العروبة تهزم أعلام الطاغية

العروبة تهزم أعلام الطاغية

هشام عليوان - الجمعة 06 آذار 2020

بلغ التوتر مداه، ليس في إدلب أو سراقب أو معرة النعمان أو كفرنبل وحسب، ولا على الخط الساخن بين بوتين وأردوغان، ولا بين روحاني وبشار الأسد، بل في شوارع وفي وسائل تواصل، في لبنان. ارتفعت أعلام تركيا، ومعها صور أردوغان، لهجت بذكره الألسن، وغازل ظله مخيلة الأذهان. ومقابل هذا المشهد، مشاعر وولاءات وتطلعات، وأحزان وأفراح إلى جانب صور وأيقونات، ورموز وشعارات، تتعلق بشيء ما يحدث خارج الحدود مئات الكيلومترات، وربما أكثر. هناك يخوضون أشرس المعارك في جغرافيا ليست لأحد منهم، وعلى حساب أناس هم أصحاب تلك الجغرافيا، وهم محرومون منها، لدواعٍ أيديولوجية أو نزعات جيوبوليتيكية، أو طموحات سياسية أو إمبراطورية، لا علاقة للشعب السوري كله بها. بات السوريون بنهاية السنة التاسعة من الثورة السلمية، مجرد بيادق على رقعة الشطرنج الدولية. فلا النظام ولا كل ما يملك من أجهزة أمنية وجيوش عسكرية ومن هياكل تنظيمية، يملك من أمره شيئاً. فالداعم أو الضامن أو المنقذ، هو صاحب القرار النهائي. ولا تملك المعارضة بأطيافها السياسية وفصائلها العسكرية من الأمر شيئاً، بعد أن سقطت أوراقها جميعاً بيد تركيا، دون أن يعني استسلامها لقرار أنقرة، حصولها على معشار ما يناله النظام من حلفائه الكرماء بالرجال والأموال، والعقول المدبرة، والإعلام على أنواعه، والغطاء السياسي الدولي والإقليمي، وفي المحافل الأممية، لا سيما حق النقض في مجلس الأمن.

إقرأ أيضاً: أردوغان: السلطان المزيّف المعادّي للإسلام

 كان أردوغان متردداً منذ البداية في دعم ثورة آذار 2011، ولذلك لمصالح مشتركة بينه وبين النظام، مكتفياً بإطلاق النصائح والتحذيرات، بضرورة الإصلاح أولاً، وضبط النفس عن استهداف المتظاهرين ثانياً، إلا أن تلميحه بأنه لا يريد أن تقع "حماة ثانية" في إشارة إلى مجزرة حماة في الثمانينيات، ذهب أدراج الرياح. وتحوّلت سوريا كلها إلى حماة، أضعافاً مضاعفة، مع تدخل إيران وميليشاتها تدريجياً في الصراع العسكري، ثم الاستنجاد بروسيا ومرتزقتها التي بدأت حملتها العسكرية منذ عام 2015. وكانت تركيا في تلك المرحلة، تجهد في استقبال ملايين النازحين في المخيمات وفي المدن، ومن بينهم منشقون عن الجيش السوري، ومعارضون سياسيون، اتخذوا من تركيا ملاذاً آمناً، ومنصة إعلامية، وسياسية، مع دعم محدود لبعض فصائل المعارضة الموالية لها. وكادت العلاقات الروسية التركية أن تنزلق إلى صدام عسكري، بعد إسقاط طائرة روسية اخترقت المجال الجوي التركي عام 2015.

لكن هذا المسار كله، انقلب رأساً على عقب، فمن زعيمين تتعارض مصالحهما في سوريا إلى حدّ التناقض والتصادم، إلى شريكين بل صديقين. وكان ذلك، غداة انقلاب تموز عام 2016، حين قيل إن الاستخبارات الروسية كان لها دور في دعم أردوغان، مع اتهام مرافق للولايات المتحدة بالتواطؤ في هذا الانقلاب، بما أنها تستضيف زعيم جماعة "hizmet" أو "الخدمة"، فتح الله غولن، المتهم بالتخطيط لهذا الانقلاب.  

هذا التقارب بين أنقرة وموسكو، تمظهر تباعاً في التعاون الوثيق بينهما، في إبعاد خطر داعش والميليشيات الكردية عن الحدود التركية، وإجهاض حلم الدولة الكردية المدعوم من واشنطن. فكانت عملية "درع الفرات" بين شهري آب 2016 وآذار 2017، بمشاركة آلاف المقاتلين السوريين المعارضين. وفيما بين هذين التاريخين سقطت حلب الشرقية بيد النظام، وكانت أقسى ضربة تتلقاها المعارضة، حين كان أردوغان يبرّر عملية درع الفرات بأنها لإسقاط النظام السوري، على عادته في إطلاق المواقف الكبيرة التي لا طائل تحتها، الفصائل المدعومة من تركيا في المدينة تسارع للخروج منها عقب فك الحصار عنها مؤقتاً. وبعد سقوط حلب بشهر، بدأت مفاوضات آستانا، العاصمة الكازاخستانية، بين النظام السوري وبعض فصائل المعارضة برعاية روسية تركية مشتركة، واستمرت جولات آستانا لتبلغ رقم 13 في آب 2019. وأهم ما جاء في تلك المفاوضات في جولتها الأولى، هو الفصل بين المعارضة المعتدلة والجماعات الإرهابية. وتحت هذه الذريعة استمر النظام بقضم المناطق تباعاً، وهي المناطق التي أُعلنت مناطق لخفض التصعيد. ثم بدأت عملية "غصن الزيتون" في كانون الثاني 2018 في منطقة عفرين شمال سوريا لضرب الحركة الكردية هناك، وبمشاركة الفصائل الموالية لتركيا التي شكّلت لاحقاً الجيش الوطني. وبالمقابل، صدر اتفاق سوتشي بين بوتين وأردوغان بشأن إدلب، في أيلول من ذلك العام، وفيه رسمت الأدوار بين تركيا وروسيا ومعهما إيران، من فتح أتوسترادي حلب حماة واللاذقية حماة، وإنشاء منطقة عازلة على خط التماس بين النظام والمعارضة. وبدلاً من تنفيذ الاتفاق، بدأت الحملة الروسية المكثفة بعد عام، للقضاء على آخر جيب للمعارضة انطلاقاً من أرياف حماة وحلب، وصولاً إلى إدلب نفسها. فكأن الاتفاق يشرّع الأبواب لاستكمال الحرب لا لإنهائها. وفي منتصف هذه الحملة الأعنف من نوعها، في تشرين الأول 2019، أطلقت تركيا عملية جديدة تحت عنوان "نبع السلام" وفيها يقاتل السوريون المعارضون أيضاً في مكان آخر، لضمان أمن الحدود التركية!

لقد أثبتت تركيا في ردها الغاضب، نهاية شهر شباط، على قوات النظام وحلفائه الإيرانيين واللبنانيين، أنها قادرة فعلاً على تغيير المعادلة

لقد أصبح تدخل الدول غير العربية في الأزمة السورية جزءاً عضوياً من الأزمة نفسها. وبدلاً من إطفاء الحرب ازدادت اشتعالاً. ولا يمكن أن يمثّل مصالح العرب خير تمثيل، إلا أبناء العروبة أنفسهم، الذين ينبغي لهم أن يبادروا، وأن يتحمّلوا مسؤولياتهم، وأن يدفعوا باتجاه الحل السياسي، وأن تكون جامعة الدولة العربية، هي الراعية للحل المنشود. فهل من المعقول أن تكون الاتفاقات في شأن مصيري مثل إنهاء الحرب السورية، في آستانا الكازاخستانية أو سوتشي الروسية، وأن يُصنع مستقبل سوريا في طهران أو موسكو أو أنقرة؟ إن ارتفاع الرايات التركية في طرابلس وبيروت، وارتفاع الرايات الإيرانية في الضاحية والجنوب، لا ينفي حقيقة أن الأزمة تعني الشعوب العربية، وأن السواعد التي تحمل تلك الرايات هي سواعد عربية ولسانها عربي. 

فلولا أن الحملة العسكرية الروسية الإيرانية المشتركة ضد منطقة خفض التصعيد الأخيرة، والتي أسفرت عن سقوط مناطق شاسعة في ريفي حلب وإدلب، تُحرج أردوغان، وتُحمّله عبء ملايين النازحين الجدد، بل تهدّد مكانته في الداخل والخارج، لما اضُطرّ إلى رفع الصوت والتهديد. ولأن أصدقاءه في طهران وموسكو لم يتعوّدوا منه الحزم في هذه الأمور، فقد أهملوه ولم يراعوه. حتى كانت معركة سراقب، والتي تسبق موعد انتهاء مهلة الإنذار التركي إلى النظام، للانسحاب من المناطق التي سيطر عليها. ولأن كانت المعركة صادمة وبدعم تركي أكثر من ذي قبل، كان الردّ الانتقامي ضد الجنود الأتراك في إدلب، بهدف إحراجه وإخراجه من المعادلة. وما جرى بعد ذلك كان تداعياً للأعمال الثأرية، ولو أنها حملت اسم "درع الربيع"، مع توعّد من جهة بإسقاط النظام السوري، وتفاوض من جهة أخرى مع الروس على العودة، ولو جزئياً إلى اتفاق سوتشي.

لقد أثبتت تركيا في ردها الغاضب، نهاية شهر شباط، على قوات النظام وحلفائه الإيرانيين واللبنانيين، أنها قادرة فعلاً على تغيير المعادلة لو كانت تريد ذلك. وهو ما يؤكّد الشكوك في النيات السابقة والحالية لأردوغان من طرف المعارضة السورية التي عانت كثيراً من تقلّباته. 

والسؤال الذي يتردّد بكثرة ليس الآن، بل من عام 2016 خاصة، وهو: هل أردوغان سياسي ساذج يضحك عليه حلفاؤه، أم هو زعيم قومي يضع مصلحة بلاده فوق أيّ اعتبار؟ هل هو قائد إسلامي تاريخي، أم مجرّد قائد شعبوي يبرع في دغدغة أحلام البائسين؟ شعبيته موجودة في العالم الإسلامي، وما من شك في هذا، لكن جزءاً كبيراُ من هذه الشعبية يرجع إلى أمر واحد وهو: الفراغ.