السعودية والفيتو الحكومي ...

السعودية والفيتو الحكومي ...

زياد عيتاني - الأحد 23 آب 2020

لم تكن المملكة العربية السعودية مع الحكومة التي شكّلها الرئيس سعد الحريري بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، كما لم تكن ضدّها. بل تعاملت معها على أنّها شأن لبناني، وخيارات سياسية اتخذتها الأطراف السياسية المشاركة في هذه الحكومة، من الرئيس سعد الحريري مروراً بحزب القوات اللبنانية، وصولاً إلى كتلة اللقاء الديمقراطي. ولهذا، تتحمّل هذه الأطراف مسؤولية خياراتها، وعواقب التداعيات المتأتية عن هذه الخيارات.

إقرأ أيضاً: انقلاب على مين؟!

المملكة ككّل دول العالم، تتعامل مع الدول الأخرى، من موقع المصالح المشتركة الاقتصادية والسياسية والأمنية والبعد التاريخي والقومي. على خلفية ذلك، يمكن قراءة موقف المملكة من الحكومة اللبنانية، أيّ حكومة، ما شُكِل منها بعد الانتخابات النيابية الأولى برئاسة سعد الحريري، أو الثانية برئاسة حسان دياب، وما سيُشكّل منها لاحقاً بعيداً عن اسم الشخصية التي سترأسها.

لقد تعاملت المملكة مع لبنان منذ استقلاله بمنطق عاطفي وجداني فتحملت ما لا يتحمله أحد في سياق العلاقات ما بين الدول وحتّى ما بين الاشقاء

كل التسريبات التي قيلت، عن طبيعة لقاء الرئيس سعد الحريري مع السفير السعودي في بيروت وليد البخاري في بيت الوسط، عشية صدور حكم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، لا يمكن تأكيدها أو نفيها. والطرفان، أي الرئيس الحريري والسفير البخاري، غير معنيين بنفي أو تأكيد كلام الصحف والمواقع الإلكترونية. لكن ما يمكن تأكيده أنّ السفير البخاري قال للرئيس الحريري إنّ "المملكة العربية السعودية كانت وستبقى مع لبنان وشعبه ومع حكومة لبنان طالما أنّها حكومة تحرص على مصالح لبنان واللبنانيين، وتعمل وفقاً لأجندة لبنانية مفرداتها كتبت بأحرف عربية وليس غير ذلك".

مهما تأخر الوقت، هناك حكومة ستُشكّل وهذا أمر محسوم، وقد يرأسها الرئيس سعد الحريري أو قد يسمّي من يمثله ليرأسها، أو ربما ستُشكّل على نمط حكومة حسان دياب غير المأسوف على رحيلها. لكن ما هو مطلوب من اللبنانيين وحكومتهم المنتظرة أن يدركوا أنّ نمط العلاقة السابقة ما بين لبنان والمملكة العربية السعودية انتهى إلى غير رجعة.

لقد تعاملت المملكة مع لبنان منذ استقلاله بمنطق عاطفي وجداني فتحمّلت ما لا يتحمّله أحد في سياق العلاقات ما بين الدول وحتّى ما بين الاشقاء.

المملكة اليوم انتقلت بعلاقتها مع لبنان من النمط العاطفي إلى النمط العقلاني، النمط الذي يقوم على المصالح المشتركة التي تقرّب الأنظمة والحكومات والشعوب من بعضها البعض.

لا يمكن للبنان أن يكون منصة لفضائيات معادية للمملكة خارج سقف القانون وخارج الأنظمة اللبنانية، ثم يأتي مطالباً المملكة بالمساعدة الاقتصادية والنقدية.

لا يمكن للبنان أن يستضيف معسكرات تدريب لمقاتلين يخوضون مواجهات عسكرية وتخريبية ضدّ المملكة، ثم يأتي ليطالب المملكة بودائع مصرفية وقروض ميسّرة ومؤتمرات دعم.

لا يمكنك أن تشتم المملكة وقياداتها في الساحات، وتأتي في اليوم التالي واضعاً ربطة عنق ومتأبّطاً ملف مطالبك واحتياجاتك لدى المملكة في قاعات المؤتمرات.

كي تحفظ المملكة لبنان، على لبنان أن يحفظ المملكة، وهي معادلة بسيطة. لكنّ صعوبتها تكمن في أنّ طرفاً لبنانياً غير قادر على ضمان هذه المعادلة، وأنّ طرفاً لبنانياً آخر لا يمتلك القناعة ولا القدرة على الالتزام بها

لا يمكن للمملكة العربية السعودية أن تدعم حكومة تضمّ بين صفوفها وزراء ينتمون لميليشيا مسلحة تدرّب الحوثيين على إطلاق الصواريخ الباليستية باتجاه المملكة ومدنها ومنشآتها الحيوية. كما لا يمكن للمملكة العربية السعودية أن تدعم حكومة تخضع لهيمنة إيرانية في قرارها الخارجي بالمحافل الدولية، وأيضاً في المحافل العربية، والشواهد كثيرة.

المملكة لا تسعى إلى حكومة لبنانية تقف خلفها وتؤيد مطالبها وسياساتها، بل حكومة تلتزم بشعار لطالما رفعته الحكومات المتعاقبة في السنوات العشر الأخيرة ولم تنفّذه وهو "النأي بالنفس"، وليس توريط كلّ الأنفس اللبنانية بالمغامرات غير المحسوبة وبالأجندات ذات اللغة غير العربية.

كي تحفظ المملكة لبنان، على لبنان أن يحفظ المملكة، وهي معادلة بسيطة. لكنّ صعوبتها تكمن في أنّ طرفاً لبنانياً غير قادر على ضمان هذه المعادلة، وأنّ طرفاً لبنانياً آخر لا يمتلك القناعة ولا القدرة على الالتزام بها.

لقد أصابت المملكة العربية السعودية عندما رفضت تغطية حكومة الرئيس سعد الحريري بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، وتحمّل الرئيس سعد الحريري وحده مسؤولية تشكيل تلك الحكومة، فانتهت إلى ما انتهت إليه من ويلات يتخبّط بها اللبنانيون حتى الآن.

فكيف نطلب اليوم  ممن أصاب في خياره في ذلك الحين أن يذهب إلى الخيار الذي ثبت أنّه فشل وأخطأ؟!