التعويضات متأخرة... وعلى المتضرر اللجوء إلى قروض الدولار
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

التعويضات متأخرة... وعلى المتضرر اللجوء إلى قروض الدولار

عماد الشدياق - الخميس 13 آب 2020

أصدر مصرف لبنان تعميماً بدا للوهلة الأولى أنّه سيساهم في إعادة إعمار ما دمّره تفجير مرفأ بيروت، بقروض، بالدولار من المصارف وبفائدة "صفر في المئة". التعميم 152 طلب من المصارف والمؤسسات المالية منح قروض لمدّة 5 سنوات "بلا سقوف محددة لكل عميل"، على أن تنحصر بالمتضررين (أفراداً ومؤسساتٍ وشركات) لترميم منازلهم ومؤسساتهم، وتُسدّد "بالعملة اللبنانية وعلى سعر الصرف الرسمي".

يبدو هذا القرض هو قرض الأحلام في هذه اللحظات العصيبة، وبغضّ النظر من أين "ستولد" الدولارات، في مصارف توقفت عن الدفع بالدولار منذ أشهر، ودخلت في مشروع "اللولرة"، بدفع الدولار على سعر 3900 ليرة لبنانية، فإنّ مصرف لبنان سيموّل هذه القروض من خلال المصارف المحلية، شرط استحصالها وعلى مسؤوليتها، على فواتير تبيّن قيمة أعمال الترميم وتتأكّد من صحة هذه الفواتير بنفسها.

إقرأ أيضاً: خسائر تفجير بيروت: بين 15 و20 مليار دولار

بعض المصارف لم ينتظر تعميم مصرف لبنان للتحرّك. بنك "بيمو" في الأشرفية مثلاً، أصدر بعيد الانفجار كتاب تعزية للمتضرّرين، كشف فيه أنّه خصّص مبلغ 100 مليون دولار لزبائنه وغير زبائنه، على شكل قروض ترميم ميسّرة "بأقل إجراءات إدارية ممكنة". من دون أن يتسنّى التأكّد من تنفيذ هذا التعميم. كما أنّ مصارف تجارية أخرى بدأت تتواصل مع الناس في مناطق الأشرفية، والجميزة، والمرفأ (بدأت بموظفيها المتضرّرين) من أجل مساعدتهم على إعادة الإعمار والترميم.

مصادر "أساس" تؤكد أنّ الدفع عبر قروض المصارف لن يكون بالدولارات الـ"كاش"، وإنما بواسطة شيكات مصرفية أو تحويلات إلى حسابات المتضررين أو المتعهدين الذي سيلتزمون أعمال الصيانة والترميم. هذه المعلومات تعيدنا إلى المربع الأولـ إلى ثنائية "السلطة والمصارف"، تلك اللعنة التي تلاحق اللبناني حتى في أقسى الكوارث.

أما "الهيئة العليا للإغاثة" فقد لحظت التعويض على 3 فئات فقط ذوو الشهداء، والسيارات، والمنازل والمحلات المتضرّرة. الآلية تطلب من المواطنين المتضررين تأمين مستندات لا تخلو من ثغرات وعوائق، لناحية كيفية إثبات أنّ الأضرار ناتجة عن الانفجار، وكذلك إثبات الكلفة بفواتير نظامية للحصول على التعويض. الهيئة تُخيّر المتضرّرين بين انتظار الكشف ثم الدفع (مجهول توقيته) قبل المباشرة في الإصلاحات، وبين توثيق الأضرار بالصور، ثم إزالتها والمباشرة بإصلاحها "على نفقتهم في حال رغبوا في ذلك"، ليُصار إلى إبراز المستندات كلّها لاحقاً أمام لجان المسح.

مصادر خاصة كشفت لـ"أساس" أن بعض الوزراء (قبل استقالتهم طبعاً) تحفّظوا على خط سير لجان الكشف، وربما لأسباب تتعلّق بزبائنيات سياسية أو باعتبارات طائفية

عامل الوقت سيكون أكبر الثغرات في هذه الآلية. فما هو الوقت المطلوب كي تتمكّن "الهيئة"، بمساعدة الجيش، من إحصاء كامل الأضرار في العاصمة كلها ضمن الوقت المطلوب، أو أقله قبل حلول فصل الشتاء؟ وهل ستصدر التقارير بهذه السرعة للناس المتضرّرة في كلّ المناطق، خصوصاً في ظل البطء الإداري المعهود الذي نعرفه في لبنان؟

جملة مفتاحية وردت في بيان الهيئة العليا للإغاثة يُمكن أن تجيب عن هذه الأسئلة: "المباشرة بإصلاحها (الأضرار) على نفقتهم في حال رغبوا في ذلك"... و"ع الوعد يا كمون"، تماماً مثل ملفات كثيرة ما تزال قابعة في أدراج الهيئات والصناديق واللجان وسط واقع اقتصادي وسياسي مأزوم ويزداد تأزّماً يوماً بعد يوم.

الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة اللواء محمد خير لا يعطي مهلة محدّدة. ويكشف لـ"أساس" أنّ "مسألة الدفع في عهدة مجلس الوزراء"، مؤكّداً أنّ مجلس الوزراء "مولج برسم آلية صرف هذه التعويضات"، فيما مهمته كهيئة تنحصر في التنسيق مع قيادة الجيش وقائده جوزيف عون الذي "يبذل أقصى جهوده مشكوراً من أجل التسريع في عمليات الكشف".

يؤكّد خير أنّ لجان المسح التابعة للجيش اللبناني "بدأ عملها قبل أيام بـ5 لجان، ثم تضاعفت إلى 15 لجنة، واليوم بات عددها 30 لجنة". أما عن المناطق التي انطلقت منها اللجان، فيكشف اللواء خير أنّها 3 خطوط وضعها هو بنفسه، عملاً بالأولويات وربطاً بحجم الأضرار: الخطّ الأول هو "خطّ الجميزة"، الخطّ الثاني هو "خط الكارنتينا" صعوداً، فيما الخطّ الثالث هو "خط الرينغ".

لكن يبدو أنّ هذه الخطوط لم تلقَ استحسان بعض من هم في الحكومة المتداعية. ومصادر خاصة كشفت لـ"أساس" أن بعض الوزراء (قبل استقالتهم طبعاً) تحفّظوا على خط سير لجان الكشف، وربما لأسباب تتعلّق بزبائنيات سياسية أو باعتبارات طائفية. لكن في نهاية المطاف ثمة أولويات، والمتضرّر منزله كاملاً، له أحقية على من كُسر لديه لوح زجاج أو خُلع بابه.

أما عن ثغرات هذه الآليات فيؤكد الخبير المصرفي محمد فحيلي، أنّها كثيرة، لا تنحصر بالمُهل الزمنية غير الواضحة، التي تفصل بين إجراء الكشف وبين الدفع، وأهمّها عدم قدرة ذوي المداخيل المحدودة على تأمين المستندات المطلوبة، بالنسبة لمن يستعينون بأشخاص وليس بشركات لإجراء الإصلاحات، وصعوبة تلبية الشروط الخاصة بقروض المصارف، ما يجعل هذه القروض غير جديّة بالنسبة لهم.

الناس لا تطالب بودائعها من المصارف من أجل صرفها، وإنّما من باب الاحتراز بعد فقدانهم الثقة بالقطاع المصرفي

يشير فحيلي في هذا الصدد أيضاً، إلى أنّ بعض المواطنين المتضرّرين لجأوا إلى جهات فنية تطوعية غير رسمية (مهندسون، شركات استشارية، جمعيات... الخ) فهل ستأخذ الهيئة العليا للإغاثة أو المصارف بتقاريرها وفواتيرها من أجل التعويض على الناس؟ أم أنّ العمل سيكون محصوراً بمسح وتقارير الجيش اللبناني فحسب؟ كل هذه الأسئلة تنتظر إجابات غير متوفّرة حتى اللحظة في ظل الأزمة الحكومية.

ولدى سؤال فحيلي إن كان صرف التعويضات خلال الكوارث أو الحوادث المماثلة يُعدّ من وظائف مصرف لبنان، أكّد أنّ وظيفة مصرف لبنان "هي ضخّ السيولة من خلال المصارف التجارية، وهذا يدخل في صل صلاحياته". أما في ما يخصّ خيار المواطنين بين الاقتراض من المصارف أو انتظار المساعدات الدولية، فيقول إنّ "حاجة كل مواطن وقدرته ستفرض نفسها، وقد تقضي الحاجة بالاستفادة من الأمرين في آن".

لا يخفي فحيلي أنّ هول الفاجعة الكبير واهتمام المجتمع الدولي بمعاناة اللبنانيين واستجابته السريعة عليها "ستدرّ مساعدات كثيرة على اللبنانيين. أموال هذه المساعدات قد تثير لُعاب السلطة للإستفادة منها، وتسجيلها على شكل إنجازات لصالحها. صحيح أنّ هذه الأموال ستأتي مباشرة للناس، لكنّها لن تأتي أموالاً كاش بالأكياس عبر المطار، وإنما من خلال تحويلات مصرفية لتُصرف من خلال المؤسسات الإنسانية أو المنظمات غير الحكومية".

إذاً، سيتم تداول هذه الأموال عبر القطاع المصرفي، ومن غير المستبعد أن تستغلّ المصارف هذه الفرصة أيضاً. وفي نظر فحيلي فإنّ المصارف "إذا أحسنت اغتنام هذه الفرصة فقد تتمكن من إعادة انعاش صناديقها بالسيولة من العملات الصعبة". هي فرصة ذهبية للمصارف لإعادة تقزيم "السوق السوداء" لصرف الدولار إلى حدودها الدنيا بعد أن انفلشت، وسيطرت على آلية تحديد سعر صرف الدولار. وبالتالي، فإن ذلك قد يقود إلى إمساك المصارف بزمام المبادرة مجدداً.

يشرح فحيلي هذه المقاربة من خلال التأكيد على أنّ الناس لا تطالب بودائعها من المصارف من أجل صرفها، وإنّما من باب الاحتراز بعد فقدانهم الثقة بالقطاع المصرفي، لكن إذا بدأت المصارف بمنح الناس السيولة المتدفقة من أموال المساعدات الخارجية التي تصرّ الهيئات المانحة على إيصالها للناس مباشرة من دون المرور عبر مؤسسات الدولة وصناديقها، فلا يُستبعد أن تعود ثقة الناس تدريجياً إلى المصارف، وتنقل الناس أموالها مجدداً من المنزل إلى المصارف. وهذا حديث آخر ينقل البلاد إلى مرحلة أخرى.

يؤكد فحيلي في الختام أنّ منح المساعدات الغربية إلى الناس مباشرة، سينعش القطاع الخاص عموماً (مصارف، وشركات، وأفراد) وقد يعيد الاعتبار للعملة الرديفة (الدولار الأميركي) فيما الدولة ستُترك بمؤسساتها وموظفيها، مأزومة بالعملة الوطنية التي تتآكل قدرتها الشرائية.