عبد الناصر.. سيرة المدن القتيلة

2024-05-06

عبد الناصر.. سيرة المدن القتيلة

يصعب أن يُعزى مصير منطقة معقّدة مثل الشرق الأوسط إلى أفعال أو أفكار شخص الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر حصراً. بيد أنّ تاريخ الشرق الأوسط الحديث، والبحث في أوضاعه الراهنة، لا يكتملان من دون سيرة ودور ناصر فيهما. فنفوذ الزعيم المصري الراحل شكّل تفاصيل قواعد في المشهد السياسي والاجتماعي في الشرق الأوسط. إيديولوجية الوحدة العربية التي تبنّاها، وقوميّته المتحمّسة، وسياساته الاقتصادية الرومانسية، والممارسات الأمنيّة التي أرسى تقاليدها للمقبل من العقود، أطلقت ديناميّات جارفة لا يزال تأثيرها مستمرّاً إلى يومنا هذا.

 

في هذا السياق يضيف أليكس رويل، الصحافي الأميركي المقيم في بيروت، كتابه “نحن جنودك”، إلى مكتبة ثريّة عن التاريخ السياسي المعاصر للشرق الأوسط. يقدّم رويل إعادة تقويم جذرية ونقدية لعبد الناصر. لا بصفته شخصية مركزية في تيّار مناهضة الاستعمار أو أدبيّات الوحدة العربية، أو عنواناً من عناوين تجارب التنمية في العالم الثالث، بل بصفته الأب المؤسّس للحكم الاستبدادي في العالم العربي، الذي ورثه جيل من القساة الذين بنوا على ما أرساه من أساليب القمعيّة.

يستعرض رويل هذا الجانب من سيرة عبد الناصر بتوثيق دقيق وقصص شخصية مؤثّرة وسير فرعية لحوادث وشخصيات. تختزل التكتيكات العنيفة التي استخدمها. فمن استخدامه للغاز العصبيّ في اليمن وتعذيب المعارضين السياسيين، إلى الاغتيالات التي تعود خيوطها إليه، كاغتيال الصحافي ومؤسّس جريدة “الحياة” كامل مروّة عام 1966. يرسم رويل السياقات التي أسّست لأنظمة لاحقة تعطي الأولوية للسلطة على حساب رفاهية الشعوب. ولا يتردّد رويل في وصف بعض فصول حقبة عبد الناصر بأنّها “من أحلك الفصول في تاريخ العرب الحديث”. خلافاً للكليشيهات بشأن كونه شخصية جذّابة، وإن كان كذلك بالفعل.

اختار رويل عمداً تغليب منظور نقدي على تناوله لعبد الناصر. مغفلاً الكثير من الجوانب التي أُفرط في تكرارها في سير وسرديّات أخرى، لا سيّما ما يتعلّق بإسهاماته في مجالات التعليم والإنشاءات القومية الكبرى كالسدّ العالي أو سياسات الإصلاح الزراعي.

سيرة عبد الناصر في كتاب رويل هي بهذا المعنى سيرة المدن القتيلة في العالم العربي

وكأنّ رويل لا يروي سيرة عبد الناصر وحده، بل سيرة المدن القتيلة التي أردتها الناصرية أو ورثتُها لاحقاً، لا سيما بيروت ودمشق وبغداد، وعلى نحو مختلف صنعاء وطرابلس الليبية.

بيروت والنّاصريّة

تتقدّم بيروت ما عداها من الأمثلة في هذا السياق للتأثير المَدَني السلبي للناصريّة من خلال رواية أحوال بيروت السياسية وانحيازات جزء كبير من نخبتها السياسية الثقافية المتعدّدة الديانات والمذاهب للغرب. يتلمّس القارئ عبر المصير المأساوي لكامل مروّة مصير بيروت نفسها. وكيف تحوّل مشهدها الصحافي والفكري النابض بالحياة، إلى بؤرة تتفجّر فيها الحماسة القومية العربية وتجرف معها رويداً رويداً أسس الحداثة اللبنانية الغربية.

عبد الناصر

شكّلت الناصرية نقيض بيروت، ومهّدت لتداعي الأسس الليبرالية للنظام اللبناني الهشّ. لم تنتقل الجلافة العسكرية إلى بيروت، ونجا اللبنانيون لبرهة عبر تجربة عسكرية مستنيرة عبّرت عنها حقبة فؤاد شهاب. بيد أنّ هزيمة الناصرية عام 1967 وما تلاها من صعود لتيّار الكفاح الشعبي المسلّح، عبر حركة فتح والتنظيمات الفلسطينية اليسارية، سرعان ما أخذا لبنان إلى مسارات فجّرت النظام السياسي برمّته.

كما مروّة تحضر سيرة الروائي المصري صنع الله إبراهيم وأجزاؤها المرتبطة بسجنه على يد النظام الناصري. ككناية عن فشل وعود الناصرية وتوحّش أدواتها.

تعفّن القاهرة النّاصريّة

يلتقط رويل، وإن لم يوغل في التفاصيل، المعنى العميق لباكورة أعمال صنع الله إبراهيم “تلك الرائحة” المنشورة عام 1966، (عام اغتيال مروّة). بوصفها شهادة حيّة على تعفّن القاهرة الناصريّة روحاً وعمراناً بعد الثورة.

شكّلت الناصرية نقيض بيروت ومهّدت لتداعي الأسس الليبرالية للنظام اللبناني الهشّ

القصّة، التي تدور حول سجين سياسي أُطلق سراحه للتوّ، هي قصّة القاهرة المثقلة بالوعود الذابلة والأمنيات المكسورة. مدينة مكسوّة بالكآبة والكثير من اللامبالاة والعدائية، ترزح تحت وطأة الركود واليأس. فكّر إبراهيم بروايته وهو في السجن وكتب فصولاً منها، في ظلّ مشاهداته المرعبة لمقتل رفاقه المساجين. وأبرزهم القيادي الشيوعي الكبير شهدي عطية في سجن أبو زعبل. وحين كتب اختار أسلوب النثر المقتضب، مفتتحاً نصّاً عربياً جديداً يحمل بصمات إرنست همينغواي. كأنّ ثورته على اللغة السائدة بديل موضوعي عن ثورة فاشلة واستكشاف أعمق ومجازيّ لخيبة الأمل الطاحنة التي ستتوّج بعدها بسنة في هزيمة 1967.

على النقيض من صنع الله إبراهيم، فيض من الإنتاج الفنّي الذي يعرّج عليه رويل، في سرديّته. كفيلم الناصر صلاح الدين ليوسف شاهين، وأغاني أمّ كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش في سوريا وصباح في بيروت. جُيّر كلّ ذلك لصناعة البروباغاندا الناصرية في لحظات ترهّلها، والتغطية على الواقع الفجّ الذي فضحه صنع الله إبراهيم . على الرغم من تورّطه المتقطّع في أهواء ناصرية جارفة مع آخرين من جيله والجيل السابق عليه.

الموت الذي كان من نصيب كامل مروّة. كان من نصيب رواية إبراهيم التي صودرت فور نشرها ولم يُسمح لها بالنشر كاملة. إلا بعد مرور نحو ربع قرن في هوامش الحرّية الباقية في بيروت منتصف الثمانينيات.

اختار رويل عمداً تغليب منظور نقدي على تناوله لعبد الناصر مغفلاً الكثير من الجوانب

بالتوازي مع رواية اليساري صنع الله إبراهيم، صدرت رواية نجيب محفوظ، “ثرثرة فوق النيل”. الآتي إلى نقد المجتمع الناصري وخيباته، من تجربة سياسية وفكرية في رحم الوطنية المصرية التعدّدية والليبرالية في مصر الملكية والدستورية. تقدّم رواية “ثرثرة فوق النيل” نقداً حادّاً للّامبالاة والسلبية التي طبعت الحياة السياسية والاجتماعية في مصر خلال ستّينيات القرن العشرين. تدور أحداث الرواية على مركب في النيل، وتسجّل أحاديث مجموعة من المثقّفين والصحافيين والفنّانين المحبطين. الذين يلوذون بتعاطي الحشيشة للهروب من الاضطرابات السياسية المحيطة بهم. من خلال هذه الشخصيات، يميط محفوظ اللثام عن الانفصام الفكري الأخلاقي الذي عانته النخبة المصرية، عن واقع وعود الثورة الناصرية الفاشلة.

إقرأ أيضاً: 1958، 1967، 2024

موت مروّة كان من المقدّمات التي مهّدت لموت بيروت لاحقاً، وكذا موت الوعود الناصرية كان كناية عن موت القاهرة.

سيرة عبد الناصر في كتاب رويل، هي بهذا المعنى سيرة المدن القتيلة في العالم العربي.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@NadimKoteich

مواضيع ذات صلة

لبنان يقاوم “المقاومة”… بالفرح!

يقاوم اللبنانيون بالفرح الظلم المتمثّل بربط بلدهم بحرب غزّة، وهو ظلم ليس بعده ظلم. بل هو جريمة موصوفة في غياب أيّ أفق سياسي لهذا الربط…

تركيا والحلم الأوروبيّ بعد “فاجعة” اليمين المتطرّف

وضع صعود اليمين القومي الأوروبي بعد نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة مسار العلاقات التركية الأوروبية أمام امتحان جديد أكثر صعوبة وتشدّداً، إذ سيشهد الكثير من القلق…

بيروت مدينة الأسرار: نبوءة رفيق ونداء نزار وحبّ درويش

كيفما قلّبتها حبّاً أو بغضاً أو تآمراً، هي بيروت دائماً وأبداً مدينة عصيّة على الكسر والقهر والاختزال. كم مرّة هزّها زلزال عبر التاريخ؟ كم جيشاً…

بروتوكول غولدامائير: الهدف قتل الفلسطيني وليس إنقاذ اليهودي

“تأَمَّلْ هنالِكَ أَنَّى حَصَدْتَ  رؤوسَ الوَرَى وزهورَ الأَملْ وَرَوَّيْتَ بالدَّمِ قَلْبَ التُّرابِ  وأَشْربتَهُ الدَّمعَ حتَّى ثَمِلْ سيجرُفُكَ السَّيْلُ سَيْلُ الدِّماءِ  ويأْكُلُكَ العَاصِفُ المشتَعِلْ” أبو القاسم…