هل ينبعث مرفأ حيفا من تحت رماد مرفأ بيروت؟
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

هل ينبعث مرفأ حيفا من تحت رماد مرفأ بيروت؟

إيلي القصيفي - الأحد 30 آب 2020

لا مكان أفضل للاحتفال بالذكرى المئوية الأولى للبنان الكبير أكثر من مرفأ بيروت المدمّر بالانفجار الذي قتل وجرح أهالي الأحياء المحاذية للمرفأ، وجعل بيوتها بلا نوافذ ولا أبواب ولا سقوف، كما جعل لبنان مشرّع الأبواب والنوافذ أمام التدخّلات والاهتمامات من كلّ حدب وصوب، بعدما كانت دولته عاجزة عن ضبط حدودها ومرافقها الحيوية، وكلّ ذلك لدواعٍ استراتيجية تقتضيها ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة"!

لم يكن محض مصادفة اختيار الجنرال الفرنسي هنري غورو قصر الصنوبر لإعلان قيام دولة "لبنان الكبير" في الأوّل من أيلول عام 1920. إذ إنّ اختيار هذا القصر الجميل بمحاذاة طريق الشام أو طريق بيروت – دمشق، لإعلان الدولة الوليدة، كان مرتبطاً ارتباطاً جوهرياً بالدواعي السياسية والاقتصادية لهذا الإعلان.

إقرأ أيضاً: نهاية عهد... أو نهاية بلد

فلولا الدور المتعاظم لمرفأ بيروت منذ ثلاثينيات القرن التاسع العشر، ولولا شقّ طريق بيروت – دمشق (بين عامي 1859 و1863) التي وصلته بالداخل العربي والآسيوي، ثمّ إنشاء سكّة الحديد بعدها، لكانت احتمالات قيام "لبنان الكبير" ضئيلة جداً إن لم تكن معدومة. إذ إنّ التقسيم الكولونيالي للمنطقة عقب انهيار السلطنة العثمانية، قد حتّمته المصالح الاقتصادية الاستعمارية التي كان مرفأ بيروت أحد مرتكزاتها منذ منتصف القرن التاسع عشر.

كان تفجير المرفأ بدلالاته التاريخية والرمزية بمثابة تفجير للجمهورية في ذكرى مئويتها الأولى، وقد وضع لبنان على نحوٍ أكثر وضوحاً في قلب المنطقة اللامستقرة

بهذا المعنى، يمكن اعتبار أنّ "لبنان الكبير" وليد ثنائية الجبل / البحر، قد تأسّس حول بيروت التي ضُمّ إليها الجبل وبقية الجغرافيا اللبنانية بعدما اختصر مرفؤها، رمزياً ومادياً، إلى حدّ كبير الدور الاقتصادي الجديد للبنان كـ"محطّة تجارية" بين الشرق والغرب. وذلك مع بدايات تصدّع النظام الزراعي في جبل لبنان، مع ما استتبعه ذلك التصدّع من نتائج اقتصادية واجتماعية/سياسية، طبعت المئوية الأولى للجمهورية اللبنانية بأكملها.

والأهمّ أنّ تأسيس الكيان اللبناني، كان إحدى الترجمات المبكرة للنظام الإقليمي / الدولي الجديد في المنطقة على أنقاض الأمبراطورية العثمانية الآفلة.

وتشاء مفارقات التاريخ أن يُدمّر مرفأ بيروت بعد مئة عام على إعلان "لبنان الكبير" المرتبط بشكل وثيق به، وأنّ تدمّر أيضاً الأحياء اللصيقة به، التي شكّلت في الأصل امتداده العمراني والاجتماعي، وكانت شاهدة على بدايات الجمهورية في وحدتها وانقساماتها، في سلمها وحروبها المبكرة بين الجميزة والبسطة الحيّين الشعبيين المرفئيين.

لذلك، فقد كان تفجير المرفأ بدلالاته التاريخية والرمزية بمثابة تفجير للجمهورية في ذكرى مئويتها الأولى، وقد وضع لبنان على نحوٍ أكثر وضوحاً في قلب المنطقة اللامستقرة بعدما حاول طيلة السنوات العشر الماضية أن ينأى بنفسه عن صراعاتها، وقد طالته شظاياها مرّات ومرّات، إلّا أنّه لم يصب بما أصاب سوريا والعراق، فجاء انفجار المرفأ ليضمّه إليهما لجهة مشهدية الدمار وضبابية الآفاق السياسية.

فكما لم يكن ما بعد سقوط السلطنة العثمانية مثل ما قبلها، فإنّ ما بعد سقوط النظام الاقليمي لن يكون شبيهاً بما قبله، مثلما لن يكون ما بعد انفجار المرفأ على نحو ما قبله. وبهذا المعنى، فإنّ لبنان والمنطقة أمام منعطف تاريخي يشبه إلى حدّ بعيد ذاك الذي تلا أفول الأمبراطورية العثمانية. ولقد عبّرت كثافة وعلانية التدخّلات والاهتمامات الدولية بـ"المسألة اللبنانية" بعد انفجار 4 آب أيّما تعبير عن ذلك الواقع الجديد، لاسيّما أنّ المسألة اللبنانية بدت للمرّة الأولى بعد ما يزيد عن قرن من الزمن مسألة متوسّطية بامتياز.

أيّ لبنان سينبعث من تحت رماد بيروت؟ هل لبنان المتوسّطي الذي سيُعاد تأهيل مرفئه ليلعب دوراً استراتيجياً على الحوض الشرقي للبحر المتوسّط في ظلّ "حروب الغاز" من ليبيا وصولاً إلى تركيا؟

فمثلما كان ازدهار مرفأ بيروت دالّاً في بدايات القرن الماضي على المسارات الجيوسياسية والاقتصادية في المنطقة، فإنّ التطوّرات السياسية التي أعقبت تفجيره حملت إشارات أساسيّة إلى دخول المنطقة مرحلة تعديل توازناتها الإقليمية والدولية على نحوٍ يعيد تأسيس النظام الإقليمي وفق أسس دستورية وسياسية، وربّما جغرافية جديدة.

فبين الاهتمام / التدخّل الدولي الغربي بلبنان بعد جريمة 4 آب، والإصرار الشرقي الإيراني على الهيمنة على لبنان، والتركي على استعادة الحلم الأمبراطوري فيه، ترتسم ملامح المرحلة الجديدة في لبنان كمرحلة صراع / توافق بين القوى الدولية والإقليمية على تحديد خريطة النفوذ فيه.

فأيّ لبنان سينبعث من تحت رماد بيروت؟ هل لبنان المتوسّطي الذي سيُعاد تأهيل مرفئه ليلعب دوراً استراتيجياً على الحوض الشرقي للبحر المتوسّط في ظلّ "حروب الغاز" من ليبيا وصولاً إلى تركيا؟ أم أنّ مرفأ حيفا هو الذي سيرث مرفأ بيروت؟

وإذا كان الأمر كذلك، فإن هويّة البناة الدوليين والإقليميين للمرفأ الجديد ستكون أساسيّة في تحديد معالم "لبنان الجديد" وسط تجاذبه شرقاً وغرباً. وإنّ غداً لناظره قريب!