fb طواحين الثورة

طواحين الثورة

هشام عليوان - الأحد 21 حزيران 2020

بمزيد من اللوعة والأسى. ننعى إليكم الثورة والثوار. فبعد صراع طويل مع مرض النرجسية والأنانية والسطحية والسذاجة، وخاصة السذاجة الثورية، قضت الثورة نحبها على قارعة الطريق، أمام محالّ تجارية محروقة، في بيروت، ومصارف مخلوعة في طرابلس، وفي زواريب ضيقة كما في الميادين والساحات، حين كان أبناؤها ينتحرون وينحرونها في الوقت ذاته، من أجل غد أفضل ومستقبل مشرق!

إقرأ أيضاً: ثورة تشرين في "برج بابل": فهل هو السقوط؟

هل هو يأس أم تيئيس؟ إنه قراءة واقعية بعيدة عن الأوهام. لقد حقّقت الثورة أهمّ أهدافها عندما كشفت اللعبة، وأسقطت الأقنعة، ومعها التسوية الرئاسية. وكان عليها بعد ذلك، أن تعكف على تظهير خطابها السياسي، وتقديم قادة جدد، وتكوين شبكات جماهيرية في مختلف المناطق لخوض الانتخابات النيابية، مبكراً إن أمكن، أو في موعدها. بقانون عادل أو حتى بالقانون الساري. وهذا هو أقصى المتاح، في نظام طائفي إقطاعي مافياوي متحاصص، من أجل تحقيق الهدف النهائي، وهو إعادة تكوين السلطة تدريجياً، ما دام التغيير المفاجئ والجذري غير ممكن.

إن لبنان حالة معقّدة. لا تنجح فيه انقلابات. ولا تدوم فيه ميليشيات. ولا تصل ثورة فيه إلى نقطة النهاية بالأهداف نفسها. تبدّل ثيابها مرات عدة قبل الوصول

لكن ما يحدث الآن أن الثورة بعدما طالت الطريق المتشعّبة تفترس أبناءها قبل أن تنتصر. يتناحرون على الثمرة قبل أن تنضج. ينقلب بعضهم على بعض في الليالي الدخانية الطويلة. تتحوّل الثورة مع الوقت إلى لغة جامدة خشبية، وإلى بيانات مملّة مكرورة ومتناقصة إلى حدّ العدم، مع رفض متصاعد في مجموعاتها لأيّ سياسة من أيّ نوع، ممارسة أو تنظيراً. كأن السياسة ملعونة ومنبوذة كمحترفيها الفاسدين. وحتى أساليبها الميدانية اهترأت، ففقدت الإبداع. ارتضت أن تنطح الحائط مرة بعد أخرى، مع سيلان الدم بلا طائل. ويقال هل للثورة أن تكون واقعية؟ فكيف تكون كذلك وهي ثورة، أي حالة من اللاعقلانية وخروج من التحفّظ والتحسّب؟

إن لبنان حالة معقّدة. لا تنجح فيه انقلابات. ولا تدوم فيه ميليشيات. ولا تصل ثورة فيه إلى نقطة النهاية بالأهداف نفسها. تبدّل ثيابها مرات عدة قبل الوصول!

لقد أُصيبت ثورة لبنان بلوثة الاعتراض على أيّ إطار تنظيمي أو قيادي، بحجّة أننا لم نثر على النظام التسلّطي القائم من أجل إقامة نظام آخر. وهو مصداق ما طرحه كارني روس (Carne Ross) في كتابه: ثورة بلا قائد: كيف يستلم الناس العاديون السلطة ويغيّرون السياسة في القرن 21؟ وأول مبدأ من مبادئه التسعة للتغيير، أن تعيّن اقتناعاتك، وهي الخطوة الأصعب، كما يقول، لكنها العثرة الأكبر كما يظهر في الواقع، وخاصة في لبنان. يؤكد روس على الثوار ما يلي: "لا تدع الآخرين يُملوا عليك ما تهتمّ به. إذا كانت ستنجح، فلتكن ثورة بلا قيادات. اتخذ قرارك الخاص. عاين ردود أفعالك الخاصة". مؤدّى هذا، أن تمتنع المجموعات عن اختيار قائد، أو حتى اختيار منهج موحّد. هي ثورة بلا قائد. لكن الواقع أن هذه الثورة، يصبح لها قادة بعدد المشاركين فيها..مئة، ألف، عشرات الألاف، بل أكثر!

الأكثر إثارة في السياق الثوري، أن المجموعات غير المنتظمة، الفاقدة للرؤية وللمنهجية، باتت تُدار بلا وعيٍ منها في أحيان كثيرة، من أحزاب وقوى سياسية

أما الشعار الأشهر في ثورة تشرين، فهو أن الشعب هو مصدر الشرعية، بل هو السلطة. ويكفي أن ينزعها عن الطبقة السياسية، فتسقط شرعيتها، ومعها كلّ المؤسسات. كلام جميل، لكنه غير مؤثّر واقعاً. أولاً، لأن النظام لديه حرّاسه المدجّجون بأنواع الأسلحة والأدوات الأيديولوجية والإعلامية الفاعلة، وثانياً، لأن الثوار أنفسهم وقد انتهجوا أقصى مناهج اليسار الفوضوي وأحياناً العنفي، لم ينجحوا قط بتقديم البديل الجاذب للجمهور. بل أصبحت الوسائل نفسها هي الغايات، وهو المبدأ الثالث من مبادئ روس. وثالثاً، لأن ثورة بلا قيادة في لبنان، هي ضعيفة جداً في ساحة سياسية عامرة بالقادة المَهَرة وأصحاب الخبرة الواسعة في تحريك قواعدها الشعبية. لذلك، خاضت الثورة معركتها الكبرى منذ بداياتها لتحطيم قادة الطبقة السياسية ورموزها، فكانت النتائج متفاوتة، ربطاً بمدى فعالية تلك القيادات داخل طوائفها، وارتباطها الوجودي بكيانات تلك الطوائف ولو على نحوٍ متوهّم، فكان سعد الحريري أكبر المتضرّرين، ويليه جبران باسيل.

الأكثر إثارة في السياق الثوري، أن المجموعات غير المنتظمة، الفاقدة للرؤية وللمنهجية، باتت تُدار بلا وعيٍ منها في أحيان كثيرة، من أحزاب وقوى سياسية منظّمة داخل الحراك الشعبي وخارجه. وتوصّلت تلك إلى إخضاع الحراك أو معظمه لأجندات سياسية خاصة، لا علاقة لها بالثورة ولا بمطالبها الأساسية، بل بالضدّ من أهدافها. ففي زخمها الشعبي الأول، كانت الثورة بحراً هادراً، لا قدرة لأيّ حزب على ادّعاء انتمائها إليه. ومع الإجهاض المتكرّر لمحاولات تنظيم الثوار، ومنها إجهاضات متعمّدة كي يتحكّم بالثورة من ليس منها، باتت المجموعات الثورية البعيدة نسبياً عن مزاج الجمهور، أسيرة توجيهات مجهولة معلومة، لإقفال طرق، ولمهاجمة مصارف، ولتحوير المسار نحو حاكم المصرف رياض سلامة، والمطالبة بإسقاطه، بديلاً عن إسقاط الرؤساء.  

إنها "طواحين بيروت" تتناسل وتتوالد وتدور في الفراغ. وقد أرّخها الروائي توفيق يوسف عوّاد قبل أكثر من نصف قرن، في أطروحات حقيقية كان يتداولها المثقفون آنذاك بين عامي 1968 و1969، قبل تدحرج لبنان في حرب أهلية دموية، على إيقاع مزدوج بين الثوران على نظام اجتماعي غير عادل والتمسّك بالامتيازات الطائفية، وكذلك الموقف من سلاح المقاومة الفلسطينية، وتقصير الدولة في مجال حفظ سيادتها على الأرض. التداخل ما زال هو نفسه، مع تغيّر بعض الأسماء فقط. وتتكرّر الجدالات البيزنطية هي نفسها. التغيير مطلوب، لكن كيف يكون؟ وبأيّ وسيلة؟ هل بالعنف أم باللاعنف؟ هل بنسف النظام أم بإصلاحه من الداخل؟

..."إن تحقيق أهداف ثورة فعلية يصطدم بمصالح مترسّخة وبأجهزة أُقيمت لحماية هذه المصالح. إذ ليس من المعقول أن يتخلّى المستفيدون من الأوضاع القائمة عن أسباب قوتهم وإمكاناتهم المادية والسياسية بصورة طوعية...شكل المقاومة الذي يلجأ إليه قادة أيّ نظام وحماته، هو الذي يقرّر في النتيجة أسلوب الثورة"، أي إن سِلْماً فسِلْمٌ، وإن حرباً فحرب، وإن كان يرجَّح من السياق أن لا مناص من التغيير الثوري العنفي. ويستدرك آخر:"يجب أن نثور على لبنان الماضي، ولكن هل لا مفرّ من أن نقتل بعضنا البعض كي نكون ثواراً حقيقيين؟ وهل الحلم بلبنان الجديد لا يتحقّق إلا بكابوس القتل؟". هنا يحاول أحدهم أن يلطّف حدّة الثورة ويعدّل مزاجها، فيقول: "النظام البرلماني القائم على الدستور...الأفضل لتسيير شؤون الحكم. فالشعب هو مصدر السلطة، وهو الشرعية التي لا بدّ منها لكلّ نظام حكم"، وما دام الأمر كذلك، "يبقى على كلّ لبناني أن يعمل في حقل نشاطه...على تعزيز النظام البرلماني وتثبيته، ومحاسبة المسؤولين عن امتهانه أو مخالفته أو الخروج عليه، والسعي إلى تأليف الأحزاب الصحيحة. فالعلّة ليست في النظام، إنما في ممارسته وتنفيذه"  ...يعترض الروائي على لسان أحد أبطاله، فيقول: "كأنّ للثورة وجهاً غير وجه الدم". ويستنتجون آخيراً (أبطال الرواية): أن "الثورة الحقيقية هي الثورة على النفس، أي بالتنظيم والتصميم"، فانتقل الحديث حينئذ عن ضرورة تأسيس حزب. "ماذا نسمّيه؟ .. أيّ شيء، شرط أن نبتعد عن النعوت الرنّانة"، فحتى اختيار اسم الحزب لا يعنيهم كثيراً، بل الأفضل أن يكون اسماً باهتاً!

عقب الغارة الإسرائيلية على مطار بيروت أواخر عام 1968 وتدمير الأسطول الجوي المدني، تداعى الطلاب من كلّ الجامعات اللبنانية على اختلاف مشاربها للتحرّك استنكاراً، "ولم تمضِ أيام حتى فقدت الحركة صفاءها الأول. تعكّرت بضروب من الرواسب طفت وحولاً، وانهمرت فيها مع كلّ ريح أبخرة من معامل التعصّب وغبار الشوارع الغوغائي. والزعماء التقليديون وتجار النفوذ قد اندسّوا في صفوف الطلاب يحرّكونهم لمآربهم الحزبية وشهواتهم الخاصة، ويغمسون رؤوسهم في أجران الأصبغة العقائدية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين".

وحين اجتمع نحو 500 من طلاب الجامعات في لبنان وبينهم عدد كبير من تلاميذ المدارس ممن سنّهم تحت الخامسة عشرة، "مع هدير يملأ المكان، ورؤوس كان واضحاً أنهم من المشاغبين أو المتفرّجين". وحاولوا إيجاد قائد للتجمّع الشديد التنوّع، صرخ أحدهم محتجّاً: "ليس بيننا زعيم. لا نتعرّف إلى زعيم!". كأن الروائي اللبناني توفيق يوسف عوّاد، لم يحدس فقط بانفجار لبنان بعد سنوات من فشل الحركة الطلابية العابرة للطوائف، بل إنه حكم سلفاً على عقم ثورات بلا قيادة، نظّر لها بعد نصف قرن الدبلوماسي البريطاني السابق كارني روس!