هكذا عشنا.. وهكذا يجب أن نعيش
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

هكذا عشنا.. وهكذا يجب أن نعيش

زياد عيتاني - الأحد 26 تموز 2020

..مخطئ من يظنّ أننا ما زلنا نعيش حياة طبيعية، نستيقظ كلّ صباح لنبدأ برنامجنا كما اعتدنا أن نعيش. وأنّ كلّ الأمور في المنزل، وفي العمل، ومع الأصدقاء، والخصوم، والجيران، تسير كما كانت تسير. لا ظروف استثنائية نمرّ بها، ولا وجود لأزمة عيش وتقلّصاً بالوظائف ومعارك نخوضها كلّ يوم للحصول على الرغيف.

إقرأ أيضاً: أغثنا يا حسين.. جنى العمر في خطر

.. مخطئ من يعتقد، أنّ وجبات اللحم ستبقى على موائدنا عندما نريد، وأنّ رائحة الشواء ستملأ حديقة المنزل أو شرفته في يوم العطلة وصبيحة العيد. وأنّ الدجاج من كثرة تناوله سنقول متأفّفين، "مللنا الدجاج نريد شيئاً جديداً". والسمك نتأمّله ونتبصّره كي نختار بين المشويّ والمقليّ فيما هو لن يتوفّر إلا إن حملنا الصنّارة واصطدناه بأيدينا عند الشاطئ الجميل. وأنّ الحلوى والفاكهة بأنواعها سنقف حائرين أمامها ويدنا على خدّنا متسائلين من أين نبدأ، وكيف ننهي التحلية بعد هذه التخمة، وكلّ الضجيج.

علينا جميعاً أن ندرك أننا لسنا في أيام اعتيادية ولا طبيعية، بل هي أيام استثنائية صعبة مؤلمة، تلك التي اليوم نعيش. علينا جميعاً أن نرجع خطوة وخطوتين وثلاث إلى الوراء في نمط معيشتنا، في عاداتنا وفي سلوكنا ومباشرتنا لتفاصيلنا اليومية كي نتمكّن من استكمال المشوار والمسير.

علينا أن نعلم أنّ طعامنا سيتغيّر مذاقه، وعدد الصحون على طاولات الطعام ستتقلّص كمّاً ونوعاً، وسيكثر فيها المسلوق والمُتبّل من الحشيش. وأنّ لباسنا سيتبدّل ملمسه وألوانه، وستغيب عنه أسماء الماركات الدولية والكثير الكثير من "التفنيص". أمّا سيارتنا، فسنرقّع حديدها عندما يحين موعد الترقيع.

علينا أن نعتاد أنّ عبق عطرنا (Parfum) سيتغيّر، وسنعود إلى تلك الزجاجة الكبيرة "عماطوري" التي كان الأجداد يملؤون يدهم بها ثمّ يرمون ماءها على ذاك الذقن الحنون الجميل. وطقوس زينتنا ستتغيّر أيضاً، ولقاءاتنا العائلية ستتغيّر، لماذا المطاعم والمقاهي، فالجلسة على شرفة الأهل أغنى من كلّ الأمكنة حيث كلّ الحبّ والحنان الذي نتكئ عليه حين نتعب كي نستريح.

مخطئ من يعتقد أنه يستطيع من منزله بعد اليوم، أن يحرّك ثلاث سيارات، وأن يملأ خزّاناتها بالوقود يومياً

.. مخطئ من يعتقد أنه يستطيع من منزله بعد اليوم، أن يحرّك ثلاث سيارات، وأن يملأ خزّاناتها بالوقود يومياً، واحدة له، وأخرى لابنه، وثالثة لابنته. قائلاً: "دعهم يتمتعون بالحياة طالباً من زوجته "التطنيش". وأنه قادر على استكمال نمط حياته برحلات سياحية في الصيف أو في أوائل الربيع، فلا القاهرة، ولا عمّان ولا تازا، ولا شرم الشيخ تنتظره، ولا إسطنبول ستسمح له فيها أن ينتعش ويسوح ويرقص ويغني ويلتقط الصور التذكارية كي يرسلها إلى الأحبة، إن كانوا كُثراً، أو إلى مجهول أو مجهولة لقبه "حبيب". ماذا تشكي حديقة الصنائع في بيروت أو ساحة المرج في بعلبك أو مقهى التل العليا في طرابلس أو تلال الدبيّة في أقليم الخروب، وملتقى النهرين في الشوف، ونادي الأمومة في زحلة، وكلّ الاحراج والحدائق حيث تستحق السياحة الداخلية أن نجرّبها وأن نتواضع قليلاً كي نوفّر قرشاً أبيض ليوم أسود، ما كنّا نحسب له حساباً أو أنه بات قريب.

علينا جميعاً أن ندرك أن ظروفاً استثنائية نعيشها، وأنها تحتاج منّا تنازلات قاسية وسنقول مؤلمة، ومراجعات وحسن ادارة لأمورنا وقضايا عوائلنا. فكلٌّ منّا مسؤول في موقعه، ربّ عملٍ أو منزل أو طالباً أو عاملاً أو فقيراً. كلّ منّا مسؤول في معاشه ومطلوب منه حُسن التدبير.

قادرون على كلّ ذلك. قادرون أن نعيش كما نريد. فالقناعة كنز لا يفنى. ونحن كما قيل ويُقال، بخصوص الكرامة والشعب العنيد.