نداء البطريرك ودعوة المفتي يساويان دولة؟
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

نداء البطريرك ودعوة المفتي يساويان دولة؟

هشام عليوان - الجمعة 21 آب 2020

قبل أكثر من شهر من الموعد الرسمي للنطق بحكم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، صدر نداء 5 تموز الماضي على لسان البطريرك بشارة الراعي متوجّهاً إلى رئيس الجمهورية طالباً منه العمل على فكّ الحصار عن الشرعية والقرار الوطني الحرّ. وإلى الدول الصديقة من أجل الإسراعَ إلى نجدة لبنان كما كانت تفعل كلما تعرّضَ لخطر. وإلى الأمم المتّحدة للعمل على إعادة تثبيت استقلال لبنان ووحدته، وتطبيق القرارات الدولية، وإعلان حياده. هذا النداء جاء مفاجئاً في مضمونه وتوقيته، لكنه حرّك المياه الراكدة سياسياً، وألقى الضوء على لبّ الأزمة وسبب الفشل: الشرعية محاصرة، وكذلك القرار الوطني. وطَرَح الحلّ وهو: إعلان حياد لبنان.

إقرأ أيضاً: "مذكّرة الحياد" بوجه "العهد".. فهل يقتدي الراعي بصفير ويدعوه إلى "الاعتزال"؟

لكن قبل ثلاثة أيام من حكم المحكمة، اهتزّ قلب لبنان بانفجار شبه نووي في المرفأ. مصدر الانفجار وسببه مجهولان حتّى الآن، وكذلك المحتويات الحقيقية للعنبر رقم 12، فبدا التوقيت مشتبهاً وملتبساً وكذلك ظروفه، فضلاً عن آثاره التدميرية. تأجّل النطق بالحكم الدولي إلى 18 آب، وتصاعدت المطالبة بتحقيق دولي في انفجار المرفأ، لا سيما وأنّ مهلة الأيام الخمسة للتحقيق اللبناني انقضت دون نتائج، ثم أُحيل إلى المجلس العدلي، فالدخول إلى التفاصيل المملّة حول من هو مسؤول عن التقصير أو الإهمال، والحقّ أنّ الدولة برمّتها باتت فاشلة أو انكشف فشلها مرة واحدة. كان على الحكومة أن تستقيل دون أيّ تردّد. ثم حاول رئيسها تأجيل الاستقالة لشهرين على أمل أن لا يتفق السياسيون على بديل، لكنه أخطأ بطرح الانتخابات النيابية المبكرة، فتكاثروا عليه حتى أجبروه على التنحّي، في مسعى لإجهاض مؤامرة ما، تحدّث عنها الرئيس نبيه بري، والأمين العام للحزب، ومفادها تحريض النواب على الاستقالة!

جاء الموقف الحاسم والقوي لسماحة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان في مناسبة رأس السنة الهجرية، ليضع نقاطاً على حروف مبادرة البطريرك الراعي، فتلاقت المرجعيتان الدينيتان لاثنتين من كبريات الطوائف اللبنانية على إجراء تحقيق دولي

ثم كان الاستعداد للموعد الثاني للنطق بحكم المحكمة، فازدحمت المواقف. رئيس الجمهورية وبعد لقاء مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد هيل به، وافق على مشاركة مكتب التحقيقات الفيدرالية الأميركية FBI في التحقيق بملابسات انفجار المرفأ، وهو ما أعلنه هيل خلال زيارته للبنان (12-15 آب). وكان البطريرك الراعي قد أعلن في عظة الأحد في 9 آب، أنّ انفجار المرفأ "جريمة موصوفة ضد الإنسانية. ومن الواجب الاستعانة بتحقيق دولي لكشف حقائقها كاملة، وإعلانها مع وجوب محاسبة كلّ مسؤول عن هذه المجزرة مهما علا شأنه"، فبدا أن مشاركة الأف بي آي، إلى جانب المحقّقين الفرنسيين، كافية لإضفاء مصداقية دولية ما على التحقيق.

وقبل يومين من حكم المحكمة، اقترب رئيس التيار الوطني الحرّ، النائب جبران باسيل نوعاً ما من طرح البطريرك الراعي، إذ أعلن بشكل مفاجئ ومرتبك تأييده لـ "استراتيجية دفاعية للبنان متفق عليها وطنياً تضمن عملية تحييده أو حياده وحمايته من ضمن قوته". ففي هذا الموقف المركّب، جعل الاستراتيجية الدفاعية التي تحصر قرار السلاح داخل الدولة لا خارجها، شرطاً لقيام الحياد. والأمران من الحساسية بمكان، بالنسبة لحليفه الوثيق: حزب الله. مع أنّ باسيل قبل أكثر من أسبوعين، رفض فكرة الحياد بوصفها من وسائل حصار حزب الله!

البطريرك الراعي في عظة الأحد نفسه، تابع مواقفه المتقدّمة، فأعلن رفضه أن "يكون لبنان ورقة تسوية بين دول تريد ترميم العلاقات فيما بينها على حساب الشعب اللبناني". ودعا من أجل استعادة الثقة الدولية "البدء فوراً بالتغيير مسرعين إلى إجراء انتخابات نيابية مبكرة دون التلهّي بسنّ قانون انتخابي جديد، وتشكيل حكومة جديدة يحتاجها واقع لبنان اليوم". وبحسب تعبيره، فإنّ "الشعب يريد حكومة إنقاذ لبنان، لا إنقاذ السلطة والطبقة السياسية، وحكومة منسجمة معه لا مع الخارج، وملتقية فيما بين مكوّناتها حول مشروع إصلاحي". والإصلاح المنشود بحسب الراعي "ليس إدارياً فقط، بل إصلاح القرار الوطني بأبعاده السياسية والوطنية والعسكرية...فلا حكومة وحدة وطنية من دون وحدة فعلية. إننا نريد مع الشعب حكومة للدولة اللبنانية، لا حكومة للأحزاب والطوائف والدول الأجنبية". وفي اليوم التالي (17 آب) أعلن الراعي "لبنان الحياد النشط"، وهذه المذكّرة مؤرخة بـ 7 آب!

ثم كان النطق بحكم المحكمة في قضية اغتيال الحريري، وكان يوماً مشهوداً في 18 آب، لجهة التوقّعات والوقائع معاً. وعلى الرغم من انحصار الإدانة في عضو واحد من حزب الله، إلا أنّ الحكم يؤشّر على مرحلة زمنية فاصلة، كادت تكسف الضوء عن انفجار المرفأ، فكأنه الضربة المرتدّة، حتى بالنسبة لفكرة اللجوء إلى تحقيق دولي.

وجاء الموقف الحاسم والقوي لسماحة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان في مناسبة رأس السنة الهجرية، ليضع نقاطاً على حروف مبادرة البطريرك الراعي، فتلاقت المرجعيتان الدينيتان لاثنتين من كبريات الطوائف اللبنانية على إجراء تحقيق دولي في جريمة انفجار المرفأ من أجل استجلاء الحقيقة واستعادة الثقة، وتنظيم الانتخابات النيابية المبكرة لإعادة تكوين السلطة بعد الفشل الذريع الذي أصاب الدولة ومؤسساتها، وتشكيل حكومة حيادية من غير الطبقة السياسية. فبدا وكأننا في مشهد عام يتبدّل على نحوٍ متسارع وغير مسبوق، منذ انتفاضة 17 تشرين الأول العام الماضي.

وعن مسألة الحياد اعتبر دريان أننا "قد لا نحتاج للحياد إذا بنينا دولة كريمة، وعائلة معزّزة بالتماسك الاجتماعي. وهذه الدولة تُغنينا عن كلّ حياد لأنها تشكّل سياجاً وطنياً قوياً وحماية كافية. أما إن بقينا على انقسامنا، فلن يفيدنا أيّ حياد حتماً، لاننا لن نخرج من النفق". واضاف: "مبدأ النأي بالنفس، وهو الوجه السياسي لنظام الحياد الوطني الذي تمّ التوافق عليه، وتحوّل التزاماً للبيان الوزاري للحكومة انقلبنا عليه، ولم نحسن التعامل معه". وهنا يكمن الخلاف بين المفتي والبطريرك، إذ هو بين السبب والنتيجة، فالبطريرك يرى في مذكّرة الحياد الناشط، أنّ الحياد أمام صراعات المنطقة يؤدّي إلى تقوية الدولة، فيما يرى المفتي أنّ الحياد يتطلّب أولاً قيام دولة قوية.

المؤكّد من بين كلّ الركام المادي والمعنوي، أنّ المشهد السياسي من الراعي ودريان أنضج من قبل، لتغيير جذري، في الأسس كما في الممارسات

وخلص المفتي إلى أنّ التهديد الوجودي للبنان يقتضي أموراً عاجلة: وهي تحقيق دولي في انفجار المرفأ لتحديد المسؤوليات واستعادة الثقة. والإقبال على تغيير جذري في السلطة كما هي إرادة اللبنانيين. وربما كان المعبر الأسلم لذلك، الانتخابات المبكرة التي ينبغي العمل على توفير شروطها، أبرزها قانون انتخابي ملائم. وقيام رئيس الجمهورية باستشارات عاجلة لتسمية رئيس حكومة يشكّل حكومة حيادية إنقاذية مكوّنة من اختصاصيين يتعاملون مع الكارثة، يعيدون الإعمار ويتعاملون مع المجمتع الدولي. وأخيراً، أن تكون من مهمّات حكومة التغيير العتيدة إنفاذ الحكم الذي اصدرته المحكمة الدولية في قضية اغتيال الشهيد رفيق الحريري.

قد تبدو سلسلة الأحداث والمواقف، وكأنّ بينها رابطاً سببياً ما، وقد تكون زحمة من الوقائع المتراكمة. إلا أنّ المؤكّد من بين كلّ الركام المادي والمعنوي، أنّ المشهد السياسي من الراعي ودريان أنضج من قبل، لتغيير جذري، في الأسس كما في الممارسات.