استشاريون أجانب يتفاوضون نيابة عن اللبنانيين في باريس
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

استشاريون أجانب يتفاوضون نيابة عن اللبنانيين في باريس

علي نور - السبت 01 آب 2020

صار معلوماً أنّ المفاوضات الأخيرة في بيروت بين ممثّلي الحكومة ووزارة الماليّة وشركة "لازارد" من جهة، وبين جمعيّة المصارف من جهة أخرى، قد تعثّرت. وثمّة هوّة كبيرة بين الطرفين في كلّ ما يتعلّق بخطّة المعالجة: من طريقة احتساب الخسائر وصولاً إلى المقاربات التي ستُعتمد لتوزيعها بين الأطراف المختلفة.

إقرأ أيضاً: المفاوضات مع المصارف تتأزّم وبقاء "لازارد" على المحك

لكن بعيداً عن كلّ هذه الاختلافات، يبدو أنّ أبرز ما عرقل مسار الجلسات بين هذه الأطراف، كان تحفّظ جمعيّة المصارف على إطار هذه المفاوضات وشكلها، بمعزل عن مضمونها. فبالنسبة إلى الجمعيّة، لم يكن من المنطقي أن يحضر ممثّلون عن شركة استشارات ماليّة أجنبيّة جلسات تفاوض محليّة بين المصارف والحكومة، إذ بدا هذا الأمر بالنسبة للمصارف نوعاً من الاستقواء عليها بخبراء ماليين دوليين، في حين أنّ الجمعيّة نفسها تملك شركة استشاريّة ماليّة دوليّة ما زالت خارج صورة المفاوضات حتّى اللحظة. ولهذه الأسباب، طلبت جمعيّة المصارف فصل مسار التعامل مع "لازارد" عن مفاوضاتها مع الحكومة، وكلّفت شركة GSA التي تتولّى مهمّة تقديم الاستشارات الماليّة لجمعيّة المصارف التنسيق مع خبراء "لازارد" لاستكمال التفاوض معهم في باريس.

جمعيّة المصارف فصل مسار التعامل مع "لازارد" عن مفاوضاتها مع الحكومة، وكلّفت شركة GSA التي تتولّى مهمّة تقديم الاستشارات الماليّة لجمعيّة المصارف التنسيق مع خبراء "لازارد" لاستكمال التفاوض معهم في باريس

ولذلك، وبعد أن غادر ممثّلو شركة "لازارد" العاصمة اللبنانيّة، من المفترض أن تحمل الأيام المقبلة تطوّرات شديدة الأهميّة بالنسبة إلى مسار تعديل خطّة الحكومة، وتحديداً من ناحية نتائج المفاوضات التي تحصل الآن بين الشركتين الاستشاريتين في العاصمة الفرنسيّة. وعمليّاً، من المفترض أن تتناول هذه المفاوضات الجوانب التقنيّة الأكثر حساسيّة في ملف المعالجات الماليّة، وتحديداً تلك المتعلّقة بإمكانيّة الحسم من قيمة سندات الدين المحليّة الصادرة بالليرة اللبنانيّة، وآليّة تخصيص بعض أصول الدولة للتعامل مع الخسائر، وطريقة التعامل مع شريحة الودائع الأكبر في النظام المصرفي اللبناني. وعليه، ستحاول الشركة الاستشاريّة الخاصّة بجمعيّة المصارف إقناع شركة "لازارد" بإدخال تعديلات بالأرقام المتعلّقة بهذه الجوانب في خطّتها، بعد أن فشلت في ذلك جمعيّة المصارف في بيروت.  

من المبكر الجزم بنتيجة المفاوضات هذه، لكنّ أوساطاً مقرّبة من جمعيّة المصارف تؤكّد لـ"أساس" أنّ الجمعيّة باتت تنظر إلى دور شركة "لازارد" بسلبيّة شديدة، لأنها تحمّلها أساساً مسؤوليّة ما تعتبره الجمعيّة عمليّة توريط للحكومة في أرقام ومقاربات الخطّة السابقة. وما فاقم من نقمة الجمعيّة على "لازارد"، إصرار الشركة في الاجتماعات الأخيرة على مقارباتها، ورفضها المبادرة إلى إدخال تعديلات يمكن أن تمسّ جوهر الخطة. ولهذه الأسباب، يمكن القول إنّ جمعيّة المصارف تراهن على المحادثات التي ستجري في باريس كمحاولة أخيرة للتفاهم مع "لازارد"، قبل أن تصل الجمعيّة إلى مرحلة اليأس من إمكانيّة التوصّل إلى أرضيّة مشتركة مع الشركة الاستشارية.

في المقابل، ما زالت الحكومة تصرّ حتّى اللحظة على محاولة التوصّل إلى تعديل الخطّة السابقة من خلال شركة "لازارد" نفسها. ولعلّ التمسّك بوجود الشركة وإشرافها بنفسها على تعديل الخطة ينطلق من الخوف من تداعيات انسحاب الشركة من الملف اللبناني بعد إسقاط مقاربات الخطّة السابقة، وخصوصاً من ناحية الانطباعات التي يمكن أن يتركها هذا الأمر لدى صندوق النقد الدولي وحَمَلَة سندات اليوروبوند الأجانب الذين ستتجه الحكومة إلى التفاوض معهم. فمن الناحية العمليّة، يُعتبر إشراف الشركة الاستشاريّة على عمليّة إعداد أيّ خطّة تُقدّم إلى هذه الأطراف مؤشّراً على مصداقيّة هذه الخطّة، خصوصاً أنّ الشركة تمتلك في سجلّها خبرة طويلة من العمل مع الدول التي مرّت بأزمات مشابهة. أما انسحاب الشركة، بعد إسقاط مقاربات خطّتها، واللجوء إلى تقديم خطّة حكوميّة معدّلة لا تحمل توقيع شركة استشاريّة مرموقة، فسيعني العكس تماماً.

لكنّ وبالرغم من كلّ هذه الأسباب، من الأكيد أنّ قدرة الحكومة على تحمّل بقاء "لازارد" في ملفّ المعالجات الماليّة لن يستمر طويلاً، خصوصاً أنّ كثيراً من الأطراف السياسيّة الوازنة باتت تعبّر عن انزعاجها من الدور الذي تؤدّيه الشركة على الساحة اللبنانيّة، وهو ما يؤشّر إلى إمكانيّة العمل على إقصائها بشكل تام، تماماً كما جرى العمل على إسقاط مقارباتها في المجلس النيابي. فتصريحات النائب ياسين جابر الأخيرة كانت واضحة في التعبير عن امتعاض من فيتو الشركة بوجه الكثير من التعديلات على الخطّة الحكوميّة، كما وصل جابر إلى حدّ الحديث عن توجّه لجنة المال والموازنة إلى المطالبة بالكشف عن طبيعة العقد الذي يربط لبنان بشركة "لازارد"، في تشكيك واضح بدورها وصلاحياتها.

أمام صراع مصالح كلاسيكي. فثمّة مصارف تحاول اليوم المناورة لتخفيض القدر الذي ستتحمّله من الخسائر إلى أقصى حدّ، وهناك حكومة لا يبدو أنّها تنطلق من أيّ ثوابت أو مبادىء عامّة في معالجاتها

جمعيّة المصارف بدورها باتت تدرك حجم الدعم السياسي الذي يمكن أن تحصل عليه في مواجهة "لازارد" وإصرارها على مقارباتها، ومن بوابة المجلس النيابي تحديداً. فبحسب بعض المتابعين لجلسات التفاوض الأخيرة، حاول رئيس الحكومة في إحدى الجلسات الإيحاء بوجود إجماع سياسي يدعم بعض المقاربات المتعلّقة بأصول الدولة التي أبدت جمعيّة المصارف اعتراضها عليها، في محاولة للضغط على الجمعيّة. لكنّ ممثّلي الجمعيّة ردّوا على دياب بالإشارة إلى وجود موقف من المجلس النيابي لم يصدر بعد بخصوص هذه المواضيع، وهو ما بدا إشارةً واضحة من الجمعيّة إلى وجود مواقف مرتقبة داعمة لها بخصوص هذه الملفات.

في كلّ الحالات، بتنا أمام صراع مصالح كلاسيكي. فثمّة مصارف تحاول اليوم المناورة لتخفيض القدر الذي ستتحمّله من الخسائر إلى أقصى حدّ، وهناك حكومة لا يبدو أنّها تنطلق من أيّ ثوابت أو مبادىء عامّة في معالجاتها، بل تحاول التوفيق بين وجود "لازارد" ودورها من جهة، وبين ضرورة الامتثال لضغط المجلس النيابي الذي قضى بتعديل الخطّة السابقة من جهة أخرى. وبين كلّ هذه الأولويات المتناقضة، كانت النتيجة إحالة ملف المعالجات للتفاوض بين الاستشاريين في باريس، ليعالج الأمر الاستشاريون المعنيون بالدفاع عن مصالح الأطراف التي تقف وراءهم.