطنين المتشدّدين في ائتلاف بيبي أصرّوا على الاحتفاظ بالسيادة على الضفة الغربية بأكملها، التي يعتقدون أنّ الله أعطاها لليهود. ورفضوا التوقيع حتى على اتفاق يعطي الفلسطينيين دولة على 70% من الضفة، محاطة بالجيش الإسرائيلي.

لذا، حاول بيبي ضمّ نسبة 30% المذكورة في الاتفاق – دون الموافقة على منح نسبة الـ70% من الضفة من أجل إقامة دولة فلسطينية. لكنّ ترامب وكوشنر، ولحفظ مصداقيتهما، عرقلا ذلك. ثم تدخّلت الإمارات العربية المتحدة، وقالت: إذا تخلّى بيبي عن خطة الضمّ، فإنّ الإمارات ستطبّع علاقاتها.

القضية الفلسطينية ستصبح على الأرجح قضية إسرائيلية داخلية أكثر فأكثر، قضية ستمتلكها إسرائيل وحدها. وفي نهاية المطاف، سيطالب الفلسطينيون البالغ عددهم 2.5 مليون في الضفة الغربية، والذين يواجهون احتمال السيطرة الإسرائيلية عليها دون أن يلوح في الأفق أيّ بديل، بالمساواة في الحقوق والجنسية الإسرائيلية

قفز بيبي إلى هذا الاقتراح، وقد مكّنه من الحدّ من بعض الانتقادات الموجّهة إليه من قاعدته الاستيطانية المتطرّفة لتخليه عن ضمّ كلّ الضفة الغربية، وكذلك من تلك الموجّهة إليه من اليسار الإسرائيلي لتعطيله عملية السلام مع الفلسطينيين. كما حصلت الإمارات العربية المتحدة على تجميد الضمّ لمصلحة الفلسطينيين، من أجل تغطية تطبيع العلاقات مع إسرائيل. هكذا تمّت الصفقتان.

لكن ما الذي تعلّمناه؟ كان الخطّ المفضّل لبيبي مع الرؤساء الأميركيين على مرّ السنين هو "اختبرني"، ما يعني أنه سيتحلّى بالشجاعة السياسية لخطة الدولتين الصحيحة. حسناً، لقد اختبره ترامب، وفشل. فلم يُعدّ بيبي أبداً قاعدته لقبول حتّى الشكل الأكثر اعتدالاً وخَصْياً للدولة الفلسطينية.

(لو كان لدى الفلسطينيين أي روح دعابة، بدلاً من رفض خطة كوشنر لكانوا قبلوها دون تحفّظ وكشفوا بيبي تماماً. لكنّ الفلسطينيين ضائعون في الفضاء، غير قادرين على الزواج أو الطلاق).

 

إذن، أين يترك كلّ هذا القضية الإسرائيلية الفلسطينية؟

أظنّ أنّ المرحلة الدولية من عملية السلام قد انتهت. فأيّ رئيس أميركي أو مبعوث أوروبي سيورّط نفسه مع بيبي، إذا لم يتمكّن بيبي من قبول خطّة بيبي نفسه؟

ولذلك، فإن القضية الفلسطينية ستصبح على الأرجح قضية إسرائيلية داخلية أكثر فأكثر، قضية ستمتلكها إسرائيل وحدها. وفي نهاية المطاف، سيطالب الفلسطينيون البالغ عددهم 2.5 مليون في الضفة الغربية، والذين يواجهون احتمال السيطرة الإسرائيلية عليها دون أن يلوح في الأفق أيّ بديل، بالمساواة في الحقوق والجنسية الإسرائيلية. وهذا سيشكّل تهديداً مباشراً للطابع اليهودي والديمقراطي لإسرائيل بطريقة لم يسبق أن فعلها أيّ جيش عربي. هذا هو إرث بيبي الحقيقي.

ولهذا السبب، على الجانب الإسرائيلي الفلسطيني من دفتر الحسابات، قد تكون خطة السلام التي اقترحها ترامب وكوشنر هي الأكثر أهمية على الإطلاق من حيث النتائج، ليس لما حققته بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولكن لما كشفت عنه.

 

لقراءة النص الأصلي اضغط هنا