المفتي الشيخ حسن خالد (2/2): الشخصية والرسالة والخير العام
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

المفتي الشيخ حسن خالد (2/2): الشخصية والرسالة والخير العام

رضوان السيد - الإثنين 27 نيسان 2020

في شهر رمضان الكريم، ينشر "أساس" مجموعة بورتريهات، تتناول جوانب من سِيَرِ "كبار" في المقلب الإسلامي، كان لهم أثرٌ كبيرٌ في الخير والمحبّة، وارتبطوا بكرم الشهر الفضيل، وشابهوا أجمل صفاتِهِ. هو تكريم لوجوه لبنانية، كان لها عميق الأثر في صناعة المشهد الجميل في بيروت والشمال والجنوب والبقاع وغيرها من المناطق. الحلقة الثالثة نتذكّر فيها مفتي لبنان الراحل الشيخ حسن خالد.

كانت الاجتماعات دائماً تبدأ بين المفتي الشيخ حسن خالد والشيخ محمد مهدي شمس الدين، وكلّ منهما يخبر جماعته ويستشيرهم، ويخبرون وليد جنبلاط عندما تكون هناك حاجة، وبخاصة بعد 6 شباط عام 1984. كانت القضايا الأعجل أواخر العام 1982 ثلاثاً: ضرورة مخاطبة المسيحيين بما يتجاوز النزاعات المسلحة والسياسية إلى الأفق الوطني، وضرورة التشاور في ذهاب السلطة اللبنانية إلى التفاوض مع إسرائيل على الانسحاب، وما قد يقتضيه ذلك من "معاهدة" مع إسرائيل، ربما تشبه كامب ديفيد أو ما هو أسوأ، والنظر في كيفية التصرف مع قوات الجيش والأجهزة الأمنية، والقوات اللبنانية التي دخلت إلى بيروت الغربية والضاحية بعد الانسحاب الإسرائيلي.

بعد شباط 1984، كان همّ "المفدي" الشيخ حسن خالد إنهاء الحرب الأهلية، وإزالة الاحتلال الإسرائيلي عن الأرض اللبنانية. وقد رأى الشيخ محمد مهدي شمس الدين، ووافقه المفتي خالد، أنّه لا بد من إصدار إعلان باسم المسلمين بشأن التزاماتهم الوطنية، والإصلاحات التي يطالبون بها في النظام؛ بحيث يكونُ الوطنُ لجميع بنيه، وتسلّم بهويته الوطنية وانتمائه العربي، وتكون المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين. وقد جرى إعلان الثوابت العشر هذه في اجتماع كبير بدار الفتوى حضرته الهيئات الدينية والسياسية والمدنية.

وقد رأى الشيخان أنّ تصرفات سلطة الرئيس الجميل سواء لجهة المائتي مرسوم، أو لجهة أعمال القبض والملاحقة ببيروت والقصف على الضاحية، لا تُبشّر بخيرٍ، ولا تُعين على استعادة الثقة بين الدولة وجمهور المسلمين، فقرّر المفتي الشيخ حسن خالد إلقاء خطبة عيد الفطر عام 1983 في الملعب البلدي حيث حضر حشدٌ هائلٌ. وقد طالب المفتي برفع الظلم عن بيروت والضاحية، وعدم معاملتهما من جانب الجيش اللبناني كما عاملهما الاحتلال الصهيوني!

إقرأ أيضاً: المفتي الشيخ حسن خالد (2/1): الشخصية والرسالة والخير العام

وما لقيت جهود الشيخين تقديراً لا من جانب رئيس الجمهورية الذي كان منهمكاً بحرب الجبل، وبالمفاوضات، ولا من جانب السوريين الذين كانوا يريدون العودة لبيروت من جهة، ويريدون ارتهانها من جهة أُخرى للمساومة على المفاوضات والإرغام على قطعها. وهو الأمر الذي فعلوه بإقدام أنصارهم من حركة "أمل" و"الحزب التقدمي الإشتراكي" على الدخول إلى بيروت بالسلاح يوم 6 شباط عام 1984 قادمين من الضاحية والجبل، ويعاونهم اللواء السادس الذي أسهم بمدفعيته في دفع لواءَي الجيش الآخرين إلى الانسحاب من بيروت والضاحية. وما كان الشيخان يريدان أن يعود الأمر بالمدينة والضاحية إلى ما كان عليه قبل العام 1982، فانصرفا للتفاوض مع المسلّحين لتسليم الأمور للواء السادس. وقد أظهر المسلحون قبولاً، لكنّ الفوضى استمرت وكذلك الاغتيالات.

وتحت وطأة كل هذه الضغوط والمشكلات على العاصمة وعلى الناس، انصرف المفتي خالد للقيام بثلاثة أمور: إنشاء صندوق الزكاة، وجمع "اللقاء الإسلامي" بدار الفتوى، وإجراء الاتصالات مع العرب لكي يتدخلوا من أجل إنهاء الحرب، بعد منع السوريين و"القوى الوطنية" والميليشيات التواصل بين المسلمين والمسيحيين لحلّ النزاع!

كانت الأوضاع الاجتماعية شديدة السوء. وكان فريقٌ من المسلمين يريد إنشاء "بيت مال المسلمين" من أجل رعاية الشأنين الصحي والاجتماعي. وكانت وجهة نظر المفتي خالد أنّ صيغة بيت مال المسلمين تفصلهم عن الدولة، وأنّ الأفضل إقامة بيت الزكاة أو صندوق الزكاة، وهو جهة اختيارية لأداء الزكاة والتبرّع برعاية دار الفتوى. وقد نجحت هذه الصيغة وامتدّت من بيروت إلى سائر المناطق الإسلامية في لبنان، حيث انتشرت صناديق للزكاة، وهي تخضع جميعاً لإشراف دار الفتوى، وتساعد مئات الآلاف من الأفراد والأسر في الإغاثة والتعليم والصحة والدين والتنمية بدعم إنشاء المؤسسات الصغيرة.

أما "اللقاء الإسلامي"، فقد أشار به على المفتي الرئيس تقي الدين الصلح، لأنّ الدولة ومؤسساتها انكمشت عن المناطق الإسلامية وفي طليعتها بيروت، ولأنّ المفتي لم يرد الخضوع لإرادة الميليشيات المسلحة التي دعمها السوريون في وجه الدولة بحجة الخلاف مع أمين الجميل. كان كبار المسلمين يجتمعون بدار الفتوى برئاسة المفتي كلّ أسبوع أو أسبوعين، ويجرون اتصالات، ويُصدرون بيانات، باعتبارهم ممثلي المدينة، والحافظين لمصالحها؛ يدعون فيها لإنهاء الحرب، وعودة سلطة الدولة، وتحرير الأرض، وسيادة لبنان ووحدة أراضيه، وقد أغاظ ذلك السوريين غيظاً شديداً. وكان عبد الحليم خدام يهدّد "العجائز" و"مرضى البروستات" ويتوعّدهم، ويتهمهم بمخامرة السلطة العميلة، وعدم الحماسة للتنظيمات الوطنية. ثم كان أن أقدم هؤلاء المتهمون في شرفهم العربي، وتحت وطأة الفوضى والمعارك والاغتيالات بين التنظيمات المسلحة، وترويع الناس، على دعوة الجيش السوري مراراً وتكراراً للعودة إلى بيروت، وهو الأمر الذي حصل أواخر العام 1987، بعد إذلال شديدٍ من حافظ الأسد للوفود التي كانت تذهب وعلى رأسها المفتي إلى دمشق طلباً للغوث! وبالطبع فقد كان من شروط العودة السورية إلى بيروت وقف اجتماعات "اللقاء الإسلامي"!

لقد استهشد صبحي الصالح، واستشهد حسن خالد، واستشهد رياض الصلح، واستشهد رشيد كرامي واستشهد رفيق الحريري، ومئات بل ألوف من الرجال الرجال من أجل الحياة والحرية. وقد قال خالد بن الوليد: "أطلبوا الموت توهب لكم الحياة!"

وكان الأمر الثالث الذي تابعه المفتي خالد بعد العام 1984 وهو الأخطر، والذي ربما كان هو الذي أفضى به إلى الشهادة، إصراره على تواصل الحدّ الأدنى مع الرئاسة اللبنانية ومع البطريركية المارونية. وتطلع إلى المملكة العربية السعودية وإلى الكويت وإلى المملكة المغربية، حسب مواطن اجتماعات القمة العربية، من أجل اتخاذ قرارات تكون بعثاتٍ لحلّ النزاع في لبنان.

وقد جاء المبعوثون، ومنهم الأخضر الإبراهيمي إلى لبنان، ودعوا رجال الدين الكبار إلى الكويت، وطلب منهم السوريون ألا يذهبوا بعد فشل الميليشيات التي جمعوها بدمشق عام 1985 في إنفاذ الاتفاق الذي وضعوه للحلّ في غياب رئاسة الجمهورية، وغياب دار الفتوى والبطريركية والمجلس النيابي. أما محمد مهدي شمس الدين فلم يذهب للقاء البعثة بالكويت، وحذّر زميليه من الذهاب (1988). وأما البطريرك والمفتي فقد ذهبا واجتمعا مع رئيس البعثة وأعضائها، وأجريا اتصالات. أمّا المفتي  حسن خالد فقد اغتيل في 16 أيار عام 1989. وأما البطريرك صفير فقد قال لي في حزيران عام 2005: "لقد كبرت سنّي، وكنت أسأل الرب ألا أموت إلاّ بعد أن أرى خروج الجيش السوري من لبنان. لقد خرج السوريون وإن بتكلفة ثقيلة منها استشهاد حسن خالد ورفيق الحريري. لقد تعاهدتُ مع المفتي عام 1988 قبل ذهابنا للكويت على أن نعمل على إنهاء الحرب الداخلية، وإخراج الجيش السوري، واستعادة استقلال لبنان ووحدة أراضيه. ها هو الخروج قد تحقّق، وأستطيع إبلاغ شهيدنا به عندما يأخذني الرب إلى رحمته".

عندما أنجز المفتي الشيخ حسن خالد افتتاح صندوق الزكاة عام 1985، ذكّرته بالنقاش بينه وبين الشيخ محمد فهيم أبو عبيه عام 1964 بشأن المصطلح الأنسب: المعروف أم الخير العام؛ وقلت: "هذا عملٌ كبيرٌ من أعمال الخير العامّ!". وما بدت عليه الفرحة، بل أخذنا من كتفينا الشيخ صبحي الصالح وأنا إلى إحدى زوايا بهو دار الفتوى وقال: "هل بلغكم العمل العبثي الذي يجري بدمشق بين الميليشيات لحلّ الأزمة اللبنانية فيما زعموا؟ إنّ أكبر أعمال الخير العام إنهاء الحروب والنزاعات في البلاد التي تتابعها الميليشيات لصالح جهاتٍ لا تريد الخير بلبنان وباللبنانيين!".

لقد استهشد صبحي الصالح، واستشهد حسن خالد، واستشهد رياض الصلح، واستشهد رشيد كرامي واستشهد رفيق الحريري، ومئات بل ألوف من الرجال الرجال من أجل الحياة والحرية. وقد قال خالد بن الوليد: "أطلبوا الموت توهب لكم الحياة!".

شهدت في 25 نيسان عام 2020 بدار الفتوى وبرعاية المفتي الشيخ عبد اللطيف دريان، وهو مثلي من تلاميذ "المفدي" الشيخ حسن خالد، اجتماعاً لائتلاف المؤسسات الخيرية انعقد بالدار العامرة من أجل التضامن مع العائلات المحتاجة في شهر رمضان. كان الناس كباراً وشبّاناً، وفتياناً وفتياتٍ يتزاحمون على التبرّع للمهمة الجليلة التي فكّر فيها حسن خالد وغرس شجرتها، وتبعته على سقيها والعناية فيها أجيال الثقة والتضامن والرشد والشجاعة والوفاء: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}.