لودريان يفرش غطاءً دولياً على مشروح الحياد
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

لودريان يفرش غطاءً دولياً على مشروح الحياد

خالد البوّاب - الجمعة 24 تموز 2020

الجديد الوحيد الذي يمكن البناء عليه في زيارة وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان إلى لبنان، هو الموقف الذي أبلغه إلى البطريرك الماروني بشارة الراعي في بكركي.
في الأساس شكلاً ومضموناً، وبمجرّد أن يتحدّد موعد للقاء بين لودريان والراعي، يعني أنّ فرنسا تؤيد موقف البطريرك في إعلان حياد لبنان، وهو الموقف الذي أثنى عليه لودريان وتشدّد بالتمسك به معتبراً أنّ لا سيادة بدون حياد. عدا عن هذا الموقف كل المواقف الفرنسية والمعطيات معروفة ومكررة، وجاء لودريان بنفسه ليكررها بهدف إضفاء المزيد من الجدّية عليها بأنه لم يعد أمام لبنان واللبنانيين أيّ فرصة.

إقرأ أيضاً: لودريان في بيروت: تغيير الحكومة... أو سلوكها

قال لودريان بفمه الملآن مكرّراً ما كان قد قاله في مجلس النواب الفرنسي، إنه حزين على الوضع في لبنان الذي يواجه الانهيار، وأنّ اللبنانيين لا يساعدون أنفسهم حتى يجدوا من يساعدهم. كرّرها بحزم وقسوة وأسى على مسامع المسؤولين، مؤكداً أنها فرصتهم الأخيرة لمعالجة المشاكل المعروفة وإلا سيكون لبنان في مواجهة الجحيم. وكأن لودريان في زيارته إلى الراعي وموقفه المؤيد لموقف الكنيسة المارونية، افتتح سلسلة تشكيل الغطاء الدولي لدعم مشروع الحياد اللبناني.

والحياد هنا، إذا ما عدنا إلى موقف الراعي، وفي مراجعته سابقاً لكلّ البيانات الوزارية منذ الاستقلال إلى اليوم، التي كانت تتضمّن جميعها مبدأ الحياد، يمثل رمزياً استعادة لمشهد لبنان "الفرنسي" الذي تواءمت في تشكيله روافد فرنسية، أنتجت ميثاق العام 1943، والذي لا بدّ من استعادته بالنسبة إلى الكنيسة المارونية، معطوفاً على السعي الفرنسي الحثيث لحماية النموذج من الانهيار، اقتصادياً، سياسياً، وتربوياً من خلال المؤسسات التي أعلن الوزير الفرنسي بشكل مباشر حرصه على دعمها وتأمين استمراريتها، تماماً كما ستفعل الولايات المتحدة الأميركية مع المؤسسات التابعة لها.

يأتي لودريان بلا أيّ مبادرة، إنما بصرخة مدوية أن المبادرات كلها في يد اللبنانيين، إن كانوا حريصين على ما تبقى لديهم من دولة وبلد

ذلك لا يمكن أن ينسحب دعماً سياسياً بدون تثبيت الحياد وإرسائه. وهو ما أعلنه لودريان بلسان فرنسا، ودول عديدة غيرها، أهمها الفاتيكان والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.
للفاتيكان موقف موجّه إلى المسيحيين بوجوب عدم الذهاب إلى حضن محور في مواجهة محور آخر. واشنطن تضغط في سبيل عدم ذوبان لبنان في المحور الإيراني وتذويب حدوده، لا بل غايتها ترسيم الحدود وضبطها. وبريطانيا لديها الهدف عينه وهي التي تستعد لتوسيع إطار أبراج مراقبتها على الحدود اللبنانية السورية، وفرنسا حريصة على النموذج والنظام مع تغيير جوهري في كلّ سياساته.

يأتي لودريان بلا أيّ مبادرة، إنما بصرخة مدوية أنّ المبادرات كلها في يد اللبنانيين، إن كانوا حريصين على ما تبقّى لديهم من دولة وبلد. وشروط الدولة السيادة على حدودها التي يفترض أن تكون مرسّمة وواضحة، والقدرة على ضبط المعابر مع الدول المجاورة، وانتهاج سياسة داخلية اقتصادية واجتماعية تحمي مواطنيها. هذه العناوين البديهية كانت ثابتة في مواقف لودريان، وكلها تقود إلى هدف واحد، وهو عدم الانغماس بسياسة المحاور، وتقديم حزب الله تنازلات كبيرة في سلاحه النوعي وترسيم الحدود وعدم التدخل في دول الجوار، خصوصاً سوريا واليمن. وعندها يمكن البناء في السياسة معه. وهذه رسالة أوصلها الوزير الفرنسي إلى حزب الله بشكل مباشر.

تزامنت زيارة لودريان مع أجواء تسرّبت من بيئة حزب الله حول استعداد الحزب للردّ على الضربة الإسرائيلية التي أدّت الى مقتل احد كوادره قبل أيام في سوريا. يعرف الحزب كيف يستثمر في تهديداته، والرسالة التي وصلت إلى مسامع الوزير الفرنسي، هدفها التأكيد على أنّ الحزب مستمرّ في الحفاظ على قواعد الاشتباك التي وضعها، وأنّ الضغوط لن تثنيه عن تنفيذ ضربة عسكرية ضد هدف إسرائيلي، يكون الفرنسي أول من علم بها وبدأ العمل على لجم تداعياتها قبل حصولها. لعلّ ذلك يشكل فرصة مناسبة للتفاوض الجدّي.