لقاء البطريرك والمفتي... الأخطار على لبنان: ارتهان الرئيس للشرعية وارتهان الميليشيا للوطن!
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

لقاء البطريرك والمفتي... الأخطار على لبنان: ارتهان الرئيس للشرعية وارتهان الميليشيا للوطن!

رضوان السيد - الأربعاء 26 آب 2020

في الخامس من تموز (2020) وجَّه البطريرك الماروني نداءً تضمّن ثلاثة مطالب: تحرير الشرعية،  وتحييد لبنان عن المحاور والنزاعات، وتطبيق القرارات الدولية. وإذا دقّقنا في هذه المطالب يتبيّن أنها جميعاً موجّهة إلى رئيس الجمهورية. فالشرعياتُ الثلاثُ المرتَهَنة وهي الوطنية الدستورية، والعربية، والدولية، يعود تجاهُلُها تارةً والخروج عليها تارةً أُخرى إلى الرئيس. فهو المؤتَمَنُ على الدستور، بينما هو القائل طوال ثلاثين عاماً إنه لا بدّ من تجاهُل الدستور لأنه ضدّ المسيحيين، ولا بدّ من تعديله فوراً ولو بالممارسة. وقد تجاهل الرئيس وحكوماته العلاقات بالعالم العربي، وعادى الجميع انحيازاً لحليفه حزب الله الذي ساح مقاتلاً لصالح إيران في لبنان وسورية والعراق واليمن والبحرين والكويت! وهكذا، فإنّ من مقتضيات تحرير الشرعية، عودة لبنان إلى حياده الإيجابي الذي عرفه منذ الاستقلال، وما اختلّ يوماً لصالح طرفٍ بالخارج أو للخارج إلاّ وأصابه شرٌّ وبيل.

إقرأ أيضاً: نداء البطريرك ودعوة المفتي يساويان دولة؟

وقد ذكر البطريرك آخِر محاولات الدولة المتهالكة لحفظ وجودها بمبادرة النأي بالنفس في عهد الرئيس ميشال سليمان عام 2012، والتي دمّرها الحزب الإلهي بعد أسابيع، بالذهاب للقتال في سورية، وساعة لحماية مزار السيدة زينب، وساعة لمكافحة الإرهاب! ولذا، فقد أراد البطريرك بالدعوة للحياد أن يصبح صَون أمن الوطن ووجوده أمراً رسمياً وإجماعياً لدى الشعب اللبناني ولدى المجتمع الدولي. أما المطلب الثالث المتمثّل في المطالبة بتطبيق القرارات الدولية، فهو شاملٌ وكاملٌ. فنحن نتنبه كثيراً للقرار 1701 الذي يحمي لبنان من إسرائيل (2006). لكننا لا نتنبه للقرار رقم 1559 (2004) الذي طالب بجلاء الجيش السوري، وبنزع سلاح كلّ الميليشيات بالداخل. وكذلك القرارات الدولية المتعلّقة بالمحكمة الدولية الخاصة بمقتل الرئيس رفيق الحريري (2006، 2007). إنّ هذه القرارات أيضاً جرى الإخلال بها في عهد الرئيس عون بالذات. فقد قال في بداية عهده إنه محتاج لسلاح الحزب لردع إسرائيل لأن الجيش ضعيف (وهذا ضد القرار رقم 1701)، وقال أيضاً إنّ لبنان بحاجة للحزب وسلاحه لمكافحة الإرهاب. وبذلك أعطى الحزب وظيفتين ضدّ القرارات الدولية، وضدّ حياة وأمن المواطنين؛ وهو الأمر الذي رفع من مطالب البطريرك ضدّ السلاح بعد تفجير المرفأ في 4 آب (2020).

عندما وجد المناضلون الأشداء أنّ الإعلام الرئاسي – الباسيلي ليس كافياً، هجموا على البطريرك باعتباره نصيراً للتطبيع مع الكيان الصهيوني

لقد تطوّر تذمّر البطريرك خلال أقلّ من شهرين، فتحدّث أكثر من عشر مرات في عظاتِ الأحد والمناسبات الأُخرى عن الانهيار الاقتصادي وشقاء المواطنين وجوعهم، وحمّل السلطة الحاكمة المسؤولية، واعتبر تدريجياً في الحياد بالمعنى القانوني حامياً حقيقياً للبنان بالداخل والخارج. وكان بذلك يشير من طرف خفيّ إلى شذوذ محور الحزب وسلاحه عن أعراف لبنان ودستوره وعيشه المشترك - في الوقت الذي كان فيه الرئيس وصهره يراهنان على تحالف الأقليات والنزعة المشرقية المتجوّلة فيما بين إيران وروسيا والصين.. والنظام السوري الخالد! لكن عندما حدث تفجير المرفأ في بيروت في 4 آب (2020)، فإنّ البطريرك وبعد أن تسرّبت إليه بعض خفايا التحقيقات، ومخاوف المواطنين في بعبدا وغيرها، غادر كلّ خفاءٍ أو تقية، وقال بضرورة إزالة السلاح الحزبي والمتفلّت ومخازن السلاح والمتفجرات من المدن والبلدات: أمن الوطن في خَطَر، وأمن المواطنين في مهبّ الريح، والساكتُ عن الحق شيطانٌ أخرس!

تفجير المرفأ الذي رفع وفتح آفاق المواجهة مع الميليشيا ومع الرئاسة، دفع مفتي الجمهورية أيضاً إلـى الثورة بعد صمـتٍ طـويل

وبالطبع؛ فإنّ هياج أنصار المقاومة والممانعة على البطريرك لم يتأخر. وقد بدأوا باستعداء الرئيس وباسيل، فلما تأخرا مع أنّ الرئيس تبرّع للحزب بالقول إنه لا علاقة له بالمرفأ (!)؛ مع معرفة كلّ الصغار والكبار بأنّ العنبرين 12 و9 هما مِلْكٌ للحزب بالاستيلاء من 9 أو عشر سنوات - عندما وجد المناضلون الأشداء أنّ الإعلام الرئاسي – الباسيلي ليس كافياً، هجموا على البطريرك باعتباره نصيراً للتطبيع مع الكيان الصهيوني، فاضطُرّ الإعلام الأسقفي للقول بأنّ الصهاينة هم أولئك الذي يعرّضون أمن اللبنانيين للخطر، كما شكّّك الإعلام ذاته في إعلام السلطة المعروف أنه حليفٌ للميليشيات المسلَّحة!

إنّ تفجير المرفأ الذي رفع وفتح آفاق المواجهة مع الميليشيا ومع الرئاسة، دفع مفتي الجمهورية أيضاً إلـى الثورة بعد صمـتٍ طـويل. قـال المفـتي فـي رسـالة يـوم الهجـرة النبوية (19/8/2020) إنّ أهل الدين لا يتدخلون عادة في الشأن السياسي، بل يقتصر تدخلهم على الشأن الوطني العام. إنما عندما يقصّر المتولون لإدارة الشأن العام، ويتعرّض أمن المواطنين وعيشهم للخطر؛ فإنّ الواجب الديني والوطني يقتضي التدخل. قال المفتي كلاماً مؤثراً عن العيش المسيحي- الإسلامي في بيروت منذ مئات السنين، وهو العيش الذي أنجز بيروت الحديثة والمعاصرة. وفكّر المفتي في مأساة بيروت المستمرة، وفي سوء السلطة الحاكمة النازل ببيروت ولبنان، وهو سوءٌ لا يتناول التقصير والفساد وحسب؛ بل يصل إلى التآمُر أو التواطؤ لشدة فظاعته: "لقد ضيّقتم على الناس الخناق، ولم تؤمّنوا لهم الأمن ولا الحماية، ولم تُشعروهم يوماً بالطمأنينة ولا بالاستقرار. . . وقد سبق اغتيال بيروت، انهيارٌ اقتصادي ومالي ونقدي، هدّد عيش اللبنانيين، وقضى على سمعة لبنان، وعلى كلّ ما أنجزه اللبنانيون، خلال المائة عامٍ الأولى من عمر دولة لبنان..".

إنّ كل ما ذكره المفتي جاء في تضاعيف عظات البطريرك الراعي وخطاباته. وما تمايز عنه إلاّ في مسألة الحياد

ولذلك رأى المفتي دريان أنّ هذا التهديد الوجودي للبنان الوطن والدولة يقتضي أربعة أمورٍ عاجلة:

أولاًً: تحقيق دولي في انفجار المرفأ لتحديد المسؤوليات واستعادة الثقة.

وثانياً: قيام رئيس الجمهورية بإجراء استشارات نيابية ملزمة وعاجلة، لتسمية رئيس الحكومة، يكلَّف بتشكيل حكومة حيادية إنقاذية، مكوّنة من اختصاصيين: تتعامل مع آثار الكارثة، وتعيد الإعمار، وتعمل مع المجتمع الدولي لوقف الانهيار الاقتصادي، وتهيىء البلاد لحاضرٍ آخر مختلف عما نزل بعمرانها وبشرها.

وثالثاً: إنّ من مهمات حكومة التغيير العتيدة إنفاذ الحكم الذي أصدرته المحكمة الدولية في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري... لإحقاق العدالة، وإنقاذ لبنان من ضياع السيادة، ومن استيلاء الجريمة السياسية، والخلاص من السلاح الحزبي والمتفلت خارج سلطة الدولة، لأنه مع سلاحٍ كهذا لا يستقيم وطنٌ ولا دولة.

ورابعاً: إقبال حكومة الإنقاذ والتغيير، كما هي إرادة الشباب، على اشتراع قانون انتخابات ملائم لإجراء انتخابات مبكّرةٍ نزيهة وشفافة، تغيّر وجه الطبقة السياسية وتركيبتها.

إنّ كل ما ذكره المفتي جاء في تضاعيف عظات البطريرك الراعي وخطاباته. وما تمايز عنه إلاّ في مسألة الحياد. فقد رأى المفتي أنّ الحياد وهو الوجه القانوني للنأي بالنفس، يقتضي وجود دولةٍ قويةٍ ذات مؤسسات راسخة، وتحظى بثقة مواطنيها وإجماعهم. وكل هذه الشروط لا تتوافر لهذه الدولة المتهالكة، ولو توافر بعضها لربما ما احتجنا للمطالبة بالحياد!

هبّ الشيخ أحمد قبلان المفتي الجعفري الممتاز للهجوم على الطائف بل وعلى الميثاق الوطني الأول في الأربعينات، وأراد نظاماً جديداً تماماً باعتبار أنّ كلّ ما فعله اللبنانيون من قبل إنما هو استعماري وطائفي

لقد لقيت كلمات البطريرك ومبادراته للخروج من تحت مظلة الرئاسة، والخروج على تغول السلاح وشروره - لقيت ترحيباً مسيحياً وإسلامياً جارفاً. فتصدّعت أيديولوجيا تحالف الأقليات، والمشرقية الزائفة. وبخاصةٍ أنّ البطريرك يعيد اكتشاف الدستور ووثيقة الوفاق الوطني بالطائف، ويهاجم المثالثة، ويُنهي عونيات فرضت محرَّمات أخلّت بالعيش المشترك، وبالحياة الوطنية اللبنانية التاريخية والحاضرة.

ولذلك، سرعان ما انكشف المستور. ففي الوقت الذي انصرف فيه الإعلام الحزبي إلى اتهام البطريرك بالصهيونية لهجومه على السلاح المصلت على رقاب المواطنين (!)، هبّ الشيخ أحمد قبلان المفتي الجعفري الممتاز للهجوم على الطائف بل وعلى الميثاق الوطني الأول في الأربعينات، وأراد نظاماً جديداً تماماً باعتبار أنّ كلّ ما فعله اللبنانيون من قبل إنما هو استعماري وطائفي. ولأنّ الرئيس نبيه بري سارع للدفاع عن الطائف، والدعوة لتطبيقه؛ فإنّ الشيخ قبلان عاد فدعا لتعديل الطائف، وإقامة دولةٍ مدنيةٍ؛ ولستُ أدري ماذا يعني الشيخ، وماذا عنى قبله الرئيس بري بالدولة المدنية: هل هما لا يعرفان معنى ذلك، أم الأمر فقط لتخويف المسيحيين حتى لا يثوروا على تحالف الأقليات ويقفوا مع الطائف، وإلاّ فكيف تقوم دولةٌ مدنيةٌ مع سيطرة حزب السلاح على رأس الدولة وذنَبها، ونشر مخازن المتفجرات في أرجائها؟!   

باعتذار سعد الحريري عن الترشح لرئاسة الحكومة، في بيانٍ فاترٍ فهمنا منه اعتماده على دعم "صديقه" الرئيس ماكرون له وللبنانيين وبينهم الحزب المسلَّح، على افتراض أنّ زعيم الحزب المعصوم لا يزال لديه وقت للاهتمام بالشؤون اللبنانية

أما العجيب الغريب، فيتمثّل في ردة فعل السياسيين السنة على خطاب المفتي ومبادرته. الجمهور السني، والنخب المسيحية كانت شديدة السرور والتقدير. أما السياسيون السنة – باستثناء النائب نهاد المشنوق- فقد غمغموا كلاماً معناه أنّ الشأن شأنهم، فتأملنا أن يصدر الرؤساء الأربعة بياناً مساء الإثنين في 24/8 عن موقفهم السياسي وعن اختراقات الرئيس للدستور، وعن كارثة المرفأ، وعن السلاح المصلت على أعناق اللبنانيين، فلم يفعلوا بالطبع – إلى أن فوجئنا بعد ظُهر يوم 25/8 باعتذار سعد الحريري عن الترشح لرئاسة الحكومة، في بيانٍ فاترٍ فهمنا منه اعتماده على دعم "صديقه" الرئيس ماكرون له وللبنانيين وبينهم الحزب المسلَّح، على افتراض أنّ زعيم الحزب المعصوم لا يزال لديه وقت للاهتمام بالشؤون اللبنانية.

يوم 25/8 كتب حسن صبرا في مجلة الشراع عن ضعف القيادات السياسية السنية، وعن استهداف المذهبيين في إيران لهم في لبنان وسورية والعراق. وهي مقارباتٌ قرأتُ عنها كتباً ومقالاتٍ كثيرة في السنوات العشر الأخيرة ومن كتاب ديبورا أموس، وإلى كتب نبيل خليفة. وقد كنتُ أُكابر وأقول: هذا ليس مؤكّداً، وإنما المؤكد أنهم يريدون الشرذمة والاستيلاء الاستراتيجي وليس المذهبي! الآن بل ومنذ مدة أعرف أنّ الأمرين مقصودان. إنّ المهمّ الآن ليس الغرق في البحث عن الاستهدافات لبكركي وللسنة؛ بل الاهتمام بما يحدث من نهوضٍ وطني لا يقوده السياسيون لسوء الحظ، بل تقوده بكركي ودار الفتوى. وهي حقيقةٌ لا يريدها كثيرون، وبخاصةٍ العونيون وحزب السلاح. وهكذا يكون علينا سياسيين ومثقفين الالتفاف من حول بكركي ودار الفتوى من أجل الخلاص من الجنرال النائم والزعيم الهاجم، واستنقاذ الدولة والوطن!