ماكرون يمدّ يده.. مبادرة أم ارتجال؟

ماكرون يمدّ يده.. مبادرة أم ارتجال؟

زياد عيتاني - السبت 08 آب 2020

هل هي مبادرة مدعومة من عدة دول أم أنه ارتجال سياسي استحضرته لحظة عاطفية لطالما وُجدت في النظرة التاريخية الفرنسية للبنان وشعبه؟

تساؤل لا يمكن تجاوزه بعد انتهاء زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان، وما رشح عن المباحثات التي أجراها ما بين القصرين بعبدا والصنوبر.

إقرأ أيضاً: ماكرون "بي الكل": الحياد... والمثالثة!

بين المتحمّسين والواقعيين، تتراوح القراءات لزيارة ماكرون وتختلط فيها الرغبات مع المعلومات، وفوق كلّ ذلك هامش المعنى ودلالاته في المفردات المترجمة ما بين اللغتين الفرنسية والعربية.

لعلّ أبرز ما نتج عن المباحثات الماكرونية، كان الحديث عن تشكيل حكومة جديدة. وقد تراوح التصنيف، ما بين حكومة وحدة وطنية، أو حكومة حيادية أو الدمج بين التصنيفين حكومة وحدة وطنية حيادية، إلاّ أنّ أبرز المتحمسين، لم يستطع تفسير ما المقصود بهكذا حكومة. هل هي حكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري، وبالتالي العودة إلى ما قبل 17 تشرين 2019. أم أنها حكومة يتمثّل بها الجميع بأسماء حيادية..! أو ربما المقصود مستقلة نسبياً وبالتالي العودة إلى تجربة مماثلة لحسان دياب بأسماء جديدة.

ينظر الواقعيون إلى زيارة ماكرون أنها مجرّد ارتجال سياسي، ويذهب أحدهم إلى قساوة الانتقاد، فيقول: "ليس هكذا تدار سياسات الدول الكبرى"

المتحمّسون يتحدثون، أنّ الرئيس ماكرون يستند في ما طرحه إلى دعم عدد من الدول أبرزها روسيا وإيران إضافة لدعم عربي متمثّل بمصر والإمارات. وأنّ المبادرة تقوم على تشكيل حكومة تضمّ كلّ الأطراف، وتعمل وفقاً لمعلومات دبلوماسية رفيعة المستوى على إنجاز الإصلاحات باعتبارها العناوين الأساسية التي يُجمع عليها المجتمع الدولي وقد حدّدها الرئيس ماكرون كالتالي: (اصلاح الإدارة (الفساد، قانون المشتريات العمومية، قانون الضرائب) - التحقيق الجنائي في مصرف لبنان - إعادة هيكلة الدين العام - معالجة الكهرباء (قانون 462) - إعادة هيكلة المصارف - إقرار قانون الكابيتال كونترول - إعادة هيكلة الدين العام - استقلالية القضاء - إقرار موازنة 2020 / 2021 والتي ينتظر المجتمع الدولي اصدار القوانين الخاصة بها قبل الأول من أيلول). أما رئاسة الحكومة العتيدة بالنسبة لهؤلاء، فهي تفصيل صغير، طالما هناك توافق على هوية الحكومة وبرامجها.

بالمقابل، ينظر الواقعيون إلى زيارة ماكرون أنها مجرّد ارتجال سياسي، ويذهب أحدهم إلى قساوة الانتقاد، فيقول: "ليس هكذا تدار سياسات الدول الكبرى". ويرى هؤلاء، إلى أنّ المؤثرين على الساحة اللبنانية أربعة أطراف: هم الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا، وإسرائيل، وأخيراً إيران. وأيّ مبادرة أو تسوية، لا يمكن أن تسقط أيّ طرف من هؤلاء. فكيف بمبادرة الرئيس ماكرون والتي ستواجه السؤال الأول والأبرز أين الولايات المتحدة وإسرائيل من كلّ ذلك؟!..

يلخّص الواقعيون زيارة ماكرون وما طرحه أنها محاولة لتعبئة فراغ حاصل لاستنباط دور تراجع منذ زمن.

لقد كانت صورة الرئيس ماكرون في شارع الجميزة واللبنانيون يتجمّعون حوله يمدّون أيديهم لمصافحته، تشبه إلى حدّ بعيد صورة الشعب البولندي وهو يستقبل البابا الراحل مار يوحنا بولس الثالث

إنّ ما حصل من نكبة كبرى عبر تفجير مرفأ بيروت، يضع خطاً فاصلاً ما بين مرحلتين، ما قبل الانفجار ليس كما بعده، لقد حرّك العصف الذي أحدثه الانفجار الجميع من أمكنتهم ومواقعهم، التي كانوا فيها. والمفارقة، أنّ أيّ طرف حزب الله وإسرائيل وتوابعهما في الداخل والخارج، لم يختر المكان الجديد الذي بات فيه، لقد اختار عصف الانفجار هذه الأمكنة المستجدة وتالياً المواقف المستجدة.

إنّ ما حصل في طريقة التعاطي مع انفجار المرفأ من قبل إسرائيل وحزب الله، مطابق لكيفية التعاطي الذي حصل من قبل الطرفين مع أحداث جبل الروس على الحدود الجنوبية، بيانات متلاحقة، كلّ واحد ينفي ما سبقه من إسرائيل ومن حزب الحزب أيضاً. إلاّ أنّ الفارق هذه المرة أنّ انفجاراً كبيراً حصل خلّف دماراً مهولاً وضحايا كُثراً. وكأننا أمام انزلاق لم يكن في حسابات أحد.

لقد كانت صورة الرئيس ماكرون في شارع الجميزة واللبنانيون يتجمّعون حوله يمدّون أيديهم لمصافحته، تشبه إلى حدّ بعيد صورة الشعب البولندي وهو يستقبل البابا الراحل مار يوحنا بولس الثالث، وكلّ واحد منهم يمدّ يده محاولاً التبرّك به واستجدائه لينقذه من عيشه تحت سلطة نظام جائر.