رياض سلامة يغازل الأميركيين بـ"وقف الدعم"؟
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

رياض سلامة يغازل الأميركيين بـ"وقف الدعم"؟

عماد الشدياق - الأحد 23 آب 2020

في جملة مقتضبة لكن تحمل الكثير من الألغاز والرسائل، فجّرت "مصادر رسمية" داخل مصرف لبنان يوم الخميس الفائت، "قنبلة نقدية" حين أعلنت عبر وكالة "رويترز"، أنّ المصرف "لن يستطيع مواصلة دعم ?الوقود? و?القمح والدواء لأكثر من 3 أشهر مقبلة". هذا الكلام لم يعقبه نفي أو تأكيد من مصرف لبنان الذي يبدو أنّه فضّل ترك المجال مفتوحاً أمام الاجتهاد والتأويل في مسألة تخصّ الأمن الغذائية والصحي للبنانيين.

في الشكل، بدت الرسالة نقدية ظاهرياً لكن يبدو أنها كانت سياسية في الباطن، فيما الجهة المقصودة على الأرجح غربية، تحديداً أميركية.

إقرأ أيضاً: الانفجار تسبّب بهبوط الدولار!

أما في المضمون، فقد جاءت الرسالة بعد كلام لافت وجديد، أطلقه مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الاوسط ديفيد هيل من واشنطن يوم الأربعاء، شدد على إلزامية الاصلاح كممرّ للحصول على مساعدات من صندوق النقد الدولي، مضيفاً للمرة الأولى إلى سلة المطالب الأميركية، شرطَ التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان، الذي سبق الأميركيين إليه الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون خلال اجتماعه بالقيادات اللبنانية في قصر الصنوبر، عشية زيارته إلى بيروت بعد تفجير المرفأ.

عن جدية رفع الدعم عن هذه السلع، يستهجن المصدر توقيت هذا الكلام، ويشير في هذا الصدد إلى أنّ مصرف لبنان لو أراد الاستمرار بالدعم، فلديه نحو 20 مليار دولار من الاحتياطي

مصدر مصرفي مقرّب من دوائر القرار في مصرف لبنان أكّد لـ"أساس" أنّ الأميركيين طلبوا من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة "رفع الدعم عن المازوت" وذلك قبل نحو 3 أشهر من موعد تطبيق قانون قيصر، إلاّ أنّ سلامة لم يفعل.

المصدر نفسه كشف أنّ الحديث في الأوساط المالية والنقدية يدور اليوم حول "توجه لرفع الولايات المتحدة غطاءها عن سلامة"، وأنّ دعم المازوت الذي يذهب جزء كبير منه إلى النظام السوري، ولا يُعرف إن كان "حزب الله" من المستفيدين أيضاً، هو "السبب المباشر لتراجع الدعم السياسي الذي كانت تقدمه واشنطن لسلامة". يقول المصدر نفسه: "لو قام سلامة بالمطلوب، بالتأكيد لكان الموقف الأميركي منه اليوم مغايراً". 

وعن جدية رفع الدعم عن هذه السلع، يستهجن المصدر توقيت هذا الكلام، ويشير في هذا الصدد إلى أنّ مصرف لبنان لو أراد الاستمرار بالدعم، فلديه نحو 20 مليار دولار من الاحتياطي، وله منها قرابة 3 مليارات دولار فيما البقية هي قرابة 17 مليار دولار وتخصّ الاحتياطي الالزامي للمصارف المحلية.

وعما يدفعه مصرف لبنان شهرياً لدعم هذه السلع يلفت المصدر إلى أنّ المبلغ هو نحو 700 مليون دولار شهرياً، ويكشف أنّ هذا الكلام "ليس سراً"، فقد سبق لوزير الاقتصاد المستقيل راوول نعمة أن كشفه في أحد مؤتمراته الصحافية وقد تلقّاه من كشوفات مصرف لبنان. المصدر نفسه يضيف أنّ احتياطات المصرف المركزي من العملات الأجنبية تسمح له بالاستمرار في دعم الوقود والقمح والدواء "لما يمتدّ إلى نحو سنتين من الآن، وعلى الأرجح هذا الكلام هو رسالة سياسة".

كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس الدكتور نسيب غبريل لـ"أساس" يضع الأمر في نصابه النقدي والإقتصادي، فيدعونا إلى عدم التفاجؤ في حال توقف الدعم، لأنّ احتياطي مصرف لبنان يتراجع من خلال دعم هذه السلع ويضاف إليها السلّة الغذائية والمواد الأولية للإنتاج الزراعي والصناعي. يؤكد غبريل أنّ وزارة الاقتصاد حين أطلقت سلّتها الغذائية المؤلّفة من نحو 200 سلعة "لم تحدّد ما هي فترة الدعم ولا حتّى الكلفة المطلوبة لذلك". أطلقت السلّة وتركت الأمر على عاتق المصرف المركزي، كاشفاً في هذا الشأن عن تراجع احتياطي مصرف لبنان منذ مطلع هذه السنة وإلى منتصف شهر آب الحالي، نحو 6.6 مليار دولار.

ثمة من يقول إنّ سلامة في صدد إعادة النظر في مسألة الدعم، لأنه لا يريد للاحتياطي أن ينخفض تحت رقم 17 مليار دولار، وهو بذلك يضرب "عصفورين بحجر"

يكشف غبريل أنّ "هذا الضغط تمارسه السلطة السياسية على المصرف المركزي في ظل توقف تدفقات رؤوس الأموال من الخارج، فالودائع تراجعت بشكل كبير، والمداخيل السياحية باتت معدومة بسبب جائحة كورونا، فيما الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المشاريع الجديدة مفقودة، ولم تتخطَ 250 مليون دولار في العام 2019. أما التحاويل الخارجية فباتت تدخل مباشرة عبر المطار أو من خلال تحاويل عبر شركات الأموال، في حين الدولارات الفريش تمرّ عبر المصارف لكنّها لا تخضع للاحتياطي الالزامي، ويضاف إلى هذا كله المساعدات الأجنبية بعد فاجعة 4 آب، فهي إما عينية أو أموال فريش أيضاً غير خاضعة للاحتياطي الالزامي". ويعزو غبريل سبب التراجع في تدفق رؤوس الأموال بالدرجة الاولي إلى قرار حكومة حسان دياب التوقف عن دفع سندات اليوروبوند.

لكن على الرغم من هذا كلّه، ثمة من يقول إنّ سلامة في صدد إعادة النظر في مسألة الدعم، لأنه لا يريد للاحتياطي أن ينخفض تحت رقم 17 مليار دولار، وهو بذلك يضرب "عصفورين بحجر". من جهة يضغط على السلطة من أجل التسريع في اطلاق مسار تشكيل الحكومة، ومن جهة أخرى يسعى إلى مغازلة الأميركيين وتقديم أوراق اعتماد جديدة لديهم، محاولاً إمساك العصا من الوسط مجدداً، خصوصاً في هذا التوقيت الذي يُنتظر أن تصدر خلاله عقوبات جديدة بموجب قانون "ماغنيتسكي" الذي يخصّ الفساد، بحقّ حلفاء "حزب الله"، ولا يُستبعد أن يكون الساعي الأبرز إلى رئاسة الجمهرية الوزير جبران باسيل، من بين هؤلاء أو على رأسهم، وهذا يعزّز مجدداً من فرص الحاكم بيلوغ قصر بعبدا.