مذكّرة الراعي التأريخية: الحزب احتلال إيراني مفتوح للبنان
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

مذكّرة الراعي التأريخية: الحزب احتلال إيراني مفتوح للبنان

إيلي الحاج - الأحد 23 آب 2020

بكلمات قليلة، أعاد البطريرك الماروني كتابة التاريخ الحديث لهذه البلاد في "مذكّرة لبنان والحياد الناشط" التي طغت عليها أحداث فوق الوصف، محزنة وأليمة بعد فاجعة تفجير مرفأ بيروت، فحرمتها حقّها في الضوء والإعلام. لكنّ سيّد صرح بكركي انتقاها بعناية كي تبقى صالحة للمناقشة والبحث في أيّ وقت وظرف.

إقرأ أيضاً: نداء البطريرك ودعوة المفتي يساويان دولة؟

جاءت المذكّرة أشبه بمرافعة دفاعاً عن دعوة البطريرك إلى الحياد. أكثر ما يلفت فيها قراءته المتفرّدة، الصريحة لأحداث لبنان منذ نصف قرن ونيف، أي نحو نصف عمر "دولة لبنان الكبير" التي يحتفل شعبها بمئويتها الأولى، وسط الجزع، والدموع على أحباء، ومآلات أحلام وآمال وتضحيات هائلة لتحقيقها مدى أجيال، خصوصاً عندما يعدّد الاحتلالات التي مرّت بلبنان وعليه، على هذا النحو:

"انتكس التوازن اللبناني مع دخول العامل الفلسطيني إلى المعادلة الداخلية، وانطلاق العمل المسلح الفلسطيني في لبنان، وانحياز فئة من اللبنانيين إليه، الأمر الذي أدّى لاحقاً إلى نشوب الحرب سنة 1975.

أهمية هذا السرد تكمن في قائله أوّلاً: "بطريرك الموارنة". فهو ليس قائد فئة أو صاحب رأي. ليس سامي الجميّل أو فارس سعَيد مع حفظ الألقاب والمقامات

عطّل الحكم انقسام مسيحي/ اسلامي، فأذعنت الدولة اللبنانية وقبلت التنازل عن سيادتها، ووقّعت سنة 1969 "اتفاق القاهرة" الذي سمح للمنظمات الفلسطينية بالقيام بأعمال عسكرية ضد إسرائيل انطلاقاً من الجنوب اللبناني".

يضيف البطريرك في مذكرته: "كرّت سبحة انحياز الدولة وفئات لبنانية إلى النزاعات العقائدية والسياسية والعسكرية والمذهبية في الشرق الأوسط. احتلت إسرائيل جنوب لبنان (1978/2000)، وسيطرت المنظمات الفلسطينية على الجزء الباقي وصولاً إلى وسط بيروت (1969/1982)، ثم دخلت القوات السورية لبنان (1976/2005)، ونشأ حزب الله حاملا مشروع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأوجهه الديني والعسكري والثقافي (1981).

وقعت جميع هذه الأحداث بسبب خروج لبنان عن سياسة الحياد المتعارف عليها من دون نص دستوري(...)".

أهمية هذا السرد تكمن في قائله أوّلاً: "بطريرك الموارنة". فهو ليس قائد فئة أو صاحب رأي. ليس سامي الجميّل أو فارس سعَيد مع حفظ الألقاب والمقامات. رؤيته هذه تحمل في ختامها، ختم البطريركية المارونية. وهي مكتوبة بثلاث لغات، وأرسلها إلى الأمم المتحدة وعواصم الدول الكبرى والفاتيكان. وتعني بصريح العبارة أنّ "حزب الله" قوة احتلال إيرانية للبنان على غرار ما كانت التنظيمات الفلسطينية والجيش الإسرائيلي والقوات السورية. والأخيرة انسحبت من هذه البلاد ذات 28 نيسان 2005 بعد نحو شهرين ونصف الشهر من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وبعد 44 يوماً من نزول حشود هائلة من اللبنانيين إلى وسط بيروت في 14 آذار، هاتفين للحرية، السيادة، والاستقلال.

تثير المذكّرة البطريركية الكثير من القضايا الشائكة والمثيرة للجدل في المجتمع اللبناني المتشظّي، منها انطباق صفة "الاحتلال" على عمل حزب الله العسكري والأمني في لبنان

يسرد البطريرك سيرة الانسحابات العسكرية. كان قد مضى 26 سنة على الاستقلال عندما وقّعت الدولة اللبنانية "اتفاق القاهرة" العام 1969 مع "منظمة التحرير الفلسطينية". هكذا يؤرّخ بداية الاحتلالات قبل 51 عاماً، وفق المذكرة المفتوحة، ويصلها بأنّ حزب الله فرقة تحمل "مشروع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوجوهه الدينية والعسكرية والثقافية"، منذ 1981 ومن دون تحديد تاريخ للانسحاب كبقية الجيوش المحتلة، أو لحلّ ميليشياه كبقية الميليشيات في لبنان بعد اتفاق الطائف 1990.

بطبيعة الحال، تثير المذكّرة البطريركية الكثير من القضايا الشائكة والمثيرة للجدل في المجتمع اللبناني المتشظّي، منها انطباق صفة "الاحتلال" على عمل حزب الله العسكري والأمني في لبنان، مثله مثل التنظيمات الفلسطينية، ومن ساندوها تحت شعارات "كلنا فدائيون" و"حرية العمل المسلّح"، وصولاً للقتال إلى جانبها ضدّ قسم من اللبنانيين. وكذا بالنسبة إلى القوات الإسرائيلية، وتلك السورية، التي وجدت متعاونين معها من الجماعات – الشعوب كما يسمّيها سركيس نعوم – سواء تحت شعارات "مدّ اليد للشيطان للإفلات من المذبحة" أو "الدفاع عن عروبة لبنان ووحدته"... واليوم تحت شعار "المقاومة".