إلسي مفرّج: ميشال عون ترك "التيار" وليس نحن
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

إلسي مفرّج: ميشال عون ترك "التيار" وليس نحن

نسرين مرعب - الإثنين 14 أيلول 2020

"لست أنا من غيّرت وجهة نضالي.. الذي غيّر، الله يسهّل له"، عبارة علّقت من خلالها الإعلامية إلسي مفرّج على إصدار مجلس التّحكيم في "التيار الوطني الحر" قراراً بفصلها، وإلزامها بتسليم بطاقتها الحزبية إلى أمانة السرّ المركزية

إقرأ أيضاً: غسان سركيس عن عونية باسيل: "ديك وصوص"

هذا القرار أتى بعد أيام من محاولة مفرّج دعم إحدى المتظاهرات عند جسر الرينغ، وقولها بصراحة من خلال برنامج "صار الوقت" على شاشة mtv، إنّها تخاف على الحريات في لبنان ومن أن يتحوّل هذا البلد إلى دولة أمنية. ولم تقف مفرّج عند هذا الحدّ، بل أفرغت لـ"أساس" ما في جعبتها، واصفة العهد الحالي بـ"الأسوأ والأكثر مرارة"، وداعية رئيس الجمهورية إلى "إنقاذ ماء وجه التاريخ النضالي لشباب وشبان التيار وألا يقبل بأن يتحوّل لبنان إلى دولة أمنية".

مفرّج التي بدأت رحلتها مع التيار الوطني الحرّ في العام 1998، ولمّا تكن قد تجاوزت الـ16 من عمرها بعد، لم تكن بحاجة إلى بطاقة حزبية كي تنتمي إلى الخط النضالي الذي آمنت به، ولم تنتظر أيضاً قراراً بالفصل كي تبتعد عن التيار الذي باتت ترى أنّه خالف مبادئه. فرحلة هذه الشابة مع التيار بدأ يسودها تناقضات منذ العام 2008، لتبتعد نهائياً في العام 2016 قبل وصول العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا.

إلسي ورفقاقها حاولوا مراراً قبل العام 2016 إيصال هذه الأجواء إلى الرئيس ميشال عون، غير أنّ القناعة السائدة في حينها كانت أنّ ما يحصل صحيح

"النضال" هو الذي دفع بإلسي إلى اختيار هذا الانتماء، في مرحلة كان خلالها الرئيس عون منفياً قسراً، فيما كان المنتسبون إلى هذا الخط في لبنان يتعرضون للاضطهاد والتوقيفات الأمنية والملاحقات السياسية.

الإعلامية التي تعيدنا إلى التسعينات، وخاصة إلى مرحلة الاحتلال السوري وحواجزه، تجد في النضال الذي خاضه التيار الوطني الحر في تلك المرحلة لإخراج هذا الجيش "واجباً"،  غير أنّ هذا النضال ليس السبب الوحيد الذي دفع بإلسي إلى اعتناق هذا الخيار السياسي، بل أيضاً الأفكار العلمانية التي كان يطرحها التيار والتي كانت أقرب إليها من الطائفية.

خيار إلسي مفرّج لم يأتِ على خلفية عائلية، فهناك من وقف بوجهها في ذلك الوقت وقال لها: "ماذا تفعلين؟". غير أنّها، وعلى الرغم من صغر سنّها، كانت مؤمنة بما تقدم عليه، ولم تسمح لأيّ عائق أن يحول دون ما تؤمن به. هي التي سجنت 3 أيام في نيسان العام 2000، حين كانت طالبة مدرسية. كما أوقفت مرات عدّة في تظاهرات مختلفة، وعاشت مختلف أساليب القمع، غير أنّ كل هذا لم يزدها إلا إصراراً.

في تلك المرحلة، كانت إلسي من مؤسّسي نضالات التيار، وعنصراً أساسياً في التحضير لأي عمل اعتراضي. وقبل نشاطها الجامعي، قضت سنواتها الأخيرة في المدرسة بين المقاعد وبين مكتب الطلاب التابع للتيار الوطني الحر في الحازمية، حيث كانت تفتحه يومياً بعد انتهاء الحصص الدراسية.

الرئيس عون هو من أعطى كل شيء لجبران باسيل على حساب البقية، وبالتالي هو من يتحمل مسؤولية ما حصل بدرجة كبيرة

واقع التيار اليوم لا يدفع إلسي إلى الندم على نضالها السابق، فتؤكد: "في تلك المرحلة مارست قناعتي. ولم يكن هناك أطر أخرى للنضال. إن عاد بي الزمن أعيد هذا النضال ولكن بتوقعات أقلّ". مشددة على أنّ نضالها لم يرتبط يوماً بشخص وإنّما بمبادئ ما تزال تؤمن بها حتى اليوم، هي التي لم تكن تقبل أن يقال عن التيار "التيار العوني" وإنّما "التيار الوطني الحر".

تتوقف الإعلامية عند العام 2005، هو العام الذي سجّل في أرشيفه أحداث عدّة أهمها إلى جانب الاغتيالات، خروج الجيش السوري وعودة الجنرال عون من المنفى، مستذكرة الالتفاف اللبناني حول الطروحات التي كان ينادي بها التيار، والإجماع الذي جاء بعد مرحلة من التخوين والقمع والاضطهاد تعرّض لها المؤمنون بهذا الخيار.

في تلك المرحلة كانت إلسي من الفاعلين في لجنة الإعلام في التيار وتداوم في الرابية لمتابعة المواقف. وفي العام 2008، بدأت المشاكل الداخلية تطفو إلى السطح، لأسباب عدّة تتعلق بآلية اتخاذ القرار واستبعاد مناضلين أساسيين وفتح المجال، إن لأشخاص من فئة رجال الأعمال أو لآخرين مقربين من الاحتلال للسوري، كي يتقرّبوا من التيار. في ذلك الوقت كان هناك حرص على عدم إخراج هذه المشاكل إلى العلن، فبدأت في التراكم داخلياً ما، دفع الإعلامية إلى الابتعاد تدريجياً عن دائرة العمل في التيار، حتّى العام 2016، وتحديداً إلى حين فصلت محكمة جبران باسيل المناضلين زياد عبس ونعيم وعون وأنطوان نصرالله. حينها خرجت الأمور إلى العلن وانتهت كل ارتباطات إلسي بالتيار.

لا نية لا بالإصلاح ولا بالتغيير. نحن بحاجة لانتفاضة شعب كي نصل إلى نتيجة

إلسي ورفاقها حاولوا مراراً قبل العام 2016 إيصال هذه الأجواء إلى الرئيس ميشال عون، غير أنّ القناعة السائدة في حينها كانت أنّ ما يحصل صحيح: "وهذا ما أوصل التيار إلى هذه المرحلة وإلى الهيمنة الباسيلية". لهذا السبب هي لا تنزّه الرئيس عون عن المسؤولية: "هو من أعطى كل شيء لجبران باسيل على حساب البقية، وبالتالي هو من يتحمل مسؤولية ما حصل بدرجة كبيرة".

التحرّر من الرابط الأبوي ليس سهلاً. والوصول إلى الاعتراض العلني لم يكن بسيطاً على المناضلين، فتقول إلسي: "التيار كان كلّ حياتنا، وأنا اخترت مهنتي واختصاصي لأجل التيار. كنت أقضي وقتاً في المكتب أكثر مما أقضيه مع عائلتي".

ابتعادها عن التيار لا يعود فقط لأسباب تنظيمية، بل هناك أيضاً مواقف سياسية لم تعد تقنع أحداً، أبرزها: اتفاق مار مخايل، اتفاق معراب، التسوية مع تيار المستقبل. فهي كانت أوّل من اطّلع على ورقة مار مخايل وطبعت جميع بنودها، باستثناء البند الأخير المتعلّق بسلاح حزب الله، فقد أُقرّ في الجلسة الأخيرة. هي لا تتحفّظ على الاتفاق بحدّ ذاته، إذ كان في أغلب بنوده قريباً من فكر التيار، وإنّما تتحفظ على عدم تطبيقه. إذ تبين أنّ الورقة لم تكن إلاّ غطاءً لكلّ ما أتى من بعدها. أما فيما يتعلق باتفاق معراب، فتمنّت إلسي لو كان هدفه المصالحة والمصارحة لطيّ صفحة الحرب، بدلاً من أن يكون اتفاقاً على تقسيم الحصص لا هدف منه غير الوصول إلى رئاسة الجمهورية. وهو الهدف نفسه هو الذي دفع إلى الاتفاق مع "تيار المستقبل" على حساب "الإبراء المستحيل".

هذه الاتفاقات وفق إلسي تقوم على المصلحة وبالتالي هي مناقضة لرؤية التيار القائمة على بناء الدولة والمحاسبة واستعادة الأموال المنهوبة.

هل تفاءلت لدى وصول العماد عون إلى بعبداً؟

تجيب إلسي: "جربّتُ أن أتفاءل وقلت: لنعطِهم فرصة. لكنّ ظهر سريعاً عكس ما تمنّينا". إلى ذلك لا تنفي أنّها ترى الصورة اليوم سوداء وحجم الانهيار كبيراً، "وعلى ما يبدو لا نية لا بالإصلاح ولا بالتغيير. نحن بحاجة لانتفاضة شعب كي نصل إلى نتيجة".

وفيما ترفض إلسي توجيه أيّ كلام إلى جبران باسيل، تتوجه إلى الرئيس ميشال عون بالقول: "أنقذ ماء وجه التاريخ كي ينصفك وينصفنا. هناك أبطال من الجيش اللبناني ومن الشعب والمناضلين الذين سقطوا شهداء لأجل هذا التاريخ، فقُم بشيء في هذين العامين كي يبقى شيء من هذا البلد الذي احتلفنا بمئويته منذ أيام، وإلا فإنّ التاريخ لن ينصف هذه المرحلة ولن ينصفنا أيضاً".