الحزب ومغامرة غزة

يخوض الحزب الحرب الأطول والأشرس مع إسرائيل، منذ تأسيس نواته الأولى إبّان الاجتياح الإسرائيلي للبنان في صيف 1982. والجديد كذلك أنّها الحرب الهجومية الأولى من نوعها، لأنّها لا تستهدف تحرير أرض لبنانية بحسب الخطاب المعلَن لأمينه العامّ، بل هي هجوميّة في الشكل دفاعية في المضمون، ولأجل إسناد المقاومة في قطاع غزة، عبر إشغال العدوّ وإقلاقه واستنزافه نفسيّاً واقتصادياً وعسكرياً. وفي الأُطر الضيّقة التي اعتمدتها قيادة الحزب، وتقيّدت بها حرفيّاً، تظلّ مغامرة شديدة الخطورة. لكن بغضّ النظر عن توسّع نطاق الحرب أم لا، إلّا أنّ المعركة الإسناديّة مرتفعة الكلفة مادّياً وبشريّاً، والأهمّ أنّها ستكون مكلفة سياسياً واستراتيجياً، إن لم تؤدّ المطلوب منها، وهو وقف الحرب في غزة، ومنع هزيمة حماس. وهنا أهمّية سبْر المواقف السياسية في الداخل اللبناني لاستشراف الصعوبات أو المكاسب بالنسبة للحزب حتى قبل انتهاء الحرب.  

 

مواقف الطّوائف من الحرب

إنّها مغامرة من وجوه عدّة، فلا يوجد إجماع وطني في لبنان على خوض حرب ضروس مع إسرائيل، بالنظر أوّلاً، إلى الاهتراء الفادح في بنى الدولة ومؤسّساتها منذ بدء الانهيار الماليّ والنقدي أواخر عام 2019، وكذلك إلى تبدّل المزاج الرسمي العربي، لا سيما الخليجي، بإزاء لبنان، منذ 15 سنة تقريباً، وإن لم يكن آنذاك ظاهراً. والأخطر من ذلك أنّ الولايات المتحدة وحلفاءها يتبنّون دعم إسرائيل حتى الهزيمة الكاملة لحماس، وهو ما يعني أنّ الحزب يواجه هذا الجزء من العالم بشكل مباشر، مع ما لذلك من تداعيات وإمكانيات في الوقت نفسه، لو اختار الحزب قبض الثمن في الداخل اللبناني والتخلّي عن غزة. أمّا مواقف الطوائف وأحزابها، فمتباينة كالعادة في أيّ صراع مع إسرائيل.

يدرك الحزب أنّ هذه الحرب في الجنوب غير شعبية عند الشيعة، وقد تكون شعبيّتها أكبر عند السُّنّة لارتباطها بالحرب الدائرة في غزة

المسيحيون إجمالاً باتوا بمجملهم بعيدين عن التضامن مع الحزب بمن فيهم التيار الوطني الحرّ الحليف الوثيق السابق، الذي نأى بنفسه هذه المرّة عن اتّخاذ موقف مماثل إبّان حرب تموز 2006، لأسباب سياسية وشخصية. أمّا الطوائف الإسلامية، فهي متعاطفة عموماً، تعاطفها مع غزة وأهلها الذين يلاقون الموت من دون حدود. التعاطف هنا، هو إنساني أكثر بكثير من كونه تعاطفاً مع حركة حماس، وإن كان الإعجاب منتشراً في البيئة الإسلامية، خاصة ببطولات المقاومين، كما هو منتشر كثيراً في أنحاء العالم. وهنا ينبغي التفصيل قليلاً في الموقفين الشعبيَّين السنّي والشيعي، لبالغ أهمّيتهما في رصد موقف البيئة الشعبية الأقرب إلى التعاطف مع غزة، وتبيان حجم المغامرة التي يقوم بها الحزب.

غزة

– قلوب أهل السنّة في لبنان، مع أهل غزة وضدّ إسرائيل. لكنّ عقول بعضهم لم تنسَ بعد الدور الإيراني ضدّ السُّنّة في أفغانستان والعراق وسوريا، ويعتبرون أنّ طوفان الأقصى هو خدعة إيرانية، لتوريط آخر حركة مسلّحة سنّية في صراع مدمّر ضدّ أقوى دول العالم، إلى أن يُقضى عليها، لأنّ أميركا وحلفاءها يدعمون إسرائيل بكلّ قوّة، وبكلّ ما يملكونه من أسلحة وموارد وإمكانيات ومعلومات. ويقول هؤلاء إنّ إيران خدعت حماس، ثمّ تركتها تقاتل وحدها، وإنّ معركة الحزب في الجنوب على الرغم من سقوط مئات المقاتلين منهم، وفيهم قادة ميدانيون لا يمكن تعويضهم بسهولة، هي مجرّد استعراض. وإن لم تكن ثمّة إحصاءات دقيقة وموثوقة متاحة في هذا المجال، حتى نعلم حجم المتشكّكين السُّنّة بدوافع إيران والحزب في هذه الحرب.

 بحسب إحصاء “البارومتر العربي”، يبدو أنّ 36% من اللبنانيين ينظرون إلى دور إيران بشكل إيجابي، وهو ما يعني أنّ هذه النظرة الإيجابية لا تجد رواجاً عند غير الشيعة، وأنّه حتى الذين يقدّرون بإيجابية إسناد الحزب لغزّة، لم يمنحوا إيران نظرة إيجابية بما يتوازى مع الموقف الإيراني السياسي الداعم لغزة، ربّما لأنّ الدولة الإيرانية جهدت بكلّ عزم على إبعاد كأس الحرب الإقليمية عنها وعن الحزب في لبنان، واكتفت بالتكتيكات الحالية لقوى وحدة الساحات.

قلوب أهل السنّة في لبنان، مع أهل غزة وضدّ إسرائيل. لكنّ عقول بعضهم لم تنسَ بعد الدور الإيراني ضدّ السُّنّة في أفغانستان والعراق وسوريا

بالمقابل، هناك اتجاه متزايد لدى السُّنّة نحو تأييد ضربات الحزب ضدّ المواقع الإسرائيلية، من أجل رفع بعض المعاناة عن إخوانهم في القطاع، ودون أن يعني ذلك تأييداً على بياض للحزب. لكن يمكن القول إنّ الفجوة ضاقت كثيراً بين المزاج السنّيّ في لبنان والبيئة السياسية الشيعية، وبدأ هذا قبل سنوات، وتعزّز الاتّجاه كثيراً. وهذا الأمر لم يلحظه بعناية كثير من أنصار ثورة الأرز لعام 2005، إلا قلّة قليلة من أصحاب التحليل الموضوعي.

– قلوب شيعة لبنان مع غزة، لكنّ عقولهم في مكان آخر، وبطريقة مختلفة عن المزاج السُّنّي. الموقف الشعبي الشيعي من الحرب الدائرة في الجنوب أكثر تعقيداً، إذ من المؤكّد أنّ الغالبية العظمى من الشيعة اللبنانيين متمسّكة بخيارات الحزب في الداخل، ومؤيّدة لإيران، ولمحور المقاومة عموماً. لكنّ ثمّة مشكلة ضمنيّة في ثنايا هذا الموقف العامّ، وهو وجود نوع من التململ والتساؤل من خوض الحزب هذه الحرب “من أجل الآخرين”، أي حماس، مع طرح السؤال: لماذا يربط الحزب وقف الحرب بمصير الحرب في غزة؟ بمعنى أنّ يحيى السنوار أضحى يملك قرار الحرب والسلام في غزة وفي لبنان أيضاً. وهذا الكلام يتردّد بين الناس، ويظهر على سحنات الوجوه. لسان الحال يغني عن المقال، فيما ثمن هذه المغامرة حتى الآن تدمير منازل ومؤسّسات، وحرق أشجار وخسارة استثمارات، فيما المعركة غير وجودية لشيعة لبنان. وقد يكون الثمن أعلى وأخطر بكثير، فيما لو سارت الرياح بغير ما تشتهي السفن.

موقف الحزب

يدرك الحزب أنّ هذه الحرب في الجنوب غير شعبية عند الشيعة، وقد تكون شعبيّتها أكبر عند السُّنّة لارتباطها بالحرب الدائرة في غزة. لكنّه مع ذلك، رفض كلّ العروض الخارجية المُغرية لوقف الحرب وفصل المسار اللبناني عن المسار الفلسطيني. وهذه الفرصة إن ذهبت فلن يأتي مثلها بعد انجلاء الغبار. موقفه نابع من منطلقات مبدئية واستراتيجية في الوقت نفسه. حركة حماس حليفة للحزب، وعلاقتها جيّدة جداً مع إيران، وتلقّت الدعم منها سنوات خلت.

هناك اتجاه متزايد لدى السُّنّة نحو تأييد ضربات الحزب ضدّ المواقع الإسرائيلية، من أجل رفع بعض المعاناة عن إخوانهم في القطاع

وعلى هذا، لا يمكن الحزب التخلّي عنها، حتى لو أنّ السنوار أشعل الحرب دون تنسيق مع الحزب، على الأقلّ في اختيار التوقيت مسبقاً، للتحضير والتمهيد. ومن ناحية ثانية لا تقلّ أهمّية، وهي أنّ خسارة حماس في غزة خسارة استراتيجية لمحور المقاومة، بل لجدوى فكرة المقاومة، وهو ما يرتدّ سلباً على الحزب نفسه، لا سيما أنّ الاستراتيجية القائمة على تخزين الصواريخ بمدياتها المختلفة، ثمّ تطوير سلاح المسيّرات، هي جوهر الاستعدادات الجارية منذ سنوات. فإن فشلت هذه الاستراتيجية في تحقيق انتصارات تكتيكية على الأقلّ، بمعنى إنهاك إسرائيل واستنزافها إلى أن تفقد إرادة القتال، فأيّ استراتيجيةيمكن الاعتماد عليها في قابل الأيام والسنوات؟

إقرأ أيضاً: المعركة الأشرس بعد غزّة

بل إنّ هزيمة المحور ستترك فراغاً يملؤه من لا يرى جدوى من القتال أصلاً، ويفضّل السعي إلى نيل الحقوق الفلسطينية ولو بالتفاوض المملّ لعقود أخرى مع طرف لا يعترف أصلاً بوجود شعب فلسطيني يملك حقّ البقاء على أرضه، فضلاً عن حقّ العودة إليها.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@HishamAlaywan64

مواضيع ذات صلة

تجميد “قانون قيصر”: بايدن “ينفتح” على الأسد؟

في السابع عشر من حزيران الفائت، انقضت خمس سنوات على إقرار الكونغرس الأميركي قانون “قيصر” القاضي بحماية المدنيين في سوريا وتشديد الحصار الاقتصادي على نظامها….

تآكل الشّعبيّة والضّيق بالمعارضين يدفعان غزّة ورام الله للمصالحة؟

بات الحديث عن المصالحة بين حركتَي “فتح” و”حماس” مملّاً لدى العديد من أوساط الفلسطينيين والعرب. عند هذه الأوساط يتساوى امتناع قيادة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية…

انقلاب ماكرون: هل يشكّل الحكومة… بعد رئاسة البرلمان؟

دورةً، فاثنتين، فثلاثاً، واقتراعاً، فاثنين، فثلاثة تطلّب انتخاب رئيسة الجمعيّة الوطنيّة في فرنسا. هذا ما كان متوقّعاً في برلمان لا غالبيّة نسبيّة فيه ولا مطلقة…

ثلاث طائرات إلى ثلاثة اتّجاهات

ثلاث طائرات في سماء الشرق الأوسط ستساهم في بناء صورة “اليوم التالي” في المنطقة. واحدة سيستقلّها بنيامين نتنياهو، والثانية سيستقلّها وفدان، واحد من حركة “حماس”…