لهذه الأسباب: إنّها إسرائيل
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

لهذه الأسباب: إنّها إسرائيل

محمد بركات - الجمعة 07 آب 2020

بدأت حكاية انفجار بيروت في 23 أيلول 2013. يومها أبحرت السفينة "روسوس" من ميناء باتومي في جورجيا، متوجّهةً إلى الموزمبيق، وهي تحمل 2700 طنّ من نيترات الأمونيوم، وفقاً لموقع "Shiparrested.com" المتخصّص بالملاحة والبواخر وشؤونها القانونية، كما نقلت "رويترز" أمس الأوّل، الأربعاء.

إقرأ أيضاً: هل هو عمل تخريبي؟ ... عسكريون يجيبون: كل شيء وارد

سوء حظّ بيروت وسوء حظّ الباخرة جعلها تواجه مشاكل على الطريق، فاضطرّت للدخول إلى ميناء مرفأ بيروت. ولأنّها شارفت على الغرق بسبب الأعطال، تمّ تفتيشها فتبيّن أنّها تحمل 2700 طنّ من الأمونيوم. وبحسب جهد استقصائي بحثي قام به الزميل رياض قبيسي ونشره ليل الأربعاء في برنامجه على قناة "الجديد" بعنوان "يسقط حكم الفاسد"، فقد طلبت وزارة النقل من قاضي العجلة تعويم السفينة وتفريغ الحمولة والحقّ ببيع السفينة. فوافق القاضي على التعويم والتفريغ وقال إنّه ليس صاحب الاختصاص بالسماح ببيع السفينة من عدمه، واشترط أن توضع "في مكان مناسب" تحت حراسة وزارة الأشغال. والمنطق يقول إنّ المكان المناسب هو مخازن الجيش.

هذه هي سيرة رحلة الأمونيوم، التي علقت في مرفأ بيروت، لأسباب غامضة، وبلا أيّ مسوّغ قانوني، إلى أن انفجرت

دخلت المواد إلى العنبر رقم 12 في العام 2014، باعتباره "المكان المناسب"، بحسب تقدير وزارة النقل. والضابطة العدلية في نطاق المرفأ هي إدارة الجمارك، وبالتالي هي التي ستحرس البضاعة. بعدها، في العام نفسه، 2014، طلب المدير العام السابق للجمارك شفيق مرعي من قاضي العجلة أن يطلب من الوكيل البحري إعادة تصدير الحمولة أو بيعها إلى شخص محدّد هو مجيد الشماس وشركته "اللبنانية للمتفجّرات"، بحجّة أنّ الجيش اللبناني لا يريدها، وأنّ الجيش اقترح بيعها للشمّاس. فرفض قاضي العجلة "شكلاً" لأنّه ليس الجهة المستدعية، المخوّلة بالطلب، بل إنّ الجهة التي طلبت تفريغ الحمولة هي وزارة النقل، وليس إدارة الجمارك، التابعة لوزارة المالية. وعلى ما يبدو، فإنّ هناك نزاعاً قضائياً أدّى إلى حجز من "دائرة تنفيذ بيروت" على البضاعة. وبالتالي هي محجوزة في العنبر رقم 12. فلو كان مرعي وضاهر ووزارة النقل، يريدون فعلاً التخلّص من البضاعة، لماذا لم يتوجّهوا إلى دائرة تنفيذ بيروت ليطلبوا "رفع الحجز" للتخلّص من خطرها على مرفأ بيروت؟

المهمّ هنا أنّ الجيش حين رفضها، وطلب بيعها للشمّاس، فإنّ الشمّاس إذا اشتراها، سيخزّنها حكماً في مخازن تحت إدارة الجيش. وهذا أمر يطرح علامات استفهام كثيرة. فلماذا طلب بيعها للشمّاس؟ ولماذا رفض الجيش أن يأخذها؟ والشمّاس الذي يستورد الأمونيوم عادةً بموجب إجازة من وزارة الداخلية وتحت إشراف الجيش، لا مكان آخر ليخزّنها إلا في مخازن يحرسها الجيش. تماماً كما أنّ مستوردي البنزين يخزّنونه في المنشآت النفطية. ويقدّر أحد الخبراء ثمن هذه الشحنة بما يقارب المليون دولار ليس أكثر.

مرعي أعاد الطلب نفسه من قاضي العجلة في 2015 و2016، وكان يلقى الجواب نفسه. وراسل قاضي العجلة "هيئة القضايا" في وزارة النقل، وطلب منها تأمين تواصل مع المالك الأصلي للبضاعة، فلم تردّ عليه "الهيئة". وبعد رحيل مرعي، جاء بدلاً منه بدري ضاهر، وراسل قضاء العجلة مجدّداً وقوبل بالردّ نفسه، في 2017 و2018. ومنذ 2018، لم يشهد الملفّ أي تطوّر، ولم يتسلّم أيّ وزير أيّ تقرير أمني أو غير أمني بوجود "قنبلة موقوتة" في مرفأ بيروت.

هذه هي سيرة رحلة الأمونيوم، التي علقت في مرفأ بيروت، لأسباب غامضة، وبلا أيّ مسوّغ قانوني، إلى أن انفجرت مساء 4 آب 2020، بعد 7 سنوات من إبحار سفينة الموت، مع شحنة كان يفترض أن تحطّ في أفريقيا، لكنّها تفجّرت دفعةً واحدةً في بيروت.

قبطان السفينة الذي قادها إلى مرفأ بيروت، بوريس بروكوشيف، تحدث لموقع "سيبر ريِالي" الروسي، فقال إنّ مالك السفينة الروسي إيغور غريتشوشكين تخلّى عن السفينة حين وصلت إلى بيروت. وكشف القبطان أنّ المالك قبض مليون دولار ثمن نقل الشحنة "ولو باع السفينة لحصل على 350 ألفاً لكنّه فضل الحصول على المليون". وكشف أنّ المالك كان متوقفاً عن دفع رواتب العاملين. وأوضح أنّه وصل إلى مرفأ بيروت لتحميل مزيد من البضائع "وكسب مزيد من المال بطلب من مالك السفينة، رغم أنّني رفضت لأنّها قديمة ولا تتحمّل". ويؤكّد أنّ سلطات لبنان أوقفت السفينة "بسبب عدم دفع رسوم ميناء بيروت" وليس لأنّ السفينة أصيبت بأعطال، كما تقول رواية إدارة الجمارك ووزارة النقل. وأعلن القبطان إنّه رفع دعوى ضدّ السلطات اللبنانية باعتبار أنه لا يحقّ لها احتجازه مع طاقمه، فأفرج عنهم.

تأكدت إسرائيل من أنّ حزب الله لن يردّ. فقد خرج الرؤساء الثلاثة والوزراء المعنيون، والقادة الأمنيون والإداريون، بتصريحات لم توجّه أيّ اتهام من أيّ نوع لإسرائيل أو لغيرها

الغريب في كلّ هذا المسار أنّ المالكين الأصليين للشحنة، "مفقودون"، ولم يطالبوا بها. فمن هو الموازمبيقي الذي يملك ترف أن "ينسى" مليون دولار، في مرفأ بيروت؟

مصدر في مرفأ بيروت قال لـ"أساس" التالي: حين ركّبت الكاميرات في كلّ العنابر، بالعام 2005، استثني العنبر رقم 12.

ثلاثة سيناريوهات نضعها برسم المعنيين، استناداً إلى مجموعة معطيات متوافرة أمام القرّاء، قد ترسم الاحتمالات الأكثر ترجيحاً، لفهم ما جرى في مرفأ بيروت مساء الثلاثاء 4 آب.

 

السيناريو الأوّل: أن تكون إسرائيل هي منفّذة الاعتداء على مرفأ بيروت. 

-       بدأت إسرائيل بقصف شحنات أسلحة متوجهة من سوريا إلى لبنان منذ أعوام، وتصاعدت حدّة الاستهداف وصولاً إلى قتل عنصر داخل الأراضي السورية، قبل شهر. وكان حزب الله يخطّط للردّ ثأراً له، بعدما فشلت محاولته الأولى في مزارع شبعا بتاريخ 27 تموز الفائت.  

-       توافرت لوسائل إعلام أجنبية معلومات عن أنّ حزب الله سيعاود المحاولة قبل صدور حكم المحكمة الدولية باغتيال الرئيس رفيق الحريري في 7 آب. فهل قرّرت إسرائيل استباق العملية بعملية أمنية استراتيجية، تنهي الحرب قبل وقوعها؟

-       تفجير مرفأ بيروت جنّب إسرائيل إحراجاً من عملية كهذه، إذا استهدفت أو قتلت أحد جنودها على حدود لبنان، في عملية ينفذها حزب الله. كما جنّبها حرباً قد لا تريدها، باعتبار أنّها تقصف كلّ الأهداف التي يحلو لها قصفها في سوريا وإيران والعراق دون أيّ كلفة. واليوم بدأت مسلسل ضربات في لبنان، دون إعلان، ودون أيّ كلفة، وقد يتكرّر، طالما أنّ الفاعل "مجهول".  

-       تأكدت إسرائيل من أنّ حزب الله لن يردّ. فقد خرج الرؤساء الثلاثة والوزراء المعنيون، والقادة الأمنيون والإداريون، بتصريحات لم توجّه أيّ اتهام من أيّ نوع لإسرائيل أو لغيرها. وأعلن مجلس الوزراء في اليوم التالي أنّه سيضع المسؤولين عما جرى في "إقامة جبرية". ما يحسم نيّة السلطة اللبنانية إلى توجيه الرأي العام نحو "إهمال" و"فساد".

-       حزب الله يعيش في "أكواريوم" لبنان الدافىء وله منه 3 منافذ: الحدود البريّة التي قطعها، أو يكاد، قانون "قيصر". ومرفأ بيروت البحري، الذي هو مرفأ حزب الله ومرفأ النظام السوري على البحر الأبيض المتوسّط، تسيطر عليه وتحكم قبضتها عليه كما يعرف العالم كلّه. وقد خرج اليوم من الخدمة بالتفجير الهائل الذي أصابه. ومطار بيروت، الذي يقع في قلب منطقته الأمنية الخاصّة، والذي قد يكون "التالي" على لائحة الأهداف أو العقوبات الأميركية، أو كليهما. الإنذار الأوّل كان مضايقة طائرة عسكرية أميركية لطائرة مدنية إيرانية وصلت إلى المطار بركّابها المنهكين جرّاء التحرّش الإيراني.

-       بالطبع يعرف جهاز أمن حزب الله بوجود هذه الأطنان. هو الذي يعرف بوجود "حاويات أمونيوم" في حيفا، كان هدّد الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بأنّه قادر على تفجيرها، وأن يقتل عشرات الآلاف في مدينة يسكنها 800 ألفاً، وقال إنّها "تعادل قنبلة نووية صغيرة". فكيف لا يعرف بأمونيوم مرفأ بيروت وخطورته؟ وهل يحقّ هنا السؤال عما إذا كان هناك منافع كبيرة تستدعي تحمّل المخاطر الكبيرة؟

-       مخبرو إسرائيل وعشرات أجهزة الاستخبارات لا بدّ أنّها تعرف بوجود عنبر مليء بالأمونيوم في المرفأ، واستهدافه ممكن من خلال طائرة "درون" أو بصاروخ من جهة البحر، أو حتّى بتفجير عبوة ناسفة صغيرة يمكن لأيّ عميل أن يزرعها وأن يبتعد عنها. وبالتالي فإنّ التنفيذ، على المستوى اللوجيستي، ليس صعباً.

-       جهة عربية كبرى طرحت السؤال على 3 جهات: الولايات المتحدة، وإسرائيل، وحزب الله، وعبر قنوات معتمدة، وكان الجواب واحداً: لا علاقة لنا بما جرى.

لا يمكن أن يفجّر حزب الله مرفأه الوحيد، ونافذته على العالم، وموطىء قدم إيران في مياه البحر الأبيض المتوسط الدافئة

-       لماذا أنكرت إسرائيل؟ وفق هذا السيناريو، فإنّ الإنكار الإسرائيلي له أسباب عديدة، أقواها أنّ إسرائيل لا يمكن أن تعترف بعمل عسكري أودى بحياة مدنيين، وقد يكون "مجزرة القرن"، إذا تبيّن أنّ من قام به دولة، وقد يعرّضها إلى محاكمة دولية على غرار محاكمة مجرمي الحرب حول العالم.

-       الإبقاء على سريّة الاستهداف من قبل إسرائيل يعفي حزب الله من إحراج الردّ، ويُحافظ على سياسة تلقّي الضربات مع التعتيم عليها، كما في إيران كذلك في سوريا، واليوم وصولاً إلى لبنان. باعتبار أنّ محور إيران منهك وغير قادر على خوض حرب، إلا إذا اضطرّ إليها تحت ضغط جمهوره.

-       بعض المحللين الإسرائيليين، كتبوا نقلاً عن "مصادر شديدة الإطّلاع"، أنّ إسرائيل هي التي قصفت مرفأ بيروت. من بينهم الكاتب ريتشارد سيلفرستاين (richardsilverstein.com) على المدوّنة التي تحمل اسمه. وهو كان كاتباً دورياً في "الغارديان" البريطانية، ومتخصّصاً في شؤون "الصراع العربي الإسرائيلي"، كما يعرفّ عن نفسه. وقد كتب هذه المعلومة بعد ساعات قليلة من التفجير ولم يمحِها حتى اللحظة. وقال إنّ الهدف كان "مخزن أسلحة لحزب الله".

-       في حين قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنّه لا يستبعد فرضية "الهجوم"، بعد ساعات من التفجير، ثم عاد وزير دفاعه في اليوم التالي ليؤكّد أنّه "حادث". في تناقض غير مفهوم.

إقرأ أيضاً: الآثار الاستراتيجية لانفجار بيروت: تغيير جذري في قواعد الاشتباك

السيناريو الثاني: أن يكون حزب الله هو منفّذ الاعتداء وهذا أقرب إلى الاستحالة.

-       لا يمكن أن يفجّر حزب الله مرفأه الوحيد، ونافذته على العالم، وموطىء قدم إيران في مياه البحر الأبيض المتوسط الدافئة، البعيدة عن أيّ رقابة من أيّ نوع كانت، روسية (طرطوس واللاذقية) أو أميركية أو أممية.

-       حزب الله لن يدمّر نصف بيروت من أجل إشاحة الأنظار عن حكم المحكمة الدولية. هذه المحكمة بالنسبة له باتت "فارغة" المضمون سياسياً، ويمكن أن يعطّل صاعقها السياسي بعملية محدودة في جنوب لبنان تعيد الاعتبار إلى سلاحه. فضلاً عن أنّه لا بدّ قد تلقّى "تطمينات" من الجهات السياسية المعنية بحكم المحكمة.

-       يمكن لحزب الله أن يعطّل الصاعق الاجتماعي للمحكمة الدولية بفرض حظر التجوّل، الذي كانت قد أعلنته حكومة حسّان دياب قبل التفجير، يبدأ من صباح الخميس 6 آب، وينتهي صباح الثلاثاء 12 آب، ويفرض حظر التجوّل بالقوّة العسكرية.

-       هذه الأطنان يمكن لحزب الله أن يستخدمها، أو بعضها على الأقلّ، في صناعات عسكرية، من دون رقابة ومن دون الحاجة إلى استقدام ما يماثلها من إيران عبر سوريا، التي باتت تحكمها قواعد اشتباك جديدة، قبل قانون "قيصر" وبعده.

ملابسات مصادرة هذه الشحنة في مرفأ بيروت قبل 6 أعوام لا تبدو منطقية. فهل لبنان "شرطة دولية" أو دولة عظمى

-       كان أهون على حزب الله أن يخوض حرباً تنتهي بـ5 آلاف جريح لبناني ومئات القتلى، من أن يطعن نفسه و"الأكواريوم" الدافىء حيث يعيش. وكان أسهل له أن يتلقّى لبنان هذه الخسائر، في عهد حكومة حسّان دياب التي شكّلها، وهو يقاتل إسرائيل، من أن ينهزم في بيروت، دون طلقة واحدة من العدوّ.

-       مقالة الزميل ابراهيم الأمين في جريدة "الأخبار" اليوم، التي تركّز على تأجيل النطق بحكم المحكمة الدولية، والعدد "المعنوي" عن تفجير المرفأ، ربما يؤشر إلى رغبة لدى حزب الله بطيّ صفحة التفجير، وعدم توظيفه في السياسة. وأخيراً وليس آخراً تأجيل كلمة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله.  

 

السيناريو الثالث: أن يكون الفساد الإداري هو السبب، وهذا مستبعد: 

-       حزب الله هو حزب أمني، وعقله أمني، وقيادته أمنية أوّلاً، ثم سياسية. والإبقاء على 2750 طنّ من الأمونيوم في المرفأ الذي يسيطر عليه، يستبعد أن يكون سببه "الإهمال"، بل أقرب إلى المنطق أن يكون مقصوداً.

-       ملابسات مصادرة هذه الشحنة في مرفأ بيروت قبل 6 أعوام لا تبدو منطقية. فهل لبنان "شرطة دولية" أو دولة عظمى، كي تصادر كمية متفجّرة كهذه، أيّاً كان السبب، وتتركها كلّ هذه المدّة، بين الأحياء السكنية؟ وهذا يحتاج إلى نفوذ كبير في الأمن والقضاء والإدارة، لإبقائها "مصادرة" ومنع ترحيلها كلّ هذه المدّة.

-       هذه الأطنان الـ2750، لا نعرف إذا كان قد انفجر منها 2750 أو 2500 أو 2250 أو 2000 أو أقلّ. هل كانت كاملة أو كانت ناقصة؟ هل استعمل بعضها في التصدير إلى دول أخرى؟ أو في صناعات عسكرية بين لبنان وسوريا وغيرها؟

-       على سبيل المثال: في تموز 2012، اعتقلت السلطات القبرصية عنصراً من حزب الله اسمه حسين عبدالله، بعد اكتشاف 8.2 طن من نيترات الأمونيوم داخل قبو منزله في لارنكا. وقبرص على مرمى حجر من مرفأ بيروت. وبالتالي فالحزب لديه تاريخ من التعامل مع هذه المادّة.

-       وكان قرار ألمانيا حظر نشاطات حزب الله وتصنيفه تنظيماً إرهابياً سببه اكتشاف مخازن تابعة له تضمّ مادة نيترات الأمونيوم.

-       رئيس مجلس إدارة ومدير عام مرفأ بيروت حسن قريطم قال لـ"سكاي نيوز عربية" أمس: "الجمارك والأمن العام أرسلوا خطابات لإزالة المواد الخطرة من المرفأ، لكنهم لم يتلقّوا ردّاً على مدار 6 سنوات... والإدارة تلقت تعليمات من القضاء مؤخراً وبعد كلّ هذه السنوات، تقضي بإقفال فجوة في بوابة العنبر لحماية محتوياته من التلف والسرقة، وهذا بالتحديد ما أقدمت عليه".

-       المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم قال ليلة الانفجار: "2700 طناً من مادة الأمونيوم هي التي انفجرت وكانت في طريقها إلى أفريقيا كانت مخزّنة منذ سنوات في المرفأ، وكانت قد صدرت تقارير أمنية تتحدث عن خطر هذه المواد الكيماوية ولكن لم يتحرّك أحد".

-       المدير العام للجمارك بدري ضاهر: وجّهنا 6 كتب إلى القضاء سابقاً بأن المواد الموجودة في المرفأ تشكّل خطراً على المرفأ وعلى الجميع، وطلبتُ إعادة تصدير هذه المواد إلا أنّ هذا الأمر لم يحصل. 

من الصعب على أيّ تحقيق محلي أن يصل إلى نتيجة وأن يحاسب هذه الوزارات ومعها حزب الله

-       مديرية أمن الدولة: أوّل تقرير أصدرناه حول المواد المتفجرة في مرفأ بيروت كان بتاريخ 10 كانون الأوّل 2019، ورفعناه إلى رئيس الجمهورية وإلى الحكومة المستقيلة. ثمّ صدر التقرير الثاني في 4 حزيران 2020، وسلمناه إلى رئيس الجمهورية وإلى رئيس الحكومة حسان دياب، والتقرير الثالث في 20 تموز الماضي، ورفعناه مجدداً إلى الرئيس ميشال عون ودياب"، ولم يتحرّك أحد.

-       ما هذه الصدفة؟ ما هذه القوّة التي تمنع أحداً من التحرّك رغم أنّ مدير عام المرفأ ومدير عام الجمارك وجهازين أمنيين (أمن الدولة والأمن العام) يطلبون التحرّك، ولا أحد يردّ عليهم. من أين لهذه الشحنة المصادرة قوّة "الصمود" مكانها.

-       جهات عسكرية متخصّصة أكّدت أنّ الأمونيوم ليس مادّة سريعة الاشتعال، بل هو يحتاج إلى طاقة كبيرة ليشتعل، أكبر من حريق.

-       نقلت LBCI ليل أمس الأوّل المعلومات التالية: "منذ فترة وأثناء الكشف على العنبر تبيّن أنّه يحتاج إلى صيانة وقفل للباب الذي كان مخلوعاً إضافة إلى فجوة في الحائط الجنوبي للعنبر يمكن من خلالها الدخول والخروج بسهولة وطلب من إدارة مرفأ بيروت تأمين حراسة للعنبر وتعيين رئيس مستودع للعنبر وصيانة كامل أبوابه ومعالجة الفجوة الموجودة في حائطه".

-       وإذا صحّت الصورة التي نشرها الزميل قبيسي وفيها ثلاثة رجال يعملون على "تلحيم" في أحد جوانب العنبر رقم 12، فهل شرارة من آلة "التلحيم" قادرة على أحداث حريق كبير كهذا؟ وهل تمّت الاستعانة بشركة خاصّة للتلحيم، موظفوها مدرّبون على التعامل مع التلحيم قرب مواد قابلة للانفجار؟

-       يبقى أنّ تقاذف المسؤولين للمسؤولية عن إبقاء كلّ هذه المواد المتفجّرة في مرفأ بيروت منذ العام 2014، يشير بوضوح إلى تخبّط إداري وأمني وسياسي، قد يكشف باستنتاج بسيط، أنّ هناك جهة أعلى من كلّ هذه الجهات، كانت تحرص على أن "يبقى الوضع على ما هو عليه"، دون "ترحيل" هذه الاطنان، ودون إتلافها أو بيعها.

-       نقلت "رويترز" عن أستاذ الكيمياء غير العضوية في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس أندريا سيلا، أنّ "فكرة أن مثل هذه الكمية كانت متروكة دون مراقبة لمدة ستّ سنوات يصعب تصديقها، كانت عبارة عن قنبلة موقوتة".

-       ولرويترز أيضاً قال المدير العام لشركة "الفورد تكنولوجيز" رونالد الفورد، وهي شركة بريطانية متخصصة في التخلص من المواد المتفجرة: "هذا الانفجار يُصنّف بأنّه أقلّ من قنبلة نووية، وأقوى من قنبلة تقليدية. ربما يكون هذا من بين أكبر الانفجارات غير النووية على مر التاريخ".

-       نشرت جريدة "الأخبار"، بتوقيع "التقني والمدرب الدولي في مجال التخلّص من الألغام والذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب" حسن سليمان، أمس، أنّ "الدخان الأبيض المتصاعد من الحريق والانفجار الأول هو نتيجة اشتعال مواد منخفضة الانفجار (بارود، حشوات دافعة للصواريخ والقذائف ومظاريف الذخائر الصغيرة، أو حتى مواد أخرى قد تدخل في تصنيع الألعاب النارية) والتي تحترق بسرعة كبيرة ولا تنفجر إلّا في حال كانت محصورة بما لا يسمح بهروب الغازات المتصاعدة، وهو ما رأيناه واضحاً في الفيديوات التي تم تصويرها من مسافات قريبة أو من خلال تقريب الصورة (زوم)".

 

الخلاصة: لن نعرف ما جرى إلا من خلال تحقيق دولي، للأسباب التالية:

 هناك على الأقلّ 6 جهات لبنانية رسمية معنية بما جرى:

1 – مخابرات الجيش اللبناني، وبالتالي قيادة الجيش ووزارة الدفاع.

2 – الأمن العام، وبالتالي وزارة الداخلية.

3 – إدارة مرفأ بيروت، وبالتالي وزارة الأشغال العام والنقل.

4 – القضاء، وبالتالي وزارة العدل.

5 – إدارة الجمارك، وبالتالي وزارة المال.

6 – حزب الله، باعتباره الجهة المتهمة بالسيطرة على المرفأ وعلى القرار السياسي.

قبل الإعادة الثالثة لكتابة هذا الموضوع، طوال يومين، صدر قرار بتجميد حسابات ورفع السرية المصرفية عن عدد من الإداريين في مرفأ بيروت وفي الجمارك، في ما يبدو أنّه محاولة لتهدئة الرأي العام، أكثر مما هو نتيجة جديّة لتحقيق غير نهائي. إذ ما الرابط بين "فساد" الجمارك وبين تدمير مرفأ بيروت. وحتّى يصل هذا المقال إلى يدي القارىء، ربما تكون قد ظهرت معلومات جديدة أو تعليمات جديدة.

بأيّة حال.. من الصعب على أيّ تحقيق محلي أن يصل إلى نتيجة وأن يحاسب هذه الوزارات ومعها حزب الله، وأن يحاسب هذه الجهات بشكل عميق... وبالتالي فإنّ لبنان يحتاج إلى تحقيق دولي مستقلّ، لنعرف من المسؤول ومن المتورّط في دماء اللبنانيين وفي تدمير بيروت.

لكنّ الأكثر ترجيحاً، أنّها عملية إسرائيلية أمنية، ربما لن يكشف النقاب عن أسرارها قبل ثلاثين عاماً كما هي عادة "الموساد". سنعرف إذاً في العام 2050. وحّتى ذلك الحين: إنّها إسرائيل.