“فوبيا” الأكراد والتواصل بين الأسد وإردوغان

2024-06-30

“فوبيا” الأكراد والتواصل بين الأسد وإردوغان

بعد الغزو الأميركي للعراق لاحت فرصة الأكراد لتحقيق حلمهم الدفين بالاستقلال وإقامة كيان مستقلّ حرمهم منه اتّفاق سايكس- بيكو. وجاء تفكّك سوريا بمنزلة هديّة من السماء لتوسيع مساحة الحلم الكردي غرباً نحو البحر حتى صارت الورقة الكردية العامل الأهمّ في تحديد معالم الخرائط الجديدة التي ستنبثق من المخاض الدموي العسير في المنطقة.

 

 

الصراع الكبير على سوريا والعراق فرَق بين أنقرة وطهران وبغداد ودمشق. هذه العواصم كانت تلتقي وتفترق. لكنّ الثابت بينها ظلّ الخوف من صحوة الأكراد، والتعاون فيما بينها لتبديد طموحهم الاستقلاليّ.

حكومة بغداد ساكنت حكمهم الذاتي الواسع مرغمة، ورضخت لإقليمهم المستقلّ لأن ليس في يدها حيلة لإجهاضه. نظام دمشق هادنهم مكرهاً بعدما صادر حقوقهم لعقود. حكم الملالي في طهران همّشهم سياسياً واقتصادياً وثقافياً. الحكومات المتعاقبة في أنقرة جعلتهم شغلها الشاغل ولم تملّ من حربها الطويلة ضدّهم ولا تزال. أمّا واشنطن فحضنتهم متأخّرة، وربّما وجدت في قوّتهم الصاعدة حليفاً مضموناً وعنصر إشغال لخصومها، القدامى منهم والطارئين، لكنّها لم تبارك استقلالهم. وأخيراً دخلت على الخطّ موسكو التي دعمتهم نكاية بأنقرة قبل أن تراجع حساباتها، فالمكاسب الاقتصادية والسياسية المرجوّة من هذه المصالحة تفوق تلك التي من الممكن أن تجنيها من وراء مساندة الأكراد الذين باتوا يعتمدون على الدعم العسكري الأميركي.

بعد الغزو الأميركي للعراق لاحت فرصة الأكراد لتحقيق حلمهم الدفين بالاستقلال وإقامة كيان مستقلّ حرمهم منه اتّفاق سايكس- بيكو

الأكراد والعبء الثّقيل

الموضوع الكردي تحوّل عبئاً ثقيلاً على دمشق ومحوراً أساسياً في المشاورات التي تجرى حول الملفّ السوري. صار أكراد سوريا “فوبيا” جديدة لأنقرة التي تخشى أن يمهّد الفراغ في السلطة في الشام لانفصال الأكراد أو استقلالهم، أو أن تتحوّل المنطقة الكردية في سوريا إلى ملاذ آمن لحزب العمال الكردستاني يستغلّه لضرب تركيا في عمقها.

إعلان “الإدارة الذاتية”، التابعة لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، نيّتها إجراء انتخابات محلية في 11 حزيران المنصرم في المناطق الخاضعة عسكرياً لسيطرة الأكراد في الجزيرة والرقّة ودير الزور ومنبج والطبقة ومقاطعة الفرات في شمال شرق البلاد، كان بمنزلة قنبلة سُمع دويّ انفجارها في أنقرة ودمشق. وهو قرار أقلق النظام السوري والعشائر العربية في المنطقة عينها من أن يكون مقدّمة لتقسيم البلاد الممزّقة أوصالها أصلاً، وزرع الخوف في الائتلاف الوطني السوري المعارض خشية فقدان دوره وأن يكون أوّل ضحايا التغيير، وبثّ الذعر في أنقرة التي تخشى انتقال عدوى أكراد سوريا إلى أكرادها في مناطقها الجنوبية الشرقية، ودفع موسكو إلى التلويح بالانسحاب من الاتفاق الأمنيّ المبرم بين الأكراد ودمشق. أمّا واشنطن التي تعتمد سياسة التحكّم بالمشاكل والإمساك بخيوطها لا حلّها، اعتبرت القرار مخالفة صريحة للقرار الأممي 2245 الذي يحدّد إطار الحلّ السياسي لسوريا.

“الفوبيا” من النزعة الاستقلالية لدى الأكراد قد تعيد وصل ما انقطع بين دمشق وأنقرة من أجل لملمتها ومحاصرتها

على الرغم من تراجع “قسد” عن قرارها وإعلانها تأجيله في ظلّ الضغوط الكبيرة التي مورست ضدّها، فإنّ مجرّد التفكير في إجراء انتخابات حرّك المياه السياسية الراكدة في سوريا. فجأة عادت الحيوية إلى المحادثات التركية الروسية بعد تصعيد اللهجة من أنقرة والتلويح بالخيار العسكري لمنع إقامة دويلة كردستان سوريا. وتكثّفت الأنباء عن عودة المساعي الروسية من جهة، والعراقية من جهة أخرى، للتوسّط بين دمشق وأنقرة. وتحدّثت مصادر عدّة عن لقاءات جرت في قاعدة “حميميم” الروسية في الساحل السوري بين وفدين سوري وتركي، وتضاربت الأنباء في شأن طابعها، أكان على مستوى استخباري رفيع أو على مستوى تقني.

تزامن ذلك مع ارتفاع الحديث في وسائل الإعلام التركية عن لقاءات أجراها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع مسؤولين من دول الخليج، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تطرّقت بشكل معمّق إلى الأوضاع في سوريا. وجاء ذلك بعد أيام من إعلان رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بدء وساطة عراقية بين أنقرة ودمشق قالت وسائل إعلام عراقية إنّها ستثمر لقاءات بين الطرفين في بغداد على غرار اللقاء الذي رعته موسكو وطهران قبيل الانتخابات الرئاسية التركية الأخيرة التي توّجت رجب طيب إردوغان حاكماً مطلقاً، وجمع وزير الخارجية السوري فيصل المقداد ونظيره التركي حينها مولود جاويش أوغلو. وهو الاجتماع الذي أثار حينها ريبة المعارضة السورية غير الكردية من انقلاب “إردوغانيّ” عليها على غرار انقلابه على جماعة “الإخوان المسلمين” بعد عودة العلاقات التركية – المصرية.

بلغت الانعطافة التركية نحو سوريا ذروتها في الخطاب الأخير لإردوغان في مسجد حضرة علي في إسكودار قبل لقائه المحتمل مع نظيره الروسي

المعارضة السّوريّة قلقة

شكوك فصائل هذه المعارضة تبدو في محلّها، لا سيما مع اتّخاذ أنقرة قرارات بإغلاق شركات تحويل أموال كانت تنشط في مناطق سيطرتها في الشمال السوري، إضافة إلى المساعي الروسية التركية المشتركة لإعادة فتح معبر “أبي الزندين” الفاصل بين مناطق سيطرة الفصائل في ريف حلب ومناطق سيطرة النظام، الأمر الذي يفتح الباب أمام بدء عودة النازحين إلى مناطقهم ويكسر الجمود في خطوط التماسّ التي فرضتها الحرب.

بلغت الانعطافة التركية نحو سوريا ذروتها في الخطاب الأخير لإردوغان في مسجد حضرة علي في إسكودار قبل لقائه المحتمل مع نظيره الروسي في آستانة هذا الأسبوع، الذي أكّد فيه استعداد بلاده لإقامة علاقات دبلوماسية مع نظام الأسد . وأشار إلى  إجراء “لقاءات مع السيد الأسد حتى على المستوى العائلي. ليس هناك ما يمنع من حدوث محادثات في المستقبل، فقد تحدث مرّة أخرى”. لكنّه كرّر أنّه لا “يمكننا أن ننسحب من شمال سوريا والتنظيمات الإرهابية تتموضع قرب حدودنا”.

لا يمكن النظر إلى مصير أكراد سوريا خارج مصير سوريا ولا إلى أكراد العراق خارج مصير العراق

صحيح أنّ “الفوبيا” من النزعة الاستقلالية لدى الأكراد قد تعيد وصل ما انقطع بين دمشق وأنقرة من أجل لملمتها ومحاصرتها، لكنّ الاتفاق الضمني على الأكراد لا يعني بالضرورة أنّ التطبيع بين الجانبين بات قريباً، ذلك أنّ كلّاً منهما يريد أن يأخذ من دون أن يعطي، فالنظام السوري يريد انسحاباً تركيّاً كاملاً من الشمال السوري ويرفض إعادة النازحين وتقديم تنازلات سياسية تمهّد لتطبيق الحلّ الأممي المتمثّل بالقرار 2245. في المقابل، تطلب أنقرة من الآخرين مساعدتها لمحاربة الانفصاليين الأكراد حماية لوحدة أراضيها، بينما تطلق جيشها والسدود لاستباحة أراضي غيرها ومياههم.

إقرأ أيضاً: انتخابات فرنسا: تفوّق اليمين المتطرّف وإنسداد سياسي وتشريعي

أمّا بالنسبة إلى الأكراد، فمن الواضح أنّ رحلتهم لا تزال طويلة وشائكة. فلا يمكن النظر إلى مصير أكراد سوريا خارج مصير سوريا ولا إلى أكراد العراق خارج مصير العراق، فهؤلاء لا يمكن إعادتهم عقداً إلى الوراء وأولئك لا يمكن إرجاعهم إلى ما كانوا فيه قبل أكثر من عقدين. كما لا يمكن مطاردة أكراد تركيا إلى الأبد، وإبقاء مناطقهم في إيران مغلقة بحجر. لا بدّ من حلّ يعترف بالاختلاف وبحقّ الآخر في ممارسة اختلافه ضمن سقف القانون والمساواة بين الجميع.

مواضيع ذات صلة

تفجير المرفأ… نجاح ميشال عون وفشل إميل لحّود!

في محاولة لتفسير حال الفراغ التي يعاني منها لبنان والتي يعبّر عنها غياب رئيس للجمهورية، يبدو مفيداً استعادة رحلة العذابات الجديدة، بمراحلها المختلفة، التي قطعها…

تهافت الفدراليّين

“فقل لمن يدّعي في العلم فلسفة حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء  لا تحظر العفو إن كنت امرأً حرجاً  فإنّ حظركه في الدين إزراء” (أبو نواس)…

فرنسا: اليمين المتطرّف والخطر المؤجّل

 استعادت السياسة الفرنسية شكلها التاريخي مجدّداً. نجحت في التصدّي لتهديدات اليمين المتطرّف للسلطة. أثبت نموذج جبهة الجمهورية ولو انتخابياً فائدته.   يعتبر ظهور اليمين المتطرّف…

التّفجير الإقليميّ قرار نتنياهو – الحوثيّ؟

بعد 10 أشهر على الحرب في غزة والتصعيد على جبهة جنوب لبنان – شمال إسرائيل، اقتربت المنطقة خطوة أخرى من خط النار الإقليمي الذي يتمسّك…