سقط بيفاني حين عاد باسيل للدولة المالية العميقة
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

سقط بيفاني حين عاد باسيل للدولة المالية العميقة

عبادة اللدن - الأربعاء 01 تموز 2020

دخلت الخطة المالية الحكومية في موت سريري بعد أن نفض عرّابها، التيار الوطني الحر، يده منها، ليعتمد مقاربة مختلفة ترضخ لوقائع الاقتصاد السياسي في الدولة المالية العميقة. أما استقالة المدير العام لوزارة المالية ألان بيفاني، فلم تكن إلا تحصيل حاصل.

تخلّى التيار العوني عن أساسيات محدّدة في النظرة إلى الأزمة الراهنة ومقاربات الخروج منها، كان يمثّلها كلٌّ من بيفاني ومستشار رئيس الجمهورية شربل قرداحي، وتجسّدت في الخطة الحكومية بكلّ مفاصلها ومرتكزاتها، وتحوّلت إلى مكان مقاربة وسطية اسمياً، لكنها في الواقع تتبنّى الأساس النظري لخطة المصارف.

إقرأ أيضاً: باسيل يفقد "عرّابه" الأميركي.. ولم يعثر على "عرّابه" اللبناني

الفارق بين المقاربتين أن الأولى تقطع مع الماضي، ولا تخفي نيتها هدم النظام المالي وإعادة بناته بلاعبين جدد، وبحجم مختلف. هي أشبه بتفليس شركة وإعادة هيكلتها بمساهمين جدد. وإن كان ثمّة شكّ في تلك النيات، فقد أكدها بيفاني بهجومه الحادّ على المصارف.

أما المقاربة الجديدة لدى العونيين، فتبدو أكثر ميلاً إلى الاستمرارية في النظام المالي، بحيث تطمح لعلاج الخسائر من دون تغيير هوية كبار اللاعبين فيه.

المقاربة الجديدة لدى العونيين، فتبدو أكثر ميلاً إلى الاستمرارية في النظام المالي، بحيث تطمح لعلاج الخسائر من دون تغيير هوية كبار اللاعبين فيه

هناك من يعزو التغيير الطارئ إلى نجاح لوبي المجموعة الليبرالية داخل التيار، من أمثال وزير الاقتصاد الأسبق رائد خوري والنائبين آلان عون وإبراهيم كنعان. لكن هناك ما هو أعمق: لقد رضخ التيار أخيرا لحقائق الاقتصاد السياسي، بعد أن تنبّه إلى أنّ عمقه المسيحي يشكّل الرحم الطبيعي للنظام المالي اللبناني منذ تأسيس الكيان، وضربه يعني ضرب ركيزة من ركائز الدولة المالية العميقة.

هؤلاء الذين هاجمهم بيفاني بوصفهم "حزب المصارف" ليسوا إلا تلك الدولة العميقة، وهي لا تزال مسيحية الطابع، مهما دخل في ناديها من بورجوازيات الطوائف الأخرى.

بهذا المعنى، كان هناك من يرى في رفيق الحريري استمراراً موضوعيا للمارونية السياسية – الاقتصادية، ببعدها الليبرالي، وبنظرتها إلى دور لبنان في محيطه وفي علاقته بالغرب، لاسيما فرنسا، وحتّى في علاقتها بدول الخليج التي كان الرعيل الأول من القادة الموارنة، هم من أسّس لها، وبمركزية القطاع المالي في الهوية الاقتصادية.

لم يغيّر رفيق الحريري شيئاً في النموذج الاقتصادي. أعاد وسط بيروت إلى دوره الاقتصادي، ولم يضِره أن يشكّل المسيحيون ثمانين في المئة من الحركة الاقتصادية فيه. وظلّت ركيزة الاقتصاد البنوك والسياحة والاستثمار والخدمات. وظلّ مركز الاقتصاد والأعمال في بيروت وجبل لبنان. وظلّت الأطراف على هامش الحياة الاقتصادية، بما فيها طرابلس وعكار على الرغم من كونهما خزاناً لشعبيته. وحتّى الإنفاق الحكومي السخي في الجنوب، لم ينحُ في اتجاه تغيير النموذج الاقتصادي، بل انصبّ على تعويضات مجلس الجنوب، ومشاريع الطرق والمدارس والآبار الني استفادت منها طبقة من أثرياء ما بعد الحرب.

في الخطاب الأخير لرئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في لقاء بعبدا الحواري، اكتمل تبنّي "العونية" لـ"الحريرية" الاقتصادية، بما هي امتداد للدولة المالية العميقة، بعد دورة كاملة من التقلّب والتنقّل بين التوجّهات، لكن مع فارق في الإمكانات والعلاقات الدولية والقدرة على التنفيذ.

لعلّ مشكلة العونية أنها ولدت مشروعاً عسكرياً – سياسياً لقائد جيش يريد القبض على قصر الحكم

لعلّ مشكلة العونية أنها ولدت مشروعاً عسكرياً – سياسياً لقائد جيش يريد القبض على قصر الحكم، ولم تكن على احتكاك بالدولة المالية العميقة حتّى استحواذها على شرعية التمثيل المسيحي في انتخابات العام 2005.

مع ذلك، حمل التيار العوني الليبرالية عنواناً نظرياً منذ عودته إلى المشهد السياسي الداخلي. لكنّه كان يتأرجح في الممارسة بين نزعات الانتقام من الحريرية (السياسية)، وتناقض التوجّهات لدى بعض ممثّليه في الحكم، على نحو ما ظهر من تباين بين راديكالية شربل نحاس، وكلاسيكية منصور بطيش، وليبرالية رائد خوري. لتأتي بعد ذلك الرؤى المضطربة وغير الناضجة لدى شربل قرداحي لتزيد من التخبّط في التوجّهات.

منذ اندلاع الأزمة الراهنة، لم يكن لدى عون وباسيل من الرؤية الاقتصادية سوى الحديث عن تركة ثقيلة، وسياسات السنوات الثلاثين الماضية في إشارة إلى الحريرية، وكليشيهات التحوّل من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج.

لكن بغضّ النظر عن المنحى السجالي الشعبوي، أدرك التيار، في العمق، أن ما تريده بيئته المسيحية هو عودة الاستقرار إلى سعر الصرف، وعدم ضرب القطاع المالي، وتصالح البلاد مع الغرب، وتحريك عجلة الاستثمار ومشاريع البنية التحتية. وتلك هي أعماق الحريرية.

حين يتحدّث باسيل عن إحياء مشروعي "لينور" و"إليسار"، وردم البحر، وإقامة المشاريع على الواجهات البحرية، فإنه لا يتحدّث سوى عن نسخ أخرى من "سوليدير". وحين يتحدّث عن مشاريع البنية التحتية من كهرباء، وسدود، وقطارات، ومطارات في القبيات وحالات ورياق، فإنّه لا يتحدّث سوى عن الفكرة الحريرية، القائمة أصلاً على تحديث البنية التحتية لدفع عجلة النموّ، وتلك هي ما يسميها الناقمون "سياسة الاستدانة"، أو "سياسات السنوات الثلاثين الماضية".

يمكن الذهاب أبعد في التصوّرات المالية العامة: ماذا تريد العونية غير تثبيت سعر الصرف؟ بما هو حفظ للقدرة الشرائية لذوي الدخل المتوسط، الذين هم قاعدة التيار وخزّانه الانتخابي. ألم يطلب عون نفسه من رياض سلامة الاستمرار بسياسة التثبيت وعدم تعريضه لأيّ اهتزاز طوال عهده؟ ألم تتهم العونية سلامة بالتآمر حين انخفض سعر الصرف؟

ما الفارق بين العونية والحريرية إذاً؟

قد يكون المأزق السياسي الأكبر للعونية أنها بنت خطابها السياسي على القطع مع الحريرية، بوصفها نقيضاً وجودياً للدور المسيحي، وسيكون صعباً عليها الإقرار بأنّ الحريرية أرادت تثبيت سعر الصرف، واستطاعت تحقيق ذلك، بفضل تدفّق الاستثمارات الأجنبية المباشرة والمساعدات الخليجية والعلاقات الدولية. فيما العونية أرادت ولم تستطع.

وسط بيروت هو التمثيل الرمزي المكثّف لهذا المأزق.