إعادة إعمار المرفأ: أميركا تطيح بطموحات تركيا
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

إعادة إعمار المرفأ: أميركا تطيح بطموحات تركيا

علي نور - السبت 22 آب 2020

منذ تفجير مرفأ بيروت، وضعت تركيا نصب عيونها الدخول على خط التنافس على ملف إعادة إعمار مرفأ بيروت واستثماره لاحقاً، كجزء من معركة النفوذ الشرسة التي تخوضها في منطقة حوض شرق المتوسّط.

إقرأ أيضاً: وداعاً مرفأ بيروت و"أهلاً" مرفأ اللاذقية؟

في بادىء الأمر، اعتقد الأتراك أنّ المزاحم الأساسي والفعلي في هذا الملف هو فرنسا، فراهنوا على المزايا التنافسيّة التي يملكونها وذهبوا بعيداً في السخاء في طرحهم. لكنّ الزيارة الأخيرة لوكيل وزارة الخارجيّة الأميركيّة للشؤون السياسيّة ديفيد هيل إلى بيروت، خلطت جميع الأوراق التركيّة، خصوصاً بعد أن ظهر أنّ الولايات المتحدة تمتلك أولويّات تتناقض مع الدور التركي، وتنسجم بوضوح مع الطرح الفرنسي. باختصار، يمكن القول إنّ تركيا باتت قاب قوسين أو أدنى من الخروج من السباق على النفوذ في كلّ ما يتصل بمستقبل مرفأ بيروت ودوره الإقليمي.

سرعان ما بدأ الأتراك يشعرون بالانعكاسات العمليّة لتحالفات الغاز المستجدّة، بعد أن تسارعت التطوّرات المتعلّقة بمشروع الأنبوب البحري الذي يربط إسرائيل، وقبرص، واليونان بأوروبا

فالدولة اللبنانيّة كما هو معروف لا تملك اليوم القدرة الماليّة للشروع بإعادة بناء المرفأ بنفسها، وهو ما يعني حكماً اتجاهها نحو عقد BOT لإعادة إعماره، أي من خلال منح الشركات عقود امتياز تسمح بتشغيل واستثمار المرفأ لفترة يمكن أن تصل لغاية 25 سنة مقابل إعادة بنائه. وهذا النوع من الامتيازات، قادر اليوم على تحديد موقع المرفأ ودوره الاستراتيجي في ظلّ سباق الموانئ وخطوط إمداد الطاقة، فيما تكتسب مسألة الصراع على النفوذ في مرفأ بيروت أهميّة استثنائيّة بالنظر إلى موقع المرفأ الاستراتيجي وما يحيط به من أحداث وصراع مصالح.

ومن ناحية تركيا، ثمّة كباشات لا تنتهي على جبهات عدّة ، تتصل جميعها بمواقع النفوذ البحري على البحر الأبيض المتوسّط. تبدأ التحدّيات التركيّة على هذا المستوى من الصراع على خطوط إمداد الطاقة في هذه المنطقة تحديداً، وخصوصاً بعد تبلور دور منتدى غاز شرق المتوسّط الذي تحوّل في بداية هذا العام إلى منظّمة دوليّة حكوميّة. فمنذ البداية، نظرت تركيا بريبة إلى هذا المنتدى، الذي ضمّ قبرص، واليونان، وإسرائيل، وإيطاليا، والأردن، ومصر، وفلسطين، معتبرةً على لسان الخارجيّة التركيّة بأنّ هذه المبادرة تهدف إلى "استبعاد تركيا من معادلة الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسّط". كما فاقم من حساسيّة تركيا اتجاه هذه المنظّمة خلافاتها الحدوديّة الشرسة مع بعض أعضاء المنتدى كاليونان، وقبرص، واستعداد فرنسا للدخول فيه.

سرعان ما بدأ الأتراك يشعرون بالانعكاسات العمليّة لتحالفات الغاز المستجدّة، بعد أن تسارعت التطوّرات المتعلّقة بمشروع الأنبوب البحري الذي يربط إسرائيل، وقبرص، واليونان بأوروبا. اعتبرت تركيا أنّ هذا الأنبوب لا يمثّل سوى محاولة لتخطّيها وتطويقها، خصوصاً أنّ هذا النوع من المشاريع سيعني استثناءها لاحقاً من عقود بيع الغاز إلى أوروبا طالما أنّ الأنابيب هذه لا تعبر من خلالها ولا ترتبط بحقولها، وهو ما سيؤدّي عمليّاً إلى تعقيد عمليّة تسويق غازها. ثم رفعت تركيا السقف أكثر في مواجهة المشروع حين اعتبرت أنها لن تسمح بأيّ مشروع من هذا النوع في شرق المتوسّط إذا لم يتمّ بمشاركتها أو بموافقتها.

في ظلّ هذا الطوق الإقليمي في شرق المتوسّط، حاولت تركيا البحث عن منافذ تسمح لها بلعب الدور التوسّعي الذي يطمح له أردوغان. فالتدخّل التركي في ليبيا، ارتبط منذ البداية بأطماع تركيا النفطيّة هناك، لكنّ تركيا لم يفتها البحث في ليبيا عن موطئ قدم على الساحل الجنوبي لشرق المتوسّط، وتحديداً من خلال توقيع عقود تضع إدارة الجمارك والموانىء الليبيّة الواقعة تحت سيطرة حكومة الوفاق في قبضة شركة تركيّة مملوكة من رجل أعمال مقرّب من الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان. في الشكل، حاولت تركيا تسويق المسألة كعقد لإدارة الواردات. لكن في المضمون، كان من الواضح أنّ العقد يمنح الأتراك تفويضاً واسع النطاق للتحكّم بعمليات الموانىء ووارداتها.

أمام هذه الصورة، كان من الواضح أنّ مرفأ بيروت يمثّل حاجة ملحّة للدور التركي، وخصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار موقع المرفأ، والسباق المحموم بين عدة دول على استثمار مرافئ شرق المتوسّط. ببساطة، كان استثمار المرفأ من قبل تركيا سيعني إعطاء الأتراك نقطة نفوذ تجاريّة بالغة الأهميّة في منتصف الشاطئ الشرقي للمتوسط. وهو ما سيشكّل ورقة استراتيجيّة مهمّة على المدى الطويل في مختلف المجالات.

في الخلاصة جاء دايفيد هيل، وبدا أنّ عقبات تركيا في ملف المرفأ كانت أبعد من فرنسا فحسب. فالولايات المتحدة مهتمّة بإبقاء كافة أنشطة المرفأ في المستقبل تحت ظلّ رقابتها ونفوذها المباشرين، ولو كانت هذه الرقابة، دوليّة أو أمميّة معيّنة على العمليّات

لكنّ تركيا التفتت سريعاً إلى الدور الفرنسي الطامح بدوره إلى استثمار المرفأ، مع العلم أنّ تركيا تعتبر فرنسا رأس الحربة في مواجهة دورها الاقتصادي الإقليمي من عدّة نواحٍ، سواء من خلال دخولها كمنافس شرس على النفوذ الاقتصادي في ليبيا، أو من خلال دعمها لكافة التحالفات الاقتصاديّة الإقليميّة التي تزعج تركيا. وبعد الانفجار مباشرةً، كانت الصحف التركيّة الموالية لأردوغان تشدّد على قدرة تركيا على لعب دور كبير في إعادة المرفأ، فيما اعتبرت أنّ العائق الأساسي يتمثّّل في فرنسا "التي تحاول إنشاء لعبة كبيرة ضد تركيا في شرق البحر المتوسّط".

اعتبرت تركيا أنّ معركتها هنا هي في مواجهة النفوذ الفرنسي حصراً، وهو ما أعطاها أملاً بالحصول على امتياز استثمار المرفأ، فراحت تعرض مزايا عروضها التنافسيّة في لقاءاتها مع المسؤولين اللبنانيين: من إمكانيّة استعمال المرافئ التركيّة القريبة كبديل عن مرفأ بيروت إلى حين إعادة إعماره، إلى استعداد تركيا للعمل على ترميم بعض المناطق في محيط المرفأ، وصولاً إلى عرض الشراكات الاستثماريّة الطويلة الأمد مع المرافئ التركيّة القريبة. وكان من الملفت أنّ هذه العروض جاءت من قبل نائب الرئيس التركي شخصيّاً، وبعد يوم واحد من زيارة الرئيس الفرنسي الذي لم يفته التحذير من الدور التركي في لبنان بعيداً عن الإعلام في لقائه مع رؤساء الكتل النيابيّة.

في الخلاصة جاء دايفيد هيل، وبدا أنّ عقبات تركيا في ملف المرفأ كانت أبعد من فرنسا فحسب. فالولايات المتحدة مهتمّة بإبقاء كافة أنشطة المرفأ في المستقبل تحت ظلّ رقابتها ونفوذها المباشرين، ولو كانت هذه الرقابة، دوليّة أو أمميّة معيّنة على العمليّات. وفي ما يتعلّق بالملف الاستثماري التجاري، فوجهة النظر الأميركيّة باتت أقرب إلى فكرة التنفيذ من خلال الشركات الفرنسيّة وبتمويل إماراتي، على أن يتمّ التفاهم لاحقاً على توزيع الأنشطة بين الشركات الدوليّة الأخرى وفق عقود من الباطن. فهذه الصيغة الاستثماريّة باتت الأقرب بالنسبة للأميركيين اليوم إلى طموحاتهم بخصوص مستقبل المرفأ ونفوذهم فيها، خصوصاً مع عدم الثقة بالدور التركي على المستوى الإقليمي. أما إذا أرادت تركيا البحث عن دور ما في هذا المسار، فعليها أن تفاوض لاحقاً من أجل أدوار ثانويّة.