من يتلقف مِنَ "السنّة" تحوّلات المنطقة؟
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

من يتلقف مِنَ "السنّة" تحوّلات المنطقة؟

خالد البوّاب - الإثنين 07 أيلول 2020

أثبت خيار رؤساء الحكومات السابقين السير بمصطفى أديب رئيساً للحكومة، ضيق أفقهم السياسي، وأنّهم لا يزالون قابعين في حقبة 7 أيار 2008 ونتائجها، وما تلاها. ذهبوا إلى ما فرضه حزب الله وأملاه. وافقوا على طرح رئيس وضع مواصفاته حزب الله وميشال عون، وتركوا الكلمة الأخيرة لرئيس الجمهورية الذي ادّعوا أنهم يريدون التصدّي لكلّ محاولاته في الانقلاب على اتفاق الطائف.

إقرأ أيضاً: النادي الرباعي: السنيورة أكثر النادمين؟

خسّروا أنفسهم أوراقاً عديدة كان يمكن الإمساك بها لاستعادة التوازن السياسي في البلد. أما وقد فعلوا ما فعلوه، فأصبح لا بدّ من خروج بطانة جديدة من الطائفة السنية، تكون قادرة على المبادرة، وليس على ردّ الفعل فقط، الذي لا يرقى إلى مستوى الفعل ولا يتمكّن من ردّه. ولو كان فعلاً هناك نفس سنّي مبادر ومبتكر، لما نام هؤلاء الرؤساء مرتاحي الضمير ليلة إعلان بيانهم عن تسمية مصطفى أديب رئيساً للحكومة، وهم يتباهون في أنّهم أرسلوا ثلاثة أسماء لرئيس الجمهورية عبر الرئيس الفرنسي، فاختار واحداً من بينها هو مصطفى أديب. تلك معادلة تثبت مرة أخرى عدم قدرتهم على فرض مرشح يريدونه، وتركوا الخيار للآخرين.

بذلك كرّس الرؤساء هزيمة السنّة الممتدة في لبنان منذ الانقلاب على حكومة سعد الحريري في العام 2011، وما قبلها هزيمة السنّة في العراق، وما بعدها في سوريا. يصرّ الرؤساء على الانتساب إلى حقبة سنّية مليئة بالهزائم، لذا لن يكونوا قادرين على مواكبة أيّ تحرّكات أو تحوّلات مستقبلية، خاصة أنّ مسار المنطقة لن يبقى قابعاً عند الحدّ الاستشراقي الذي تعاطى فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع لبنان، عبر "تقريعه" لكلّ المسؤولين، ومغازلته لحزب الله ووصفه "بغريندايزر"، علماً أنّ أكثر من نصف قوّة الحزب هي بضعف خصومه وضياعهم.

لو كان فعلاً هناك نفس سنّي مبادر ومبتكر، لما نام هؤلاء الرؤساء مرتاحي الضمير ليلة إعلان بيانهم عن تسمية مصطفى أديب رئيساً للحكومة

كانت خطيئة الرباعي الرئاسي آخر نتاجات الهزائم السنية، التي أصبح لا بدّ من الخروج منها في قراءة لتطوّرات ووقائع المنطقة المقبلة على مواجهة مفتوحة مع المشروع الإيراني، فإذا كانت السنوات العشرون الفائتة لضرب السنّة ودولهم وحواضرهم، فإنّ ما بعد هزيمة تنظيم داعش، هناك تحوّلات تفترض ضرب التوسّع الشيعي، بالتزامن مع تقارب خليجي إسرائيلي، وبروز مشاريع استراتيجية للسنوات العشر المقبلة، من الاتفاق المصري العراقي الأردني، إلى اتفاقات التطبيع الإسرائيلية الخليجية، والاتفاق الثالث التركي الليبي القطري. هذه المشاريع الثلاثة جميعها تكتسب دعماً أميركياً بنسب مختلفة، فيما يبدو غائباً المشروع الإيراني عن كلّ هذه الخطوط.

يكرّس ذلك خلاصة أنّ حقبة توسّع المشروع الإيراني بدأت بالانقباض، خصوصاً أنه مشروع توسّع أكثر مما لا يستطيع العالم تحملّه. وثمّة مؤشرات جدّية تفيد بأنّ أحلام قورش بدأت بالتقلّص. دخلت إيران في حروب متعدّدة بمنطقة الشرق الأوسط، فوجدت نفسها غارقة بمستنقعات عديدة، ولم تتمكّن من تحقيق أيّ مكاسب حقيقية غير تشظية المنطقة وتمزيق مجتمعاتها. دفعت تكاليف باهظة بشرياً وإنسانياً ومالياً، لكنها ستجد نفسها مضطرة إلى الخروج. وهذا سيرتبط بمتغيّرات كبيرة على صعيد الوقائع، سواء لجهة الاختلاف الروسي الإيراني في سوريا، مقابل تنسيق إسرائيلي أميركي روسي.

سيكون لبنان أمام تحوّلات كبيرة، يفترض على السنّة أن يكونوا حاضرين لتلقّفها، فلا يمكن للبنان أن يستمرّ أو ينهض بدونهم

ذلك حتماً سينعكس على الواقع اللبناني، وكانت من أوائل تداعياته مثلاً، اعتراض النواب المحسوبين بشكل مباشر على النظام السوري على تسمية مصطفى أديب، ما يعني أنهم غير موافقين على المبادرة الفرنسية، ما عدا جميل السيد الذي وضع شروطاً لنجاح الرئيس المكلّف. سار نواب النظام السوري ضد حليفهم الاستراتيجي، لذلك ستكون هناك تداعيات على الصعيد السياسي مستقبلاً، خصوصاً أنّ المبادرة الفرنسية تسعى دون إعلان على انسحاب حزب الله وإيران من الميادين العربية.

وسط هذه المعادلات، سيكون لبنان أمام تحوّلات كبيرة، يفترض على السنّة أن يكونوا حاضرين لتلقّفها، فلا يمكن للبنان أن يستمرّ أو ينهض بدونهم. وقد قدّم المسيحيون مشروعاً نهضوياً للبنان يوم كانوا أصحاب القرار والفعل، وقدّم السنة نموذجاً متطوّراً ومتقدّماً مع الحفاظ على التوازنات والعيش المشترك مع عصر ذهبي اقتصادياً، أما المشروع الشيعي في كلّ المنطقة وتحديداً لبنان، فلم يقدّم غير الحروب ومعارك التهجير العربية وأوّلها سوريا. ومعه، سقط لبنان، ووقع في عزلة، ولا يمكن قيامه إلا بتغيير كلّ هذه الموازين.