مدراء عامون للجمارك "يفرّخون" في مرفأ طرابلس
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

مدراء عامون للجمارك "يفرّخون" في مرفأ طرابلس

نهلا ناصر الدين - الأحد 30 آب 2020

أكثر من أسبوع مرّ على توقيف المدير العام للجمارك بدري ضاهر على ذمّة التحقيق، على خلفية مسؤوليته المباشرة عن إهمال نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت وصولاً إلى الكارثة. لكنّ أذرع الفساد تستمرّ بالعبث حيثما تدعو الحاجة والظرف، لا بل طالت، وتطاولت، وكبُرَت، وأصبح كلّ ذراع منها مديراً عاماً مع وقف التنفيذ، يأمر وينهي و"فاتح ع حسابو".

إقرأ أيضاً: مرفأ طرابلس: إدارة الجمارك بدأت العرقلة

لنبدأ من مرفأ طرابلس، المرفأ الذي فتح أبوابه للبواخر لتغطية العجز الذي ضرب مرفأ بيروت بعد انفجار 4 آب، حيث يوصّف مصدر جمركي شمالي الحال في حديثه لـ"أساس" بالقول: "فلِت الملق"، (الملق) الذي كان فالتاً بالأساس... لكن زاد فلتانه عقب توقيف ضاهر. فزاد التعتيم على مرفأ طرابلس ومحاربته كي لا يتمّ تظهيره على أنّه "المرفأ البطل" الذي استطاع أن يكون على قدر الحمل بعد تدمير مرفأ بيروت، علماً أنّ مرفأ طرابلس هو مرفق تجاري مهمّ يكاد يوازي بأهميته مرفأ بيروت. وعلى سبيل المثال لا الحصر "تقف الباخرة فيه 15 متراً غاطساً، بينما في مرفأ بيروت تقف 12 متراً فقط"، كما أنّ الرسوم في مرفأ طرابلس أقل "مثلًا رسم الكونتينر 20 قدماً في مرفأ بيروت يساوي 550 ألف ليرة. أما في مرفأ طرابلس فيساوي 350 ألف ليرة، ورسم كونتينر 40 قدماً في بيروت يساوي 750 ألف ليرة بينما في طرابلس يساوي 535 ألف ليرة".

لا تنتهي فصول العرقلة وبؤر الفساد هنا، فحتى ما بعد تفريغ البضائع، هناك عسكري جمركي "قبضاي" يدعو "ر.د." مسؤول عن العناصر في نقطة خروج البضائع، يمارس سلطته خارج إطار القانون عبر منع البضائع من الخروج من المرفأ

لكن على حدّ قول المصدر الجمركي فإنّ "المحبين كتار... ولا شيء قادر على إيقافهم عن تدمير عزيمة طرابلس للاستمرار بسياسة التجويع الممنهجة شمالاً"، ويسرد المصدر هنا محاولات العرقلة التي تسيطر على المشهد الجمركي في مرفأ طرابلس منذ الانفجار، وأبرزها منع البواخر الثلاثة  Pacaya، Maersk line، وEvergreen بعد يومين على الانفجار، في 6 آب الجاري، من تفريغ حمولتها في طرابلس بحجّة العطل الفني في نظام المعلوماتية، وأعقب البلبلة التي جرت حول هذه الحادثة بيان من إدارة مرفأ طرابلس في اليوم التالي أكد أنّ "المعدات الالكترونية لأنظمة التبادل الإلكتروني الجمركية، قد تأثرت بعد الانفجار في مرفأ بيروت، ما أعاق إدخال المعلومات عن البضائع لدى الجمارك".

هو السيناريو الذي لا يقنع مصدرنا الجمركي المتابع بشكلٍ لحظوي لكلّ ما يجري في مرفأ طرابلس، ويتهم الجمارك بتعطيل "السيستم" لـ6 ساعات، ويؤكّد لموقعنا أنه كان بإمكانهم اعتماد الصيغة المعتمدة عادة بتنزيل الحمولة في بيروت، وهي تفريغ الحمولة أولاً ومن ثَمّ تسجيل البضاعة على النظام الإلكتروني وفق "مانيفست"، وأحياناً في اليوم التالي. لكن كان الشرط هو تسجيل البضاعة من قبل على الكمبيوتر، علماً أنه عرفاً يمكن فعل العكس بالحالات الطارئة المشابهة، كي لا تعود البواخر إلى بلدها. وهذا كلّه بهدف أن يبدو مرفأ طرابلس عاجزاً وضعيفاً. هذا عدا عن رفض استقبال بواخر المساعدات في مرفأ طرابلس وتحويلها إلى مطار بيروت لأسباب مشبوهة.

لا تنتهي فصول العرقلة وبؤر الفساد هنا، فحتى ما بعد تفريغ البضائع، هناك عسكري جمركي "قبضاي" يدعو "ر.د." مسؤول عن العناصر في نقطة خروج البضائع، يمارس سلطته خارج إطار القانون عبر منع البضائع من الخروج من المرفأ، وهي البضائع التي أنجزت كلّ الرسوم اللازمة والتدقيق اللازم على "السكانر"، وتمّ الكشف عليها وتحمل أوراقاً رسمية بذلك، وما عادت تحتاج لأكثر من إذن مغادرة المرفأ. لكنّ "القبضاي"، كما يسمّيه المصدر، أصرّ ذات ليلة على عرقلة إخراج البضائع بحجّة أنّ الوقت تأخّر وأصبحت الساعة 6:30 مساءً، وأمر تعسّفياً واستنسابياً وخلافاً للقانون بأن تنتظر 37 شاحنة محمّلة بالبضائع لليوم التالي، علماً أنّ "العسكري نفسه عليه شبهات فساد حول مسؤوليته من وقت لآخر عن إخراج بواسط نقل مازوت، وهي ممنوعة في لبنان بالقانون منذ 3 سنوات، من على النقطة نفسها".

يكمل المصدر نفسه الذي يعاود تذكيرنا بضرورة عدم ذكر اسمه كي لا يخسر ما تبقّى له من لقمة عيش في بلد الفساد والمفسدين، ويصل إلى رئيس دائرة الجمارك في مرفأ بيروت "ع.ك."، وهو الذي استمرّ بشغل 3 وظائف في الجمارك على مدى 4 سنوات خلافاً للقانون "مراقب قبول وكشّاف ورئيس دائرة" وأعفي من مهامه الأخرى بعد زيادة عدد الموظفين في المرفأ، فهو "لا يأتي إلى مكتبه قبل الساعة 10 أو 10:30. تمتدّ صبحيته مع الموظفين الـ17 تقربياً حتّى الـ 11:30 أو أكثر. وعندما تتراكم المسؤوليات والمعاملات بعد الظهر يبدأ بالعراك مع المخلّصين ورفع الصوت على اعتبار أنّ دوام العمل شارف على الانتهاء، ما يعطّل أعمال الناس، ويؤخّر تسليم البضائع لأصحابها، ويضرب صيت مرفأ طرابلس".

محسوبيات سياسية تقترن بأداء رئيسة الإقليم: "ولا أحد يستطيع أن يشتكي منها، ولمن يشتكي... لزوجها؟!!"

ويشير المصدر إلى أنّ مرفأ بيروت فيه 10 صناديق لدفع الرسوم، بينما في طرابلس صندوق واحد، ويتحكّم صاحبه "ب.ج." بأقدار الناس ومصالحها. وعادةً ما يقول للمخلّصين صراحةً: "روحوا ت كمّل قهوتي وبعدين رجعوا". أو يقول، وتحديداً عندما تكون البضاعة عبارة عن سيارات: "تركوها لبكرا ما بتتّخ". وهو ما عليه إلا أن يتقاضى الرسوم، ويمنح المخلص الوصل ليستطيع أن يخرّج البضائع من المرفأ.

ماذا عن رئيسة إقليم جمارك طرابلس باسكال إيليا ضاهر، زوجة بدري ضاهر؟

للمصدر ملاحظاته أيضاً على أدائها. هي التي تعيّنت في منصبها بالتزامن تقريباً مع تعيين زوجها، ولا تزور مكتبها إلا مرّة أو مرّتين في الشهر، بل يذهب ويعود البريد من مكتبها إلى المنزل، وهكذا... نصفه موقّع والنصف الآخر لا، وهي منذ 4 آب لم تزر طرابلس رغم دقة المرحلة وكثافة المسؤوليات إلا مرّة واحدة لمدة نصف ساعة، بحسب المصدر. ويغمز هنا إلى محسوبيات سياسية تقترن بأداء رئيسة الإقليم: "ولا أحد يستطيع أن يشتكي منها، ولمن يشتكي... لزوجها؟!!"

ويحدّثنا ختاماً عن المذكّرة "الشفهية" أو "الهاتفية" بتاريخ 20 أيار 2020 الساعة 14:25 مساءً التي منح عبرها المدير العام للجمارك لرئيس الدائرة تعليمات بعدم السماح بإفادة تصدير السيارات المدخلة مؤقتاً (أي سياحة) إلى غير البلد الذي تمّ استيرادها منه إلى لبنان، باستثناء تلك الحاصلة على موافقة استثنائية من المديرية. وهي المذكّرة التي تحرم مرفأ طرابلس شهرياً من تصدير ما يقارب الـ100 سيارة على خطّ سياحة السيارات الوحيد في لبنان من طرابلس إلى تركيا، ومن ثَمّ إلى باقي الدول، ويحرم المرفأ من العائدات الجمركية الناتجة عن هذه الحركة ،علماً أن لا شيء بالقانون يمنع إخراجها إلى بلد آخر كسياحة".

فمن يضبط كلّ هذه التجاوزات، التي ما هي إلا غيضٌ من فيض في جهازٍ اعتاد التشبيح باسم الدولة؟!