نتنياهو – بايدن.. تبادل الحصار السّياسيّ

2024-06-26

نتنياهو – بايدن.. تبادل الحصار السّياسيّ

ترتفع معدّلات المخاوف في دوائر البيت الأبيض من احتمال تدحرج الأمور في حرب غزّة نحو لبنان بعد كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المُرتقبة أمام الكونغرس الأميركيّ بعد شهر من اليوم. القلق الأميركي سببه الابتزاز الإسرائيلي عبر اللوبيات في واشنطن والمُنظّمات الصهيونيّة، وفي مُقدّمها “إيباك”. كان في السّابق الصّوت الإسرائيليّ في أميركا صادحاً قبل أن تؤول الأمور إلى ما آلت إليه الآن من انقسام. في هذا السّياق يجيد طرفان ابتزاز “الدّيمقراطيّة” في أوقاتها الحرجة، هما الإرهاب و”كليشيه” معاداة السّاميّة الذي تستخدمه الصّهيونيّة في العالم.

 

التّوتّر الأميركيّ – الإسرائيليّ على أبواب الانتخابات الأميركيّة ليسَ جديداً. فقد حصل ما يُشبهه لإخضاع إسحاق رابين للمجيء به إلى مؤتمر مدريد للسّلام في 1991 في ولاية الرّئيس جورج بوش الأب. ثمّ حصلَ اشتباكٌ آخر بين باراك أوباما ونتنياهو عام 2015. واليوم يتكرّر السّيناريو بين بايدن ونتنياهو. وهذا ذو دلالة بالغة على ما يُمكن تسميته بـ”الاستحالة السّياسيّة” لأن يكون هناك خمول إسرائيلي في مواجهة قيام دولة فلسطينيّة مستقلّة.

لم يعُد نتنياهو اليوم رئيس وزراء إسرائيل فحسب، بل يعمل كناشطٍ انتخابيٍّ في المعركة الرّئاسيّة الأميركيّة. وهذا ما يُقلق الحزبَ الدّيمقراطيّ والرّئيس جو بايدن.

دفعَ كلام نتنياهو الأخير الإدارة الأميركيّة إلى تجنّب دعوته إلى البيت الأبيض، أقلّه حتّى السّاعة، وذلكَ في إطار سياسة عزل نتنياهو أمام الرأي العامّ الإسرائيليّ في حال اختار “بي بي” التصويب على سيّد البيت الأبيض من على منبر الكونغرس. تماماً كما حصلَ أواخر ولاية أوباما الثّانية.

نتنياهو

في السّياق بدأ الرّئيس الأميركيّ هجوماً مُعاكساً على نتنياهو ظهرت مؤشّراته في محطّات عديدة، ويطمحُ من خلاله أن يكبح جِماح رئيس الوزراء الإسرائيليّ الذي يعرفُ جيّداً طبيعة الانتخابات الأميركيّة وكيفيّة التأثير في النّاخبين الإنجيليّين.

كما أنّ التجاذب بين بايدن ونتنياهو وصلَ إلى صفقة تبادل الأسرى، حيث كانت القاهرة والدّوحة تجريان اتصالات مُكثّفة بعيداً عن الإعلام مع قيادة حماس، حتّى جاءَ كلام نتنياهو في التصويب على مبادرة بايدن.

سَمِعَ الأميركيّون والإسرائيليّون من المصريين والقطريين كلاماً واضحاً مُفاده أنّ كلام نتنياهو أضرّ بكلّ الجهود التي تبذلها العاصمتان العربيّتان

بدأ نتنياهو خوضَ غمار الانتخابات الأميركيّة عبر مساريْن:

الأوّل: حين انتقَدَ إدارة بايدن، واتّهمها بـ”تأخير شحنات الأسلحة والذّخائر” لحسم المعركة ضدّ الجناح العسكريّ لـ”حماس”. هذا استدعى ردوداً أميركيّة من الدّوائر المعنيّة: الأمن القوميّ، وزارة الخارجيّة، وحتّى وزارة الدّفاع، ووصلَ الأمر حدّ بثّ أنباء عن إلغاء اجتماعٍ أميركيّ – إسرائيليّ حول البرنامج النّوويّ الإيرانيّ. كذلكَ ألقتَ هذه المسألة بظلالها على اجتماع نتنياهو وآموس هوكستين الأسبوع الماضي، حيث كان اللقاء متوتّراً بسبب مواقف رئيس الحكومة الإسرائيليّة.

الثّاني: حينَ تنصّلَ نتنياهو من “مبادرة بايدن” لتبادل الأسرى ووقف إطلاق النّار في غزّة، أثناء إطلالته الإعلاميّة الأولى منذ 7 تشرين الأوّل الماضي عبر شاشة “القناة 14” الإسرائيلية اليمينيّة. يعرفُ نتنياهو أنّ هذه المُبادرة هي الورقة الوحيدة في يدِ الرّئيس الأميركيّ اليوم ليُحقِّقَ تقدّماً في السّياسة الخارجيّة بعد سلسلة إخفاقاتٍ في كلّ ملفّاتها بدءاً من الحربِ في أوكرانيا وتداعياتها على أوروبا إلى الشّرق الأوسط مروراً بمواجهة النّفوذ الصّينيّ في آسيا ومعالجة قضيّة البرنامج النّوويّ الإيرانيّ.

تنصّل نتنياهو من مبادرة بايدن، بقوله إنّه فقط يريد استعادة الأسرى لسيستكمل الحرب بعدها. دفع الإدارة الأميركيّة إلى العمل على مستويات داخليّة وخارجيّة. يقول مصدر في مكتب الأمن القوميّ الأميركيّ لـ”أساس” إنّ واشنطن سارعَت للتواصل مع المعنيّين في تل أبيب وأسمَعتهم رسائل “قاسية” حول كلام نتنياهو. كما تواصلَ مدير وكالة الاستخبارات المركزيّة CIA وليام بيرنز مع نظيره المصريّ اللواء عبّاس كامل ورئيس الوزراء القطريّ الشّيخ محمّد بن عبد الرّحمن آل ثاني. واعتبر الموساد أنّ كلام نتنياهو موجّه لليمين الإسرائيلي، وهو للاستهلاك الدّاخليّ فقط.

كانَ الغرض من تواصل واشنطن مع القاهرة والدّوحة هو إبلاغ حركة “حماس” أنّ البيت الأبيض يواصل ضغوطه على نتنياهو للمُضيّ في الصّفقة، وأنّ المعنيين في الموساد الإسرائيليّ أبلغوا واشنطن أنّ تل أبيب لا تزال موافقة على صفقة بايدن، بمعزل عن كلام رئيس الحكومة.

رأى فريدمان أنّ إسرائيل بحاجة إلى حكومة معتدلة واقعية يمكنها أن تخرجها من هذه الأزمة المتعدّدة الأوجه

سَمِعَ الأميركيّون والإسرائيليّون من المصريين والقطريين كلاماً واضحاً مُفاده أنّ كلام نتنياهو أضرّ بكلّ الجهود التي تبذلها العاصمتان العربيّتان لمحاولة تليين شروط حماس للموافقة على الصّفقة، وأنّ كلام نتنياهو أكّد صحّة الضّمانات التي طلبتها الحركة في ورقة ملاحظاتها على “صفقة بايدن”، خصوصاً ما يتعلّق بالانتقال من المرحلة الأولى (تبادل الأسرى) إلى المرحلة الثّانية (وقف إطلاق النّار).

واشنطن تضغط..

كلام نتنياهو لم يكن من فراغ. فهو يعلم أنّ بايدن سيفعل ما في وسعه للتأثير على كلمته المُرتقبة أمام الكونغرس. قبل كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي وبعده، كانت الإدارة الأميركية تتحرّك على أكثر من صعيد لزيادة الضّغوط على “الحليف اللدود”.

شهِدَ الأسبوع الماضي عدّة أحداث تُؤكّد أنّ واشنطن تُحاول حصار نتنياهو قبل يوم الرّابع والعشرين من تمّوز المُقبل.

أوّلها: الخلاف الذي ظهر إلى العلن بين المُؤسّسة العسكريّة الإسرائيليّة ونتنياهو. إذ خرج المُتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ دانييل هغاري ليقول إنّ “القضاء على حماس مستحيل، فهي فكرة، والواقع يؤكّد أنّ استخدام القوّة ليسَ كافياً لتحرير الرّهائن، بل عبر صفقة تبادلٍ للأسرى”.

كانَ الجيش يقول بشكلٍ واضح لرئيس الوزراء إنّ عليه المُضيّ قُدماً في الموافقة على صفقة بايدن كاملة (التي صاغتها المؤسّسة العميقة الإسرائيليّة، وفي مقدّمها الجيش). لكنّ الأهمّ أنّ كلام الجيش كان يُعرّي الأهداف التي وضعها نتنياهو لحربه على قطاع غزّة. وهُنا مكمن الخطر. إذ إنّ تعرية الأهداف من واقعيّتها من شأنها إلحاق الهزيمة السّياسيّة برئيس الوزراء.

الخلاف بين نتنياهو والجيش ليسَ محصوراً في هذا التّصريح. إذ كانَ رئيس الوزراء قد قالَ كلاماً ليسَ تفصيلاً: “إسرائيل هي دولة لديها جيش، وليسَت جيشاً لديه دولة”. هذا الكلام يمسّ بشكلٍ مُباشر طبيعة الكيان العبريّ، الذي نشأ جيشه قبل إعلان ديفيد بن غوريون “قيام دولة إسرائيل” في 1948.

يقول مصدر في مكتب الأمن القوميّ الأميركيّ لـ”أساس” إنّ واشنطن سارعَت للتواصل مع المعنيّين في تل أبيب وأسمَعتهم رسائل قاسية

بين سطور كلام نتنياهو أيضاً أنّه لا يريد أن يكون إيهود أولمرت الثاني. وذلكَ لجهة تسليم الجيش زمام الأمور في الحرب، كما فعل أولمرت ووزير دفاعه عمير بيرتس في حرب تمّوز 2006.

ثانيها: التظاهرات التي عمّت شوارع المُدن المُحتلّة في تل أبيب والقدس وحيفا وبئر السّبع يوم الأحد الماضي. هذا التحرّك هو الأكبر منذ التّظاهرات التي نادت بإسقاط حكومة نتنياهو قبل 7 تشرين الأوّل. وفي العُمقِ، كانَ أهالي العسكريين الأسرى لدى حماس هم عِماد هذا الحراك إلى جانب أحزاب المُعارضة المُقرّبة من واشنطن مثل حزب العمل، و”يشعتيد” الذي يرأسه زعيم المُعارضة يائير لابيد.

ثالثها: زيارة وزير الدّفاع يوآف غالانت لواشنطن. إذ تزامنت الزّيارة مع التّظاهرات المُعارضة لنتنياهو، وكان لافتاً ما نقلته وسائل الإعلام العبريّة عمّا سمّته مصادر مُقرّبة من غالانت عشيّة توجّهه إلى واشنطن: “كلام نتنياهو يضرّ بعلاقتنا الاستراتيجيّة مع الولايات المُتحدة”.

غالانت وزير من حصّة حزب الليكود الذي يرأسه نتنياهو. لكنّ الأهمّ أنّ غالانت عسكريّ بالدّرجة الأولى، وهذا ما دفعه إلى أن يكونَ أقربَ إلى واشنطن منه إلى نتنياهو. وقد تجلّى هذا الأمر في تصويت غالانت ضدّ قانون “منع تجنيد الحريديم في الجيش الإسرائيليّ”، الذي بذل نتنياهو جهده لإقراره في الكنيست، وأدّى إلى تباينٍ واسعٍ بين المؤسّسة العسكريّة ونتنياهو.

كذلك لا ينبغي إغفال الشّكل الذي استقبِلَ به وزير الدّفاع في واشنطن. إذ غادرَ إلى العاصمة الأميركيّة على متن طائرة خاصّة تابعةٍ لوزارة الخارجيّة الأميركيّة، ولم يستعمل طائرة حكوميّة إسرائيليّة. وهذا بحدّ ذاته إشارة واضحة من واشنطن إلى أنّها تتبنّى غالانت، وأنّ الأخير يقول لنتنياهو إنّه مع الجيش وواشنطن قبل أن يكونَ وزيراً ليكوديّاً.

لم يكنُ غالانت وحده “الليكوديّ” الذي انتقد نتنياهو. إذ برزَ كلامٌ لرئيس الموساد السّابق يوسي كوهين يقول فيه إنّ “السّياسة التي ينتهجها رئيس الوزراء ستعيد اليهود إلى بولندا وأميركا وبريطانيا، هذا إن استقبلونا”.

تنصّل نتنياهو من مبادرة بايدن، بقوله إنّه فقط يريد استعادة الأسرى لسيستكمل الحرب بعدها

كذلكَ ما قاله “الليكوديّ” رئيس لجنة الخارجية والأمن بالكنيست الإسرائيلي يولي إدلشتاين: “لن ننتصر على حركة حماس دون إعادة الأسرى كافة، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدرك أنّه لا يمكن الحديث عن انتصار كامل وتدمير حماس دون إعادة الأسرى”.

رابعها والأهمّ: انتقلَ الخلاف إلى صفوف الجالية اليهوديّة في واشنطن. وهي الجالية التي يعتمدُ عليها أيّ رئيس وزراء إسرائيليّ لتغطية حروبه. ليسَ تفصيلاً عابراً على الإطلاق ما دعا إليه السّفير الأميركيّ الأسبق لدى تل أبيب مارتن إنديك من سحب دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إلقاء خطاب أمام الكونغرس، وذلك حتى يعتذر عن اتّهامه إدارة الرئيس جو بايدن بحجب الأسلحة عن إسرائيل. كما شدّد على أنّ نتنياهو يهاجم الولايات المتحدة “بناء على كذبة اختلقها”.

كلام إنديك أكّده الكاتب الأميركيّ توماس فريدمان في مقالته الأخيرة في صحيفة “نيويورك تايمز”. إذ صوّبَ على نتنياهو بالقول: “إنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يجد مناصّاً من أن “يبيع ضميره” ليشكّل حكومة مع متطرّفين يمينيّين يصرّون على أنّ إسرائيل يجب أن تقاتل في غزة حتى “النصر التامّ” بقتل آخر عنصر من حماس، ويرفضون أيّ شراكة مع السلطة الفلسطينية “لأنّهم يريدون سيطرة إسرائيلية على كلّ الأراضي الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك غزة”. ووفقاً لفريدمان، فإنّ نتنياهو فعل ذلك من أجل البقاء في السلطة لتجنّب احتمال إيداعه السجن بتهم تتعلّق بالفساد.

كما انتقد فريدمان قرار رئيس مجلس النواب مايك جونسون وزملائه في الحزب الجمهوري بدعوة نتنياهو إلى إلقاء كلمة أمام جلسة مشتركة بالكونغرس يوم 24 تموز المقبل. وأشار إلى أن الهدف غير المعلن من هذه الدعوة هو إحداث شرخ بين أنصار الحزب الديمقراطي من شأنه أن يُنَفِّر الناخبين والمانحين اليهود الأميركيين ويجعلهم يتحولون إلى التصويت لصالح دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية.

لم يعُد نتنياهو اليوم رئيس وزراء إسرائيل فحسب بل يعمل كناشطٍ انتخابيٍّ في المعركة الرّئاسيّة الأميركيّة. وهذا ما يُقلق الرّئيس جو بايدن

رأى فريدمان أنّ إسرائيل بحاجة إلى حكومة معتدلة واقعية يمكنها أن تخرجها من هذه الأزمة المتعدّدة الأوجه، لافتاً إلى أنّ ذلك لن يتحقّق إلا بإطاحة نتنياهو من منصبه بانتخابات جديدة.

إقرأ أيضاً: من الدّوحة والنّصيرات إلى نيويورك.. تفاوض بالنّار؟

يُحاول نتنياهو أن يُحاصرَ بايدن. ويحاول الأخير أن يلتفّ على رئيس الوزراء الإسرائيليّ. في الظّاهر خلافات شخصيّة بين رجليْن لا يتبادلان “الكيمياء”. لكنّ الأمر في العُمقِ معركة المُستقبل السّياسيّ لكِلا الرّجليْن، فصار الكباش السّياسيّ بينهما على قاعدة last man standing، أي من يبقى واقفاً على قدميه هو المُنتصر.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@IbrahimRihan2

مواضيع ذات صلة

مجلس الوزراء يعيّن مجدّداً اللواء عودة… باقتراح من وزير الدّفاع؟

يحرص النائب السابق وليد جنبلاط على “الصيانة الدورية” لتموضعه الأخير إلى جانب خطّ المقاومة مع “صديقه” الرئيس نبيه بري. في جلسة يوم الأحد غاص الطرفان…

برّي يلمّح لـ “باكج” رئاسيّ – حكوميّ!

يحاول رئيس حزب القوات اللبنانية إحراج الرئيس نبيه برّي الذي لا يوافق على الحوار إلا بحضور سمير جعجع، لكنّ الأخير أفتى بمعادلة: “تحاوروا وحين تنتهون…

قاآني تفقّد الجبهات المساندة: التصعيد مستمرّ لما بعد 24 تمّوز

لماذا زار قائد فيلق القدس اللواء إسماعيل قاآني لبنان واليمن والعراق؟ وما هو الهدف من هذه الزيارة؟ وهل وصل إلى جبهة جنوب لبنان على خطوط…

تل أبيب مقابل الجميجمة: المدنيّون مقابل العاصمة؟

هي ساعات قليلة بين تهديد أطلقه الأمين العام للحزب، وبين تنفيذه. فقد ردّ على اعتداءات إسرائيل بضرب مستوطنات جديدة: أيبريم ، ونيفيه زبف، ومتوت. وذلك…