بيروت التراثية تخسر 40 بيتاً وتدخّلٌ دولي لإنقاذ 70
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

بيروت التراثية تخسر 40 بيتاً وتدخّلٌ دولي لإنقاذ 70

نهلا ناصر الدين - الأربعاء 26 آب 2020

أكثر من ثلاثة أسابيع مرّت على تفجير مرفأ بيروت، ولا يزال الرجل الستّيني فادي جدعون يحمل رجله المصابة بشظايا الانفجار، ويأتي يومياً ليتفقّد الدمار ومطارح الوجع في منزله بمنطقة الرميل. يلملم حاجات عائلته اليومية. يستقبل زوّار النكبة المتفقّدين للأضرار من مؤسسات رسمية وجمعيات أهلية. يخبرهم قصة منزله الذي يزيد عمره عن 100 عام. "يسجلون الأضرار ويرحلون"، يقول بحسرة.

إقرأ أيضاً: سماسرة عقاريون في بيروت المنكوبة: استثمار أم تهجير؟

يحتار جدعون أيّ تصدّعٍ يتفقّد أولاً، الأرضية المخسوفة في أماكن محدّدة من المنزل بشكل يذكّر بالتفجير الزلزالي؟ أم الجدران المتصدّعة والآيلة إلى السقوط في أيّ لحظة؟ أم السقف المهدّد بالانهيار في أيّ لحظة؟

كشف مرتضى عن زيارة مرتقبة لمديرة عام اليونسكو أودري أزولاي اليوم الأربعاء، على أن تلتقي به مساءً في المتحف الوطني للحديث عن هذه الكارثة التي حلّت بالبيوت التراثية، وعن خطة العمل لدعم لبنان بإعادة "بيروت التراثية" إلى ما كانت عليه

يخشى جدعون، كغيره من سكّان بيروت المنكوبة من أن يأتي الشتاء ويقضي على ما تبقّى من بيوت تراثية تصارع الوقت، تقاوم جراحها وتناشد ترميماً سريعاً كي لا تخسر بيروت ما تبقّى لها من ملامح الماضي.

يؤكّد جدعون في حديثه لـ"أساس" أنّ مندوباً من بلدية بيروت زار منزله وسجّل الأضرار، وكذلك فعل مندوب من نقابة المهندسين، ومثلهما فعل مندوبو أكثر من 5 جمعيات أهلية. لكن لم تبدأ عملية تدعيم المنزل المتصدّع حتى اليوم.

يشدّد على أنه باقٍ في منزله حتى لو نصب خيمة فوق ركامه، ولن يتخلّى عنه: "فهذا البيت ورثته عن والدي. كلّ ذكرياتي فيه. تربّيت فيه. وتزوّجت فيه. وأُصِبت فيه. وكدت أن أخسر ابنتي فيه. فكيف لي أن أتخلّى عنه إلّا على جثتي؟". ويلفت إلى أنّ المصيبة هذه المرّة أكبر من قدرة الناس على استيعابها، فأهالي البيوت التراثية كانوا دائماً يرمّمونها من وقت لآخر على حسابهم. لكن اليوم الضرر أكبر من إمكاناتهم... وإلا ما كانوا لينتظروا أحداً.

وزير الثقافة: قرار محلي ودولي للحفاظ على هوية بيروت

وزير الثقافة عباس مرتضى يؤكّد لـ"أساس" أنّ المسح الميداني الأولي للبيوت المتضرّرة شارف على الانتهاء، وأنّه جرى مسح 400 بيت حتّى نهاية الأسبوع الماضي: "وبدأنا تحضير ملفات لكلّ مبنى تتضمّن تفاصيل عن حجم الأضرار لتقديمها إلى الجهات المعنية التي ستقوم بعملية الترميم. ويفترض أن تكون هذه التقارير جاهزة مساء الأربعاء". ويلفت إلى أنّ هناك عشرات البيوت وضعها حرج جداً ومهددة بالسقوط: "صراعنا اليوم مع الوقت لتدعيم هذه البيوت قبل فصل الشتاء. تدعيم أوّلي كي لا نخسرها. وبدأت هذه العملية بالتعاون مع شركات تبرّعت بذلك مثل شركة حورية، والجنوب للإعمار، وإبكو بيطار، ومتّى، وشركة "مَن".

يقدّر تابت العقارات ذات الوضع الحرج بـ70 بيتاً "تواجه اليوم خطر انهيار فعلي، ويجب تدعيمها بشكل سريع قبل الترميم كي لا نخسرها". وهذه العملية بدأت عبر مديرية الآثار بالتعاون مع نقابة المقاولين وبمساعدة نقابة المهندسين

وكشف مرتضى عن زيارة مرتقبة لمديرة عام اليونسكو أودري أزولاي اليوم الأربعاء، على أن تلتقي به مساءً في المتحف الوطني للحديث عن هذه الكارثة التي حلّت بالبيوت التراثية، وعن خطة العمل لدعم لبنان بإعادة "بيروت التراثية" إلى ما كانت عليه.

ويتحدث مرتضى عن دعم دولي للبنان في هذا الموضوع تحديداً من شركات دولية في طليعتها اليونسكو، ويكشف عن "العمل على تشكيل لجنة وطنية تمثَل فيها كلّ الجهات المعنيّة والجهات الحريصة على بيروت، وتاريخ المدينة وتراث: "هناك اهتمام دولي كبير بالأبنية التراثية. وتلقينا الكثير من الدعم المعنوي، وهم في انتظار تجهيز الملفات اللازمة ليباشروا بالترميم".

ينقل وزير الثقافة لموقعنا حرص المعنيين اللبنانيين أيضاً على الحفاظ على النسيج الاجتماعي والحضاري والتراثي والثقافي لبيروت: "تلقينا إصراراً، وتأكيداً، وحثّاً من دولة الرئيس نبيه بري كي نتخذ كلّ الإجراءات، لمنع أيّ أحد من الاستثمار بالدمار. فنحن مصرّون على بقائهم في بيوتهم التي تعبّر عن ثقافة عريقة لأهالي بيروت وتاريخها" مطمئِناً الأهالي بأنّ هناك التفافاً دولياً سيترجم على أرض الواقع بأسرع وقت ممكن.

 

نقيب المهندسين: بعض المالكين دمّروا بيوتهم عن قصد

عدد البيوت التراثية في المنطقة (كرنتينا، مدور، مارمخايل، الجميزة، الرميل، الجعيتاوي الحكمة) تقارب 360 بيتاً. كلها تضرّرت إلى حدٍ ما بحسب نقيب المهندسين في بيروت جاد تابت، لكن تفاوتت نسبة الضرر بين بيت وآخر تبعاً لقوة هيكله، ونوع حجره: "خسرنا 40 بيتاً، مشكلتها كانت في اهتراء هيكلها، وكانت مهجورة من قبل أصحابها". لكنّ محافظ بيروت مروان عبود أصدر قراراً بإعادة بنائها كما كانت كي يقطع الطريق على بعض أصحاب الملك الذين لديهم نية بتدميرها عن قصد وبيعها مقابل إغراءات استثمارية: "لأنّ الكثير من المالكين استغلّوا الفرصة في أول يومين ما بعد الانفجار، ودمّروا بيوتهم عن قصد".

ويؤكد تابت في حديثه لـ"أساس" أنّ المجلس الأعلى للتنظيم المدني تنبّه لهذا الأمر، ووضع المنطقة كلها تحت الدرس لحمايتها، كي لا يبقى هناك إمكانية للضمّ والفرز. فكلّ رخص البناء في المنطقة المتضرّرة تجمّدت: "يبدو أنّ هناك قراراً جدّياً بعدم تغيير وجه بيروت التراثي". ويقدّر تابت العقارات ذات الوضع الحرج  بـ70 بيتاً "تواجه اليوم خطر انهيار فعلي، ويجب تدعيمها بشكل سريع قبل الترميم كي لا نخسرها". وهذه العملية بدأت عبر مديرية الآثار بالتعاون مع نقابة المقاولين وبمساعدة نقابة المهندسين: "خلال شهر إلى شهر ونصف، يفتراض أن تنتهي عملية التدعيم ونكون بذلك حمينا هذه البيوت من الشتاء".

وعن الكلفة، يشير النقيب الى أنّ مدير عام الآثار قدّر الكلفة بـ300 مليون دولار وفق الإحصاء الأوّلي: "لكن تبيّن لنا بعد متابعة المسح وإحصاء المزيد من البيوت المتضررة، أنّ الكلفة تتخطّى ذلك، ومديرة عام اليونسكو ستطلق نداءً الأسبوع المقبل للمتبرّعين من أجل تراث بيروت".

وعن أهمية هذه البيوت وتاريخها، يتحدّث المؤرخ البيروتي حسان حلاق لـ"أساس" ويؤكد أنّها "مشيّدة منذ العهد العثماني وعهد الانتداب الفرنسي. بعضها يعود للقرن السابع عشر أو الثامن عشر، ويتراوح عمرها بين 100 و200 سنة. أما الأحجار التي كانت تستخدم لبنائها (ومعظمها من الحجر الرملي المعروف بحفاظه على دفء المنزل شتاءً وبرودته صيفاً"، فكانت تأتي من مقالع بيروت التي ظلّت قيد التشغيل حتّى العام 1958 في منطقة الجناح، التي كانت تسمى يومها منطقة المقالع".

وناشد حلاق عبر موقعنا المعنيين بالتعاون مع المؤسسات الأهلية، ومدّ اليد للمؤسسات الدولية للمحافظة على وجه بيروت الاجتماعي. وناشد المجتمع المدني رفض بيع هذه البيوت مهما كانت العروض مغرية: "يجب إعادة تشكيل وترميم هذ الأحياء لأنّ عملية التفاعل الاجتماعي لا تكون إلا بواسطة الأحياء والبيوت التراثية، ولا تقوم عن طريق الأبراج أو البنايات المرتفعة، ولأنّ هذه المعالم التراثية هي معالم اجتماعية وسياحية في الواقع". ودعا إلى طرد جميع سماسرة النكبة ورفض إغراءاتهم: "لأنّ الإنسان من دون بيت من دون وطن، ومن دون حيّ من دون انتماء، ومن دون تاريخ من دون مستقبل"...!