العهد "القوي" بالمخالفات الدستورية.. الرفاعي لعبّود: استقِل وافضح المستور
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

العهد "القوي" بالمخالفات الدستورية.. الرفاعي لعبّود: استقِل وافضح المستور

نهلا ناصر الدين - الأربعاء 10 حزيران 2020

ردّ رئيس الجمهورية ميشال عون مرسوم التشكيلات القضائية الذي وصل منهكاً إلى قصر بعبدا، بعد 3 أشهر من محاولات "لعبة الغمّيضة" التي مارستها وزيرة العدل ماري كلود نجم. فلم يحظَ المرسوم "القوي" بضيافة القصر لأكثر من ليلة، ليرجع أدراجه بحجّة "إعادة النظر في المناقلات القضائية"، وهي البدعة التي لجأت إليها وزيرة العدل لغاية استباقية تبرّر اليوم ردّ المرسوم.

وكالعادة، النافذة إلى مخالفة الدستور، كانت جاهزة بتدبيرٍ من المستشار القانوني للقصر، الوزير السابق سليم جريصاتي، الذي كان قد مهّد الطريق لمسرحية "لن أوقّع" عبر "برومو" مشوّق، حين أشار في حديثٍ صحافي قبل أيام عن تجزئة المرسوم والمناقلات التي لم يصل إلى فخامة الرئيس مرسوم بها، وفرّق بين مرسوم مجلس الوزراء المحدّد بمهل زمنية والمرسوم العادي "المتروك لتقدير رئيس الجمهورية، ولا تقيّده أيّ مهلة زمنية أو شرط آخر"، معرّياً مجلس القضاء الأعلى من صلاحياته النافذة في التشكيلات القضائية.

إقرأ أيضاً: الرفاعي والنجار: عون يخالف الدستور والقانون بعدم توقيع التشكيلات القضائية

لا يستغرب المحامي حسّان الرفاعي ردّ الرئيس لمرسوم التشكيلات القضائية، لا بل يرى في كلام جريصاتي السابق مقدّمة واضحة لرحلة المرسوم المتعثرة في بعبدا. ويقول: "قام لاعبون من الفريق المحسوب على الرئيس بعرقلة المرسوم عبر فصله إلى مرسومين في البداية، ثم هيّأوا لرفضه بحجّة أنّه من فئة المراسيم العادية التي لا تعرض على مجلس الوزراء، ولا تخضع لأحكام المادة 56 من الدستور التي تعتبر المرسوم نافذاً حكماً إذا امتنع الرئيس عن إصداره أو عن إعادته إلى مجلس الوزراء ضمن مهلة 15 يوماً".

ويوضح الرفاعي في حديثه لـ"أساس" أنّه "لا يخفى على أحد كره رئيس الجمهورية للطائف، وبما أنّه لا يستطيع استخدام صلاحياته باقتراح تعديلات على الدستور بموجب المادة 76 من الدستور، لعدم وجود بيئة حاضنة لذلك، أوجد رئيس الجمهورية حوله فريقاً من المستشارين، وفي مقدّمتهم جريصاتي، يعبّدون له طريق مخالفة الدستور عبر مبدأ: ما لا نستطيع فعله بتعديل النصّ نفعله عن طريق إيجاد أعراف بالممارسة". ويضيف الرفاعي: "اعتبروا أنّ في الدستور ثغرات ومناطق رمادية وأخذوا قراراً بأنّ كلّ منطقة يجدونها رمادية من وجهة نظرهم، يقولون للرئيس: أقدِم. والمرسوم العادي هو من بين هذه المناطق الرمادية، فبينما يلحظ الدستور تفاصيل مرسوم مجلس الوزراء في المادة 56 منه، لا يلحظ في المقابل المرسوم العادي، بكلّ مراحله بما فيها عدم التوقيع الذي يعني توقّف التشكيلات وعرقلتها".

ويؤكد أنّ الدستور لا يفسّر "ويجب ألاّ يكون عبارة عن مجلدات، بل هو مبادئ دستورية توضع بيد من يفترض أن يكون على علم ومعرفة شاملة بها، علماً أن المشرّع لم يكن يتوقع أثناء كتابته المبادئ الدستورية بأننا يمكن أن نكون أمام رئيس يخالف الدستور ويمكن أن يعرقل مرسوماً من نوع التشكيلات القضائية الصادر عن مجلس القضاء الأعلى. فنحن نتحدّث عن رئيس يُفترض به أن يكون حيادياً في النظام البرلماني الذي يشترط أن يكون رئيس الجمهورية حَكَماً لا طرفاً، غير مسؤول سياسياً، ولا يمتلك مشروعاً خاصّاً به، أو سياسة خاصّة به، ولا يحقّ له التصويت في مجلس الوزراء حتى حرصاً على هذه الحيادية".

قانون تنظيم القضاء العدلي، في المادة 5 منه، يمنح المسؤولية في التشكيلات المتعلّقة بكلّ القضاة إلى مجلس القضاء الأعلى، وهي بمجرّد أن تكون بالإجماع أو بالأكثرية المطلقة تصبح نافذة، ويصبح وزير العدل مجبراً على توقيع المرسوم، وكذلك الأمر بالنسبة لوزيري الدفاع والمالية ورئيس مجلس الوزراء وحتّى فخامة رئيس الجمهورية، بحكم سلطتهم المقيّدة هنا. وعليه، فإنّ "أيّ تمنع رئاسي عن إصدار مرسوم التشكيلات هو بمثابة خرق يحاسب عليه الرئيس وفق المادة 60 من الدستور"، بحسب الرفاعي الذي يطالب رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود  بـ"الاستقالة وفضح كلّ الملابسات التي تحصل في حال الاستمرار بمخالفة الدستور في موضوع التشكيلات القضائية".

يصف جريصاتي في محاضرته الشهيرة الدستور بـ"العليل والعاجز عن مواكبة الحياة العامة ويمنح لرئيس الجمهورية بموجب القسم إعادة تصويب بعض مواد الدستور لجهة التطبيق أو المضمون إذا أمكن"... في ما أسماه "مواطن الخلل والزلل"

ويؤكّد الرفاعي أنّها ليست المرة الأولى التي يخالف الرئيس الدستور في المناطق الرمادية من منظور مستشاريه، وأنّه "قام بذلك مرّات عدّة، وكان أبرزها عندما سمح لنفسه، بحجّة أنّه شريك، بتشكيل الحكومة مع رئيس الحكومة المكلّف، وبوضع معايير للتشكيل، وهي المعايير التي يجب أن تكون محصورة بالرئيس المكلّف كونه هو من قام بالاستشارات مع النواب، بينما الرئيس قام باستشارات ملزمة تقتصر على تسمية الرئيس المكلّف، وكذلك الأمر عبر تأخير الاستشارات الملزمة للحكومة الأخيرة بحجّة غليان البلد". والخطير برأي الرفاعي أنّ "كلّ هذا يحصل تحت غطاء "المصلحة العامة" التي أقسم الرئيس على حفظها عبر قسمه على الدستور، فيرى أنّ له حقّ بأن يتصرّف ليؤمّن هذه المصلحة بغضّ النظر عن كيفية ذلك".

ويتوقّع ألا تكون هذه المخالفة الأخيرة. ويشير إلى ندوة الوزير جريصاتي في جامعة القديس يوسف بتاريخ 2 تشرين الأول 2019  بعنوان "دور رئيس الجمهورية ودستور الطائف" ويقول إنّها "لا تبشّر إلا بالمزيد من المخالفات، إذ لم ينفِ جريصاتي في محاضرته المطوّلة (8 صفحات) أنّ لدى رئيس الجمهورية ميلاً إلى خلق أعراف رئاسية في الممارسة، بحجّة أنّه الوحيد الذي أقسم على دستور الأمة اللبنانية، وعليه أن يفسر كلّ ما هو غير واضح".  

ويصف جريصاتي في محاضرته الشهيرة الدستور بـ"العليل والعاجز عن مواكبة الحياة العامة ويمنح لرئيس الجمهورية بموجب القسم إعادة تصويب بعض مواد الدستور لجهة التطبيق أو المضمون إذا أمكن"... في ما أسماه "مواطن الخلل والزلل". ويقول جريصاتي إنّ "الإنجاز ألاّ تترك مساحة رمادية في الدستور يكون فيها للرئيس التزام ودور إلا وتُملأ.. فيزول عنها الشحوب وخطر إلغاء النصّ بالتقادم". ويختم: "على الرئيس أن يقدم حيث الإتاحة والتحصين واجب في كلّ حين". و"كأنّه في معركة وليس على رأس البلاد" بحسب الرفاعي.

فهل يمهّد ردّ مرسوم التشكيلات لخسارة أفضل تشكيلات قضائية مرّت في تاريخ لبنان الحديث، أم أنّ القاضي سهيل عبّود سيقلب الطاولة دفاعاً عنن فرصة اللبنانيين الأخيرة بقضاءٍ مستقل؟