وقف "المركزي" لدعم السلع الحيوية: 3 أشهر قبل الكارثة
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

وقف "المركزي" لدعم السلع الحيوية: 3 أشهر قبل الكارثة

علي نور - الخميس 27 آب 2020

لفهم مدى محدوديّة الاحتياطات المتبقّية القابلة للاستخدام في مصرف لبنان ، لدعم السلع الحيويّة كالطحين والدواء والمحروقات، يكفي معرفة أنّ لبنان استنفد خلال النصف الأوّل من شهر آب فقط حوالي 709 مليون دولار من الاحتياطات الموجودة في مصرف لبنان، وهو ما يعني أنّ لبنان يستنزف هذه الاحتياطات بمعدّل يتجاوز 1.4 مليار دولار شهريّاً. إذاً، وببساطة،  حتّى لو تمكّن مصرف لبنان من تخفيض ما يتمّ استنزافه شهريّاً من احتياطاته إلى النصف، أي إلى حدود 0.7 مليار دولار (700 مليون دولار) فإنّ الاحتياطات القابلة للاستخدام لن تكفي لدعم الاستيراد لأكثر من ثلاثة أشهر آتية. ولم يعد هناك حلّ تقنيّ سوى اعتماد آليات مختلفة لدعم السلع الحيويّة في الأسواق. هذا طبعاً في حال استمرّ غياب الحلّ السياسي والتقهقر وانعدام وصول أيّ نوع من المساعدات ربطاً بتلك الشروط.

إقرأ أيضاً: أزمة الدولار في المصارف تتفاقم ولجنة الرقابة تتدخّل

تؤكّد أرقام مصرف لبنان ما يتمّ تداوله حول اقتراب لحظة الوصول إلى مرحلة استنزاف الاحتياطي. فميزانية المصرف المركزي تظهر موجودات بما يقارب 29.97 مليار دولار من الاحتياطات لغاية منتصف شهر آب. لكنّ هذه الاحتياطات المعلن عنها تشمل موجودات لا يمكن استخدامها خلال المدى المنظور، كسندات اليورويوند الصادرة عن الحكومة اللبنانيّة والتي يملكها المصرف المركزي، والتي تبلغ قيمتها 5.03 مليار دولار أميركي، بالإضافة إلى العديد من الموجودات الأخرى التي لا يمكن تسييلها بسهولة كالقروض الممنوحة لبعض المصارف مثلاُ. ولذلك، قدّر مصرف لبنان في مراسلاته مع الحكومة قيمة الموجودات السائلة في احتياطي العملات الأجنبيّة بحوالي 19.8 مليار دولار أميركي فقط.

ما يريده مصرف لبنان من الإعلان عن اقتراب الوصول إلى الحدّ الأدنى للاحتياطات هو قرع جرس الإنذار، من ناحية الإعلان عن اقتراب الوصول إلى المرحلة التي لن يستطيع بعدها مصرف لبنان الاستمرار بتوفير الدعم

من هذه الاحتياطات، يصرّ مصرف لبنان حتّى اللحظة على عدم المسّ بالاحتياطات الإلزاميّة التي أودعتها المصارف لديه مقابل الودائع الموجودة لديها بالعملات الأجنبيّة، والتي تبلغ قيمتها حوالي 17.5 مليار دولار. وبذلك، يمكن القول إنّ الاحتياطي القابل للاستخدام، أي الذي يستطيع مصرف لبنان استعماله للدعم خلال المرحلة المقبلة، لا يتخطّى حدود الـ 2.3 مليار دولار، وهي قيمة محدودة جدّاً قياساً بحاجة البلاد للعملات الصعبة لاستيراد السلع الغذائيّة الأساسيّة، والسلع الحيويّة كالدواء والمحروقات.

في الأيام الأخيرة، كثر الحديث منذ أيام عن اقتراب لحظة توقّف مصرف لبنان عن دعم السلع الحيويّة من احتياطي العملات الصعبة، وخصوصاً بعد أن أكّد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة كلّ التسريبات المتعلّقة بهذه المسألة حين اعتبر أنّ مصرف لبنان لا يمكنه استخدام احتياطي المصارف الإلزامي، لتمويل التجارة، أي دعم السلع الأساسية، معلناً أنّ مصرف لبنان يتّجه إلى وقف التمويل حين يبلغ الحدّ الأدنى لهذه الاحتياطات.

مصادر المصرف المركزي أكّدت لـ"أساس" أنّ ما يريده مصرف لبنان من الإعلان عن اقتراب الوصول إلى الحدّ الأدنى للاحتياطات هو قرع جرس الإنذار، من ناحية الإعلان عن اقتراب الوصول إلى المرحلة التي لن يستطيع بعدها مصرف لبنان الاستمرار بتوفير الدعم على النحو الذي كان يقوم به سابقاً. وبحسب الآليّات نفسها التي اعتمدت على احتياطي العملات الأجنبيّة الموجودة في مصرف لبنان. وهنا، ستكون كرة الدعم قد أصبحت في ملعب الحكومة، التي سيكون عليها البحث في البدائل المتوفّرة لتأمين الدعم بطرق أخرى، والتي قد يكون من بينها ترشيد هذا الدعم أو تغيير آليّاته. بمعنى آخر، لا تعني كلّ هذه الضجّة التي يثيرها المصرف المركزي حول مسألة الدعم والاحتياطي أنّ الدعم سيتوقّف بشكل حتمي، بل تعني أنّ لحظة مواجهة الحقيقة قد اقتربت. وسيكون على الحكومة مواجهة التحدّي والعثور على حلول ناجحة في تلك المرحلة دون الاعتماد على ما تبقّى من احتياطات بالعملة الأجنبيّة.

عمليّاً، يؤكّد هذا الكلام ما قاله حاكم مصرف لبنان نفسه حين اقترن حديثه عن وقف استخدام الاحتياطي بكلامه عن التوجّه نحو إيجاد طرق أخرى لتوفير هذا الدعم. وقد يكون الحاكم تعمّد الإشارة إلى هذه النقطة للإيضاح بأنّ مسألة وقف استخدام الاحتياطي قد لا تقترن بوقف الدعم بشكل نهائي. أما الإشارة الثانية التي تؤكّد هذا التوجّه، فكانت اجتماع السراي الذي حصل يوم الإثنين الماضي، بحضور مجموعة من الوزراء بالإضافة إلى حاكم مصرف لبنان، الذي جرى تخصيصه لمناقشة موضوع دعم السلع الغذائيّة والأدوية والمشتقات النفطيّة والمواد الأوليّة للزراعة والصناعة. وهنا تشير مصادر حكوميّة لـ"أساس" إلى أن الاجتماع كان إشارة إلى نجاح حاكم مصرف لبنان في رمي كرة الدعم في ملعب الحكومة، التي بدأت بالبحث في الخيارات المتاحة المتعلّقة بملف الدعم في مرحلة ما بعد استنزاف احتياطات المصرف المركزي.

الحقيقة التي لم يقلها سلامة علناً، أنّ الحل الوحيد تشكيل حكومة قادرة على التعامل مع الغرب والعرب وفعّالة في جذب بعض الاستثمارات أو الودائع الجدّية إلى المصرف المركزي

في كلّ الحالات، يشير العديد من المتابعين إلى أنّ مسألة إعادة النظر ببعض أشكال الدعم التي جرى اعتمادها خلال الفترة الماضية كانت حتميّة، بمعزل عن الانخفاض في احتياطي العملات الأجنبيّة الموجود في مصرف لبنان. فالسلّة الغذائيّة التي بشّر بها وزير الاقتصاد مثلاً، كانت أقرب إلى العراضة الإعلاميّة، بعدم أن فشلت في تحقيق أيّ انخفاض ملموس في الأسعار بالأسواق. مع العلم أنّ جميع أشكال الرقابة التي حاولت الدولة فرضها على التجار والمستوردين فشلت، نتيجة عدم قدرتها على مراقبة عمليات استيراد وتوزيع السلع المدعومة. ولذلك، أصبح من الواضح هنا أنّ هناك حاجة لمراجعة شكل هذا الدعم وفعاليّته، مقارنةً مع القدر الذي يستنزفه من احتياطات مصرف لبنان المتبقية.

في المحصّلة، بات من الواضح أنّ الأمور ستتجه خلال الفترة المقبلة إلى اعتماد آليات مختلفة لدعم السلع الحيويّة في الأسواق. وهذه الآليات ستأخذ بعين الاعتبار استنزاف الاحتياطي المتوفّر. مع العلم أنّ مصادر مصرف لبنان تؤكّد أنّ رئيس مجلس النواب الذي وضع في مرحلة سابقة فيتو في وجه مشروع رفع الدعم بالصيغة التي طرحها وزير الاقتصاد راوول نعمة منذ أشهر، عاد وأعطى كلّاً من مصرف لبنان والجهات المختصّة داخل الحكومة الضوء الأخضر لإعادة النظر بشكل الدعم وفقاً للمعطيات المستجدّة على المستوى النقدي والمالي. وهو ما يعني أنّ مسار إعادة النظر بشكل الدعم سيأخذ طريقه نحو التنفيذ خلال المرحلة المقبلة في ضوء موقف برّي. ولذلك، سيكون على اللبنانيين ترقّب الآليات الجديدة لتقدير حجم الارتفاع المتوقّع في أسعار السلع الحيويّة والأساسيّة، بعد أن بلغت الأزمة الماليّة المرحلة التي يعجز فيها مصرف لبنان عن دعم الاستيراد بشكل مباشر.

الحقيقة التي لم يقلها سلامة علناً، أنّ الحل الوحيد تشكيل حكومة قادرة على التعامل مع الغرب والعرب وفعّالة في جذب بعض الاستثمارات أو الودائع الجدّية إلى المصرف المركزي. ما عدا ذلك لا يعتبر الحاكم نفسه مسؤولاً أو قادراً على الاستقرار السياسي الذي هو الباب الأوسع والأضمن لدعم السوق اللبناني بالكثير مما يحتاجه التاجر والمواطن.