اجتماع معراب: إنهاكٌ فقط أم انقسام؟

2024-04-30

اجتماع معراب: إنهاكٌ فقط أم انقسام؟

دعت القوات اللبنانية إلى اجتماعٍ للنواب والفعّاليات لاستنكار إدخال الحزب للبنان في الحروب. وطالب المجتمعون بضرورة تطبيق القرار الدولي رقم 1701، وضرورة ضبط الحدود مع سورية، وإعادة اللاجئين غير الشرعيين إلى بلادهم. يستعرض هذا المقال تطوّر مطلب إقرار الاستراتيجية الدفاعية وما آل إليه الأمر أيام رئاسة عون، وعودة المسألة إلى الاعتبار والارتفاع، وبخاصّةٍ مع اندلاع الحرب على غزة ودخول الحزب فيها.

 

وافق الحزب على القرار الدولي رقم 1701 عند صدوره عام 2006. وهو يقضي بأنّه لا قوات على الحدود لجهة لبنان حتى الليطاني إلا للجيش اللبناني والقوات الدولية. لكن بعد أقلّ من أسبوعين على نهاية حرب تموز 2006 تنكّر الحزب للقرار وعاد للحديث عن الجيش والشعب والمقاومة. أمّا الشعب فكان غائباً ولم يحضر، وأمّا الجيش فقد حضر لكنّه “شاهد ما شفش حاجة”. كما يقول المصريون، وعادت “المقاومة” للتمركز في البيوت أوّلاً، ثمّ حفرت الأنفاق، ولغّمت الحدود، في حين جرّبت القوات الدولية مراراً عبر السنين إنفاذ مهمّات حراسة الحدود. فكان “الأهالي” يتعرّضون لدوريّاتها ويسقط منهم قتلى أحياناً لأنّ “الأهالي” مسلّحون طبعاً وهم يظنّون عساكر القوات الدولية إسرائيليين!

وفي كلّ عام وفي موعد التجديد للقوات أو قبله كان مسؤولو العسكريين الدوليين يقدّمون تقريرهم لمجلس الأمن شاكين من تمدّد الحزب، ومن تجاوز الطائرات الإسرائيلية للأجواء اللبنانية. فأمّا الجهات الدولية فقد كان الإسرائيليون يشكون إليها من الانتشار الحزبي وتجاهُل القرار 1701، وأمّا الحزب فكان يقول إنّ الجيش الإسرائيلي هو الذي يخترق الحدود الدولية بطائراته.

وافق الحزب على القرار الدولي رقم 1701 عند صدوره عام 2006 وهو يقضي بأنّه لا قوات على الحدود لجهة لبنان

قوى 14 آذار والاستراتيجية الدفاعية

عندما كانت قوى 14 آذار وحكومتها تتمتّعان ببعض التأثير قبل 2006 وبعدها فقد كانت تصرّ على المثلّث: وثيقة الوفاق الوطني والدستور، وقرارات الشرعية العربية، والقرارات الدولية، باعتبار ذلك كلّه أساس بقاء النظام والدولة اللبنانيَّين. وكان المطلب العمليّ ما صار يُعرف بالاستراتيجية الدفاعية. وقد جرت مفاوضات عدّة للحوار حول هذا الموضوع، أهمّها ما جرى في القصر الجمهوري أيام الرئيس ميشال سليمان عام 2011. وكانت الأولوية يومها عدم التدخّل في سورية إذ كان الحزب يخشى أن يتحمّس شبّان السنّة بلبنان لتغيير النظام السوري. لكنْ عندما بدا في عام 2012 أنّ نظام الأسد يتعرّض للتهديد من الثوران الشعبي. قرّرت إيران دفع الحزب إلى الداخل السوري في أنحاء شتّى. وزادت أعداد “المستشارين” من الحرس الثوري، وفي مرحلةٍ لاحقةٍ شكّلت ميليشيات شيعية من باكستان وأفغانستان تحت أسماء مثل فاطميون وزينبيون للتعسكر في مدن وبلدات الحدود السورية – العراقية. في حين حلّت كتائب من الميليشيات العراقية في أنحاء مختلفة من جوار دمشق إلى الجولان.

1701

تنوّعت تعليلات الحزب وإيران للتدخّل بسورية من مكافحة الإرهاب الذاهب من لبنان إلى سورية والآتي إليه منها، ومن المؤامرة الدولية لنشر العنف ضدّ النظام “المقاوم”، فإلى صيرورة الصراع على سورية جزءاً من التنافس الدولي، ودخول الجيش الروسي إلى البلاد في 2014-2015 وتخلّي الأميركيين عن هدف معاقبة النظام بسبب الكيمياوي، والاكتفاء بحماية الأكراد بالشمال والشمال الشرقي السوريَّين، والتركيز على مكافحة الإرهاب بسورية والعراق (2015-2018).

قرار مجلس الأمن رقم 1701 ضروري التطبيق ضرورة بقاء لبنان وسلامه

مند عام 2011 حتى عام 2018 خفّت أخطار الصراع مع إسرائيل، بسبب انهماك الحزب بالحرب في سورية، وحتى انتشار الخوف في لبنان من الإرهاب الصادر منه والمصدَّر إليه (!). بيد أنّ السبب الأهمَّ لتضاؤل الدعوات إلى نزع سلاح الحزب فكان ضعف قوى 14 آذار وتشرذمها، واستيلاء الحزب على الحكومات وتعطيلها، ثمّ مجيء الجنرال عون إلى الرئاسة، وقد كان داعماً للحزب وسلاحه. وعد عون ثلاث مرّاتٍ على الأقلّ خلال سنواته الستّ الطويلة بمطالبة الحزب بالاستراتيجية الدفاعية. لكنّه كان يفعل خلاف ذلك فيقول بالداخل والخارج إنّ الحزب لا يستخدم سلاحه بالداخل، وإنّ سلاحه ضروري لأنّ الجيش ضعيف.

ما انتظر أحد الحرب أو توقعها

توالت بعد كورونا الأحداث التي صرفت الانتباه لبعض الوقت، مثل الانهيار الاقتصادي واحتجاز الودائع لدى البنوك، والثورة التشرينيّة، وانفجار المرفأ، وتظاهرات الحزبيين ضدّ التحقيق في جريمة المرفأ… إلى أن انفجرت دعوة البطريرك الراعي إلى الحياد، وسط هموم الانتخابات النيابية، والشغور في الرئاسة.

ما انتظر أحدٌ الحرب أو توقّعها. ففي عامَي 2022 و2023 جرت مفاوضات الحدود البحرية بين الحزب وإسرائيل بواسطة المبعوث الأميركي هوكستين والرئيس نبيه بري، كما كانت العلاقات الأميركية – الإيرانية تتقدّم وجرى تبادُلٌ للسجناء، ووافقت الولايات المتحدة على فكّ الاحتجاز عن بعض المليارات لإيران. إنّما الذي أثار الشكوك بعض الشيء عام 2023 كثرة حديث زعيم الحزب عن وحدة الساحات، وكثرة زيارات المسؤولين الإيرانيين للبنان. فكنت تارةً أذهب إلى أنّ المراد أن يشنّ الحزب هجوماً على إسرائيل مثل عام 2006، وكنت تارةً أخرى أحسب أنّ حماساً هي التي ستبادر للهجوم وأنّ الحزب والإيرانيين يستحثّونها على ذلك. وقد لاحظ عديدون كثرة حركات القيادة السياسية لحماس عام 2023.

لقد انتشر الخراب في قرى وبلدات جنوبي لبنان لأبعد من مسافة الكيلومترات العشرة

لقد وقعت الحرب قبل سبعة أشهر وكانت حماس هي التي بادرت. وانضمّ إليها الحزب وبدرجةٍ أقلّ الميليشيات العراقية.. فالحوثيون. وقد اتفق الأميركيون والإيرانيون على عدم توسيع الحرب. لكن يتصاعد كلّ يومٍ خطر اندلاع حربٍ شاملةٍ بين الحزب وإسرائيل، فالإسرائيليون يصعّدون أكثر وهدفهم القريب إخلاء مساحة عرضها عشرة كيلومترات وطولها خمسون أو ستّون كيلومتراً من قوات الحزب وأسلحته.

لقد انتشر الخراب في قرى وبلدات جنوبي لبنان لأبعد من مسافة الكيلومترات العشرة. وتهجّر ما يزيد على مئة ألف، بينهم مسيحيون كثيرون من أهل القرى الحدودية. وكلّ اللبنانيين ولا فرق بين الطوائف في ذلك لا يريدون الحرب ويخشون المزيد من الخراب والضحايا. لكنّ الحزب يقول إنّه لن يتوقّف حتى تتوقّف الحرب في غزة. وقد انضمّت إليه حماس من جنوب لبنان، والجماعة الإسلامية أيضاً.

لقد تصاعدت أصوات اللبنانيين ضدّ الحزب وتوريطه للبنان في الحروب. وقد صمت الرئيس السابق، لكنّ صهره جبران باسيل لا يحبّ حرب الجنوب أيضاً.

اجتماع معراب أقل من التوقعات

إنّ الذي يدلّ على حالة الإنهاك التي سيطرت على اللبنانيين، أنّ الذين حضروا الاجتماع الذي دعت إليه القوات، كانوا أقلّ ممّا توقّعت. فهل هو إنهاكٌ فقط أم انقسامٌ أيضاً حتى في هذا الموضوع الشديد الخطورة على الوطن والناس؟ بالفعل يستطيع الحزب وإن رفض الجميع الدخول في الحرب أو حتى في السلم مع إسرائيل (اتفاق الحدود البحرية). وتلحقه الحكومة المستقيلة الآن في تقرير المساعدات للمواطنين المصابين في أعزّائهم ومساكنهم. وهي لا تملك أكثر من ذلك. وبين الآونة والأخرى تشكو لمجلس الأمن من قتل إسرائيل للمدنيين والصحافيين.

إقرأ أيضاً: العرب لا يثقون بأميركا… وينتظرون “حلّ الدولتين”؟

قرار مجلس الأمن رقم 1701 ضروري التطبيق ضرورة بقاء لبنان وسلامه. ولذلك فإنّ الاجتماع الذي دعت إليه القوات اللبنانية على تواضعه كان ضرورياً، ليظهر للّبنانيين والعالم أنّ هناك فريقاً معتبراً من اللبنانيين لا يخضع للسلاح ولا للتبعيّات ويريد تطبيق القرارات الدولية.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@RidwanAlsayyid

مواضيع ذات صلة

تجميد “قانون قيصر”: بايدن “ينفتح” على الأسد؟

في السابع عشر من حزيران الفائت، انقضت خمس سنوات على إقرار الكونغرس الأميركي قانون “قيصر” القاضي بحماية المدنيين في سوريا وتشديد الحصار الاقتصادي على نظامها….

تآكل الشّعبيّة والضّيق بالمعارضين يدفعان غزّة ورام الله للمصالحة؟

بات الحديث عن المصالحة بين حركتَي “فتح” و”حماس” مملّاً لدى العديد من أوساط الفلسطينيين والعرب. عند هذه الأوساط يتساوى امتناع قيادة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية…

انقلاب ماكرون: هل يشكّل الحكومة… بعد رئاسة البرلمان؟

دورةً، فاثنتين، فثلاثاً، واقتراعاً، فاثنين، فثلاثة تطلّب انتخاب رئيسة الجمعيّة الوطنيّة في فرنسا. هذا ما كان متوقّعاً في برلمان لا غالبيّة نسبيّة فيه ولا مطلقة…

ثلاث طائرات إلى ثلاثة اتّجاهات

ثلاث طائرات في سماء الشرق الأوسط ستساهم في بناء صورة “اليوم التالي” في المنطقة. واحدة سيستقلّها بنيامين نتنياهو، والثانية سيستقلّها وفدان، واحد من حركة “حماس”…