التّاريخ يعيد نفسه… والجغرافيا تتغيّر

2024-06-26

التّاريخ يعيد نفسه… والجغرافيا تتغيّر

موقف المسيحيين اللبنانيين من الحروب الإسرائيلية ـ العربية ليس عابراً ولن يكون كذلك. نتائجه لن تظهر قبل أن تضع الحرب على غزة وجنوب لبنان أوزارها. التاريخ القريب كما البعيد يقولان هذا.

 

بعد قرابة تسعة أشهر على عملية “طوفان الأقصى” وما تلاها من حرب إسرائيلية وحشية على غزة وجنوب لبنان، يبدو المشهد السياسي الطائفي في لبنان على طرفَي نقيض ممّا كانه قبلها. يمكن رصد تقارب إسلامي ـ إسلامي شديد الوضوح في الوقت الذي يبدو فيه الشقاق الإسلامي ـ المسيحي في ذروته. فإذا كانت حرب تموز عام 2006 قد اندلعت في ظلّ تفاهم إسلامي مسيحي، فقد كان المشهد وفقاً للتالي:

– مسيحي ـ شيعي، تجسّد عبر التفاهم بين التيار الوطني الحرّ والحزب.

– مسيحي ـ سنّي، تجسد عبر التحالف بين حزبَي القوات اللبنانية والكتائب والقوى المسيحية في لقاء قرنة شهوان و14 آذار من جهة، وتيار المستقبل من جهة أخرى.

اليوم تمضي الحرب على غزة في ظلّ أجواء وتحالفات هي على النقيض تماماً ممّا كانت عليه عام 2006:

– تقارب إسلامي ـ إسلامي مشهده الأعرض يتظهّر من خلال مشاركة “قوات الفجر” الجناح العسكري للجماعة الإسلامية “السنّية” بجانب الحزب “الشيعي”.

في الأثناء هناك مواقف غالبية القوى السنّية في لبنان المتعاطفة مع الفلسطينيين والغزّيين والمتعاطفين معهم. طبعاً تخرج أصوات سنّية لتغرّد خارج السياق، لكنّها لا تعكس الوجدان السنّي اللبناني عامةً من القضية الفلسطينية.

– تباعد إسلامي ـ مسيحي لم يعد خافياً على أحد. من مظاهره انفراط عقد التحالف تقريباً بين الحزب والتيار الوطني الحرّ، وتوسّع الهوّة بين زعيم تيار المستقبل، المعلّق لعمله السياسي، والقوات اللبنانية، بالإضافة إلى الهوّة التي لم تضِق بين الأخيرة ومختلف الشخصيات السياسية السنّية التقليدية.

اليوم يبدو الوضع مغايراً لما كان عليه على مرّ السنوات سنوات الصراع مع إسرائيل

عود على بدء

التيار الوطني الحرّ ضدّ ما يقوم به الحزب في الجنوب دعماً لحركة حماس وأهل غزة، وكذلك القوات اللبنانية وحزب الكتائب وغالبية الأحزاب والقوى والشخصيات المارونية.

غالبية القوى السنّية في لبنان اليوم قلوبها وألسنتها، مع أهل غزة ومن يقف إلى صفّهم. هناك معارضون؟ طبعاً الأمر لا يخلو. لكنّ القضية الفلسطينية هي قضية سياسية وإنسانية بالدرجة الأولى، ثمّ هي قضيّة “السّنّة أوّلاً وأخيراً” بوصفهم “أهل الأمّة”، والتعبير للوزير السابق نهاد المشنوق. بل هي قضية قضاياهم. الاصطفاف القائم عندهم اليوم طبيعي وتاريخي.

المفارقة أنّ خريطة العلاقات الطائفية في لبنان اليوم تشبه إلى حدّ كبير ما كانت عليه عشيّة الحرب الأهلية اللبنانية. فالقضية الفلسطينية تاريخياً توحّد المسلمين وتباعد بينهم وبين المسيحيين لأسباب لفظية تكاد تكون هي هي: النأي بلبنان عن الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وعدم تحويله إلى منصة للقضية الفلسطينية، أو تعريضه لاعتداءات إسرائيلية في سبيل الأخيرة.

لبنان

ما سبق يفصح من دون أدنى شكّ عن أنّ الخلاف التاريخي بين المسيحيين والمسلمين في لبنان ما يزال على حاله منذ قرن كامل من الزمن، وإن شهد في فترات زمنية تقارباً ما.

لكنّه قائم الآن مع تعديلات طفيفة:

– لا أجواء أو استعدادات عسكرية عند المسيحيين، على الرغم من تصريحات كميل شمعون الحفيد.

– لا تعاطف دوليّاً مع مسيحيّي لبنان. أنظار الخارج على الحزب وحلفائه.

– لا وزن سياسيّاً للمسيحيين عموماً ولا دور في صناعة القرار ولا لغيرهم خارج الثنائي الشيعي، بسبب الخلافات بين القوى المسيحية البارزة كلّها.

ملحقات ترسم وطناً

بعد قرن كامل وبضع سنوات على قيام دولة لبنان الكبير، عام 1920، تبدو الخريطة السياسية الجغرافية في لبنان اليوم على نقيض ما كانته حينها.

التاريخ يعيد نفسه والأخطاء تتكرّر وحدها جغرافيا المشهد السياسي في لبنان أو القرار الوطني تتغيّر

عشيّة اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، كان لبنان جبلاً وعاصمةً كلّ لبنان السياسي، بمعنى صناعة القرار الوطني وتحديد مصير الوطن. كان الشمال والبقاع والجنوب، ملحقات. ملحقات بكلّ ما للكلمة من معنى، في السياسة والاقتصاد والاجتماع وحتى الثقافة. أمّا الآن فطبعاً صارت صناعة القرار الوطني اليوم في الملحقات هذه التي ترسم مصير لبنان كلّ لبنان. ومنذ عقود أيضاً. تبدو العاصمة وجبل لبنان التاريخي، أو الجبل النواة، ملحقَين لا أكثر، ساعةً بالشمال، وساعةً بالبقاع، وساعات بالجنوب.

ـ عام 2007، توقّف مصير لبنان كلّه على معركة نهر البارد.

ـ عام 2008 شابه الكثير من الخطايا والخطأة وتمظهرت حول شبكة اتّصالات الحزب وتكرّست بيوم أسود سُمّي بـ “7 أيار المجيد” تلته استباحة دستورية في اتفاق الدوحة اسمها “الثلث المعطّل” في نظام برلماني ديمقراطي.

عام 2014، وضعت معركة جرود عرسال لبنان كلّه على المحكّ: إمّا يبقى، أو ينفرط عقد الفسيفساء الاجتماعية والدينية والإثنية اللبنانية إلى الأبد. وعام 2014 ليس مقطوع الآصرة عن عام 2011 الذي اندلع فيه الربيع العربي ونيرانه القصوى في دمشق.

مصير لبنان؟؟

يتوقّف على نتائج الحرب الإسرائيلية على أقصى جنوب لبنان، المندلعة منذ تسعة أشهر، مصير لبنان، كلّ لبنان. كلّ حرب إسرائيلية على لبنان، مفصلية ومصيرية وحاسمة، وما قبلها ليس كما بعدها. لكنّ الحرب الحالية، المرتبطة عضويّاً بالحرب الإسرائيلية على غزّة، وبالصراع العربي الإسرائيلي، هي الأكثر مصيريّةً وحسماً لموازين القوى في العالم إجمالاً، والشرق الأوسط عموماً، ولبنان على وجه الخصوص.

على الرغم من قيام إسرائيل، عام 1948، على الحدود الجنوبية للبنان، بحدود غير نهائية، وأطماع توسّعية كثيرة. كان لبنان وما يزال جزءاً صغيراً منها، واعتداءاتها المتكرّرة على لبنان. إلا أنّ الجبهة الجنوبية التي لم تخمد يوماً، ظلّت على هامش السياسة الرسمية اللبنانية في ظلّ تبوّؤ الصراع المسيحي ـ الإسلامي الأولويّة.

غالبية القوى السنّية في لبنان اليوم قلوبها وألسنتها مع أهل غزة ومن يقف إلى صفّهم

اليوم يبدو الوضع مغايراً لما كان عليه على مرّ السنوات، سنوات الصراع مع إسرائيل. الجنوب اليوم، بل أقصى الجنوب اليوم، يحدّد مصير لبنان. الحرب الواسعة، الاشتباكات المحدودة، الهدنة، الهزيمة، التحرير، احتلال المزيد من الأراضي اللبنانية، نتائج تقود كلّ منها البلد في طريق لا يشبه غيره. القاسم المشترك بين الطرق تلك كلّها هو الصراع مع إسرائيل في جنوب لبنان.

موقف المسيحيين نتائجه بعد انتهاء الحرب، لا الآن. هذا ما يقوله التاريخ منذ حرب عام 1948، مروراً بالنكسة عام 1967، فحرب تشرين 1973، ثمّ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، انتهاءً بحرب 2006، وصولاً إلى حرب غزة اليوم.

إقرأ أيضاً: قبرص نجمتنا وخيمتنا

التاريخ يعيد نفسه والأخطاء تتكرّر. وحدها جغرافيا المشهد السياسي في لبنان، أو القرار الوطني، تتغيّر… منذ لبنان.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@jezzini_ayman

مواضيع ذات صلة

أزمة حتميّة لـ”الاعتدال العربيّ” مع أيّ رئيس أميركيّ مقبل!

بصرف النظر عمّن يفوز، دونالد ترامب أم جو بايدن، وسواء تنازل بايدن وترشّحت كامالا هاريس أو اعتذرت هاريس وجاء حاكم ولاية كاليفورنيا أو اعتذر الجميع وجاءت ميشيل أوباما، فإنّ مشروع الدولتين غير مطروح، والغزل مع…

إيران تسابق عودة ترامب: اتّفاق اللحظة الأخيرة مع بايدن

في الوقت الضائع بين الانتخابات الأميركية المرتقبة، وبين تسلّم مسعود بزشكيان الرئيس الإيراني المنتخب لمفاتيح الرئاسة والسلطة التنفيذية… حصل تحوّل جوهري في موقف الفريق الإيراني…

سرّ المغرب… رهان محمّد السّادس على الإنسان

عندما يحتفل المغرب في الثلاثين من تمّوز الجاري بالذكرى الـ25 لجلوس الملك محمّد السادس على العرش، فإنّه يحتفل بأكثر من ذكرى مهمّة تعتبر محطّة أساسيّة…

تجميد “قانون قيصر”: بايدن “ينفتح” على الأسد؟

في السابع عشر من حزيران الفائت، انقضت خمس سنوات على إقرار الكونغرس الأميركي قانون “قيصر” القاضي بحماية المدنيين في سوريا وتشديد الحصار الاقتصادي على نظامها….