“يوروفيجين” تفوز بلقب السياسة وتخسر مصداقيّتها

2024-05-11

“يوروفيجين” تفوز بلقب السياسة وتخسر مصداقيّتها

مدة القراءة 7 د.

تعود مسابقة “يوروفيجين” الموسيقية المفترض أنّها “غير سياسية”، إلى إثارة الجدل السياسي مجدّداً حول خلفيّة مشاركيها وجنسيّاتهم وطبيعة أغانيهم ككلّ عام.

 

تحدّت المسابقة التي ينظّمها سنوياً “اتّحاد البثّ الأوروبي” اليوم آلاف الفنّانين وملايين البشر من جميع أنحاء العالم المناصرين للقضية الفلسطينية، الداعين إلى استبعاد إسرائيل من المسابقة، في ظلّ الإبادة الجماعية التي ترتكبها في غزّة المدانة من حكومات مختلفة ومن المحكمتين الدولية والجنائية والأمم المتحدة. إذ أهّلت المرشّحة الإسرائيلية إيدن غولان للتصفية النهائية للمسابقة التي ستقام مساء اليوم السبت في مدينة مالمو السويدية التي بدت محاصرةً شوارعُها الآمنة في اليومين الماضيين. ويبدو أنّ الدولة السويدية المعروفة تاريخياً بمواقفها المسالمة والتي تحتضن كثيراً من العرب والفلسطينيين منذ 1948، كانت مستعدّة لكلّ هذا “الحصار” أو الاستنفار والتأهّب.

مئات من رجال الشرطة منتشرون في الشوارع بشكل كثيف، طائرات الهليكوبتر تحلّق في السماء، المركبات المدرّعة في زوايا الطرقات… كلّ ذلك لأجل مسابقة موسيقية واحتجاجات شعبية لمواطنين سويديّين وآخرين آزروهم من فنلندا والنرويج والدول القريبة على مشاركة إسرائيل في المسابقة، واحتجاجات للجالية اليهودية في الجهة المقابلة لدعم المرشّحة.

الموسيقى تعلن براءتها

هل كانت السويد مضطرّة إلى كلّ هذا التأهّب العسكري وقمع المتظاهرين وتعريض بلادها لأجواء حذرة، وهي تعلم أنّ هذه المسابقة ستجلب لها الجلبة؟

هل تعي إدارة “يوروفيجين” حجم الخسارة المعنوية التي لحقت بها، بعد تعنّتها وعدم منع إسرائيل من المشاركة كما فعلت مع روسيا في عام 2016. ألا يزال في هذه المسابقة التي تدّعي عفّة الحوار والسلام، مكان للموسيقى حقّاً؟ ألم تلاحظ إدارة اتّحاد البثّ الأوروبي أنّ هذه المسابقة التي تنظّمها فشلت في تحقيق أهدافها، كما فقدت مصداقيّتها؟

تعود مسابقة “يوروفيجين” الموسيقية المفترض أنّها “غير سياسية” إلى إثارة الجدل السياسي مجدّداً حول خلفيّة مشاركيها وجنسيّاتهم وطبيعة أغانيهم ككلّ عام

الموسيقى نفسها بريئة من مسابقة “يوروفيجين” لأنّها أصبحت منتهكة وجرّدوها من قيمتها الفنّية والإنسانية.

ثم أين هي المعايير التي يحاسَب على أساسها المغنّي في ما يتّصل بجودة الأغنية والإبداع واللحن والأداء؟ الموسيقى حرّية، ومسألة حرّية التعبير هي اليوم أساس لكلّ سياسة ولكلّ إنسان. الموسيقى تجمع حول نغماتها كلّ كائن حيّ من دون استئذان.

صُدف أم معايير منحازة؟

ليس المطلوب من اتّحاد البثّ الأوروبي أن يدعم الجماعات المصنّفة إرهابية وعليها عقوبات، ولا أن يكون طرفاً في الحرب، بل من المنطقي أنّ من ينظّم مسابقة “لتعزيز التفاهم بين الشعوب” أن يبتكر طريقة لإيقاف الحرب وأن يتّخذ موقفاً ضدّ قتل الأبرياء. المتظاهرون في مالمو وغيرهم في بلدان العالم يطالبون المسابقة أن تتّخذ موقفاً تاريخياً كما فعلت مع أوكرانيا، وأن تناصر المظلومين وأن تكون مع الحرّية ومع حقوق الإنسان ومع حرّية التعبير ومع القيم الإنسانية التي ترفض الإبادة الجماعية والتي ينادي بها الاتحاد الأوروبي.

يوروفيجين

لم تعد هذه مسابقة، بل خطر أمنيّ متنقّل… فقد باتت تهدّد كلّ بلد يستضيفها. فلم ينسَ الناس بعد ماذا حصل عندما أُجريت المسابقة في تل أبيب في 2019، حيث تظاهر مناصرو القضية الفلسطينية في فلسطين المحتلّة وفي بلدان عربية وغربية عدّة، لكن لم تكن الحال كما هي عليه اليوم في غزة. ولا يزال متابعو المسابقة يتذكّرون حين رفعت فرقة “هاتاري” الأيسلندية لافتات مؤيّدة لفلسطين أمام الكاميرا في بثّ مباشر. حينها اضطرّت هيئة الإذاعة الأيسلندية دفع غرامة ماليّة قدرها 5,000 يورو لاتّحاد البثّ الأوروبي.

الموسيقى نفسها بريئة من مسابقة “يوروفيجين” لأنّها أصبحت منتهكة وجرّدوها من قيمتها الفنّية والإنسانية

لكن في الوقت نفسه تتعامل هيئة البثّ الأوروبي مع بلدان أخرى بمكيال آخر. روسيا مثلاً اعترضت على أغنية “1944” لممثّلة الدولة الأوكرانية في المسابقة (جمالا)، في عام 2016. وتحكي الأغنية قصّة تهجير سكّان شبه جزيرة القرم تحت حكم ستالين. وردّ اتّحاد البثّ الأوروبي أنّ الأغنية لا تتعلّق بالسياسة بل بتاريخ عائلة المتسابقة. ونجحت جمالا في الفوز بلقب مسابقة الأغنية الأوروبية. فهل كلّ ذلك صدف أم “معايير موسيقية غير سياسية”؟

علاقة متينة بإسرائيل

المسابقة التي أُسّست في عام 1956 بعد حوالى 11 سنة من انتهاء الحرب العالمية الثانية، بهدف “تعزيز التفاهم بين الشعوب” الأوروبية على الأرجح لأنّها كانت متناحرة حتى النخاع وهجّرت وقتلت الآلاف ومنهم اليهود الذين نكّل بهم أدولف هتلر، لم تنجح في تحييد المشاركين فيها عن السياسة، كما لم تنجُ أيّ فعّالية أو مهرجان عالمي مثل الأوسكار وكان وفينيسيا وغيرها من فصل الفنّ عن السياسة.

لكنّ المستغرب أنّ “يوروفيجين” تربطها علاقة وثيقة بإسرائيل منذ 1973. يوم أصبحت أوّل دولة غير أوروبية يُسمح لها بالمشاركة في المسابقة. كما أصبحت إسرائيل عضواً في اتحاد البثّ الأوروبي الذي يضمّ حالياً 68 هيئة بثّ في 56 دولة في أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط.

إسرائيل ليست الدولة الوحيدة غير الأوروبية المشاركة في المسابقة، إذ تشارك فيها أيضاً أرمينيا وأذربيجان وأستراليا وبيلاروسيا التي “نُفيت واستُبعدت” عن المسابقة لقمع حرّية التعبير والإعلام. صحيح أنّ بيلاروسيا فعلت ذلك، لكنّ إسرائيل التي قتلت 34 ألف فلسطيني في غزة وقمعت الإعلام وأقفلت محطّات وقتلت صحافيين…. أفلا تستحقّ الطرد والنفي والاستبعاد؟ لا، فإسرائيل تُكافأ بالفوز 4 مرّات بالمركز الأوّل في “يوروفيجين”، ومرّتين بالمركز الثاني، ومرّتين بالمركز الثالث. وإسرائيل لم تحلّ ولا مرّة في المرتبة الأخيرة…. فهل ذلك صُدف؟

ليس المطلوب من اتّحاد البثّ الأوروبي أن يدعم الجماعات المصنّفة إرهابية وعليها عقوبات، ولا أن يكون طرفاً في الحرب

هل تحمل إسرائيل لقب “يوروفيجين” في نسحتها الـ 68. كما تحمل في رقبتها دم أكثر من 34 ألف قتيل وملايين النازحين والجياع والمرضى والجرحى والأيتام والمصابين وآلاف المعتقلين والمعوّقين؟ هذا ما عدا الذين قتلتهم منذ عام 1948. الإجابة عند لجنة تحكيم المسابقة التي لطالما أخفقت وغلّبت الأهواء السياسية على الفن!

إقرأ أيضاً: “عرس” وجدي معوّض في بيروت… يا فرحة ما تمّت

56 سنة من الخداع الفنّيّ

حسناً فعل الناشطون في مالمو المؤيّدون للقضية الفلسطينية ومعهم الفنّانون من مختلف أنحاء العالم، لرفضهم مشاركة إسرائيل. ولفت نظرنا إلى أنّ هذه المسابقة التي تدّعي العفّة لطالما كانت تُقدّم السياسة على الموسيقى. فقد ذكر تلفزيون “DW” أنّ السياسة اخترقت النوتات الموسيقية في 1968، حين أراد المرشّح الإسباني في المسابقة الغناء باللغة الكتالونية، فاعترض نظام فرانكو الديكتاتوري الحاكم آنذاك في إسبانيا. وكانت اللغة الكتالونية تُعتبر آنذاك لغة الحرّية والديمقراطية. وبدلاً من مشاركة ممثّل إسبانيا والغناء باللغة الكتالونية، استُبدل بممثّلة جديدة لإسبانيا أدّت أغنية بعنوان “لا لا لا”، وحقّقت الفوز…. هل هذه صدفة أيضاً؟ وهناك أحداث مماثلة تتعلّق بالصراع اليوناني التركي في عامَي 1975 و1976. كما استُبعدت جورجيا من المشاركة في 2009 على خلفيّة كلمات أغنية معادية لروسيا. وفي عام 2021، لم يُسمح لبيلاروسيا بالمشاركة بسبب أنّ الفرقة التي كانت تعتزم تمثيل البلاد. كانت تدعم بشكل واضح الرئيس ألكسندر لوكاشينكو.

إقرأ أيضاً

“عرس” وجدي معوّض في بيروت… يا فرحة ما تمّت

“في كلّ عرس إلو قرص”، كما يقول المثل اللبناني. والضمير الغائب هنا يعود إلى خطاب التخوين والكراهية والتحريض والعنف وانقسام الرأي العامّ اللبناني الذي بات…

رحيل محمود درويش: رائحة الموت تفوح من النصّ (4/4)

في الحلقة الأخيرة، نستمرّ في نشر أجزاء من كتاب “محمود درويش في حكايات شخصية”، للمناضل والسياسي والكاتب الفلسطيني نبيل عمرو. وفيها يتناول الموت الذي أحاط…

محمود درويش في رثاء ياسر عرفات (3/4)

في الحلقة الثالثة من مجموعة الأجزاء التي ينشرها موقع “أساس” عن محمود درويش. كما رآه وعرفه عن كثب السياسي والكاتب نبيل عمرو في كتابه “محمود…

أوّل الحبّ: لماذا ترك محمود درويش الحصان وحيداً؟ (2/4)

في الحلقة الثانية هذه، نستمر في نشر أجزاء من كتاب “محمود درويش في حكايات شخصية”، للمناضل والسياسي والكاتب الفلسطيني نبيل عمرو، وفيها يتناول علاقة درويش…