لبنان مصنعاً للتفاهة السياسية
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

لبنان مصنعاً للتفاهة السياسية

نديم قطيش - الإثنين 03 آب 2020

يدور الخبر السياسي اللبناني حول التفاهة. يتنافس المسؤولون والسياسيون في لعبة التتفيه. تتفيه كلّ شيء. الارقام تافهة. الأفكار تافهة. المعارك تافهة. الأحلام تافهة. الحلول تافهة. بعضهم ينافس نفسه في جعل السياسة لعبة انحدار بلا قعر.

رئيس الجمهورية يحكي عن إنجازات كثيرة وكبيرة طوال ثلاث سنوات، لكن ثمّة من يريد حجبها. ثم يتحدّث عمّن يجولون العالم للتحريض على عدم مساعدة لبنان. لا يحدّد الإنجازات ولا يسمّي من يحجبها أو يقول لنا كيف. ولا يكشف لنا هوية المتآمرين في أروقة عواصم العالم. لا يهمّ أنّ وزير خارجية الأم الحنون التي على يديها ولد لبنان، وعشية عيد ميلاده المئة، قال في تعثّرنا ما لم يقله مالك في الخمر. المؤامرة بحسب جان إيف لودريان والتي وضعت لبنان "على حافة الهاوية" هي "المماطلة في تنفيذ الإصلاحات والإقدام على أفعال ملموسة" و"عدم استجابة سلطات هذا البلد" التي قال الوزير الفرنسي إنها أذهلته!

إقرأ أيضاً: قبل السحسوح... وبعده

ومثل لودريان، غرّد المنسق الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش عبر حسابه على "تويتر"، أنّ "أغلب الناس في لبنان وخارجه يعتقدون أنّ المؤامرة الحقيقية التي تواجه البلد هي عدم رغبة الطبقة السياسية والمالية في تطبيق مجموعة من الإصلاحات الملحة والشاملة رغم أنّ هذا هو السبيل الوحيد الكفيل بإطلاق مساعدات تدريجياً من الخارج". وسأل: "ترى ما المطلوب لتغيير هذه الذهنية بعد كلّ هذا الانهيار والبؤس؟".

لكن لرئيس الجمهورية رأي آخر في المؤامرة والمتآمرين.

أما رئيس الحكومة، فيمتلك ميلاً صارماً للدقة. يحدّد الإنجازات بنسبة كيميائية فظيعة:97 % إنجازات. لا يستوقفه انهيار الليرة. لا يثنيه جنون الأسعار. لا يرفّ له جفن أمام التآكل المرعب للطبقة الوسطى اللبنانية التي لن تتاح الظروف على الأرجح لإعادة تكوينها. كلّ هذه التفاصيل، جزء من المؤامرة على نجاحات العهد وحكومته أو نتاج جهل من قبل وزير خارجية فرنسا، الذي طاله ما طاله من خطاب حسان دياب "الأنتي كولونيالي"!!

في ذروة أقسى الأزمات التي يواجهها لبنان، لا تنتج السياسة سوى التفاهة، والمزيد من التفاهة

 

فظيع هذا الرجل!! قدرة مخيفة على العيش في عالم افتراضي. قبل أشهر هاجم حسان دياب ديبلوماسيين اتهمهم بالتدخل في الشؤون اللبنانية، وقيل إنه كان يقصد سفيري السعودية وأميركا.

أحد ضيوفه، سرّب عنه كلاماً قاسياً بحق السفيرة الأميركية، ما اضطره للنفي والتوضيح. ثم جاء دور وزير الخارجية الفرنسي الذي اتهمه دياب بالجهل وقلة التحضير لزيارته إلى لبنان وضعف اطلاعه على إنجازات العهد الميمون!

لا أحد يملأ عينيه. لا أميركا ولا أوروبا ولا الخليج، حتى تخاله واحداً من أساطين الثورة البوليفارية المجيدة!

من بقي في العالم ليراهن عليه دياب؟

في ذروة أقسى الأزمات التي يواجهها لبنان، لا تنتج السياسة سوى التفاهة، والمزيد من التفاهة.

مسكين هذا البلد.

لطالما توازت الأزمات اللبنانية مع أزمات كبرى في المنطقة، وتماشى الحلّ الداخلي فيه مع إيقاع الحلول في الخارج. عام 1958 أنتجت اللحظة الناصرية في واحدة من لحظات تألقها تسوية في لبنان أطفأت نيران أزمة ذاك العامّ وجلبت إلى سدة الرئاسة اللواء فؤاد شهاب! نهاية الحرب الأهلية، تقاطعت مع ولادة شرق أوسط جديد من رحم حرب الخليج الثانية بعد احتلال صدام حسين للكويت. أما اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، بعد مناوشات العام 1981 بين إسرائيل ومنظمة التحرير، فكاد أن ينتج لحظة توازن جديدة في لبنان والمنطقة كواحد من إفرازات معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الموقّعة في واشنطن في 26 آذار 1979 (اتفاقية كامب دايفيد وقعت قبلها في أيلول 1978).

كلّ اعتقاد أنّ ثمّة من سيهرع لنجدة لبنان ليس سوى أضغاث أحلام، تختصرها صرخة لودريان: "ساعدونا كي نساعدكم"

للمرة الأولى وفي عزّ أزمة غير مسبوقة في انهياراتها المتسارعة والمتتالية يجد لبنان نفسه يسير وفق ساعة "انهيارية" أسرع بكثير من ساعات التسوية أو الحسم في المنطقة. ثلاثة أشهر تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية الأميركية، وعشرة أشهر عن الانتخابات الرئاسية الإيرانية، و11 شهراً عن الانتخابات الرئاسية السورية وما ستفرزه من رسم لحجم وحدود الأدوار والمواقع في هذا البلد المحتل من خمس دول!

كلّ ذلك يعني أنّ ساعة التسويات أو الحسم تسير ببطء شديد. وأنّ ساعة الانهيار اللبناني تسير بسرعات كبيرة. وكلّ اعتقاد أنّ ثمّة من سيهرع لنجدة لبنان ليس سوى أضغاث أحلام، تختصرها صرخة لودريان: "ساعدونا كي نساعدكم"!

إنّ جلّ ما يملكه اللبنانيون هو التفرّج على بلدهم يتحوّل إلى مصنع للتفاهة وانعدام المخيلة وقلة المسؤولية..