يا ويلنا من بعدك
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

يا ويلنا من بعدك

زياد عيتاني - الأحد 28 حزيران 2020

.. عند منطقة الأوزاعي في المدخل الجنوبي القديم لمدينة بيروت، رفع شباب المنطقة المهجّرون القاطنون هناك صورة كبيرة للرئيس نبيه بري ذيّلت بعبارة "يا ويلنا من بعدك".

إقرأ أيضاً: حسّان دياب.. وقفا الدهر

.. نحن البيارتة، لم نَكنّ الودّ لحركة أمل وأنصارها وتحديداً ما بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وسطوة الحركة على بيروت وزواريبها مع ما رافق ذلك من ممارسات ومضايقات شعر من خلالها ابن بيروت أنه مهان في مدينته وهويته. ومن ثَمّ، الحملة الإلغائية الميليشياوية التي شنّت على حركة المرابطون بقيادة إبراهيم قليلات (أبو شاكر) الذي غادر لبنان وما زال مغادراً، وأُسكتت إذاعة صوت لبنان العربي الناطقة باسم حركته واحتلّ مقرها، ثم سُلّم لاحقاً لدار الفتوى فبات مسجداً مخصّصاً للصلاة دون السياسة وتنظيماتها. ثم الحملة ضد حركة 6 شباط التي شكّلها شاكر البرجاوي بعد حلّ المجلس العسكري الإسلامي إثر انتهاء ظاهرة الشيخ عبد الحفيظ  قاسم.

لم يكن للحزب أيّ اسم يرتبط بحوادث نافرة في العاصمة، لا بل كان الشيخ نعيم قاسم من روّاد مسجد المصيطبة

مع ظهور حزب الله، رأى البيارتة وتحديداً السُنّة، وهم الأكثرية في المجتمع البيروتي المتنوع، أنّ الحزب وأنصاره أشفى حالاً من الحركة وأنصارها. فكان التقييم البيروتي ما بين مجموعة لها تجاوزاتها ومجموعة ترفع اسم الله وتقفل كامل أزرار قمصانها وتقلّم لحاها ممسكة مسبحة للاستغفار والتسبيح. فكانت المقولة على لسانهم تتردّد "الحزب أوادم والحركة زعران..". ويبرّرون ذلك بالالتزام الديني عند شباب الحزب وعدم دخولهم بمناكفات مع الجيران وأهل المدينة، ففي حين كان للحركة رموز ذاق منها البيارتة الويلات لم يكن للحزب أيّ اسم يرتبط بحوادث نافرة في العاصمة، لا بل كان الشيخ نعيم قاسم من روّاد مسجد المصيطبة، وغيرهم، قرب منزل الرئيس صائب سلام والكثير من فتيان المنطقة السُنّة حفظوا سور القرآن القصيرة على يديه.. أما وفيق الصفا، فقد قضى أيام الولدنة ما بين شارع الإمام علي حيث مطعم والده المخصّص لبيع الحمص والفول وشارع أبو بكر الصديق حيث دكان والد النائب محمد رعد حلّاق (مزيّن) أهل المنطقة وحكيمهم في فضّ الخلافات العائلية والذي كان حاضراً دائماً في صلاة الجمعة يستمع إلى خطبة الشيخ فيصل المولوي القيادي في الجماعة الاسلامية فيما الحاج حسن رعد قريب من كل الاتجاهات الفكرية المتداولة وفي دكانه مؤلفات إسلامية، والجماعات السنية (حزب التحرير، الإخوان المسلمون، وغيرهم) تجتذب ناشطين شيعة.

بالعودة إلى صورة الرئيس بري عند مدخل الأوزاعي، كنّا نستنكر نحن البيارتة الصورة وما كُتب تحتها متسائلين، كيف لشعب يرى الويل (هو وادٍ في جهنم) برحيل الزعيم مهما كان هذا الزعيم مطلقين عبارتنا الشهيرة "مَعْقُول"..!

بعد ما يزيد عن الثلاثين سنة، وما شهدته من أحداث واعتداءات على بيروت وأهلها من 7 أيار 2008 إلى غزوة القمصان السود 2011 وصولاً إلى غزوة "عائشة" في كورنيش المزرعة 2020 وما بينهم مئات التجاوزات والانتهاكات، ما زالت صورة الرئيس بري ترتفع في منطقة الأوزاعي، والعبارة لم تتغير. وما زالت المصيطبة، تحتض نفوذ حزب الله وحركة أمل وهيمنتهم على السكان البيارتة الأصليين. لم يتغيّر شيء مطلقاً سوى أن البيارتة أنفسهم باتوا عندما يمرّون بالأوزاعي وينظرون إلى صورة الرئيس بري يقرأون ما كُتب تحتها، ويقولون "صدقت وربّ الكعبة".

لقد تحوّل الرئيس بري عند البيارتة السُنّة من قائد ميليشيا تروّعهم وتنغصّ عليهم حياتهم وهدوءهم في الثمانينيات وأوائل التسعينيات إلى ضمانة وطنية، تمثّل العقل والتعقّل بوجه التطرّف والجنوح نحو الفتنة في أيامنا الحالية. فهو الضمانة لعدم رفع الدعم عن المحروقات والطحين، وهو المفرمل لتهوّر المغامرين من طائفته في الداخل والخارج، وهو المتراس بوجه "الجلعان" العوني. لقد بات البيارتة اليوم أقرب إلى رفع صور الرئيس بري في أزقتهم حيث يمنعون من رفع صور زعمائهم أو حتى صورهم الشخصية. لقد باتوا مقتنعين أن "يا ويل لبنان من بعد الرئيس بري". وكبير السنّ فيهم يقول: "الله يطوّل بعمره".