باسم خندقجي يهزم إسرائيل وينتصر لفلسطين بالإبداع

2024-04-29

باسم خندقجي يهزم إسرائيل وينتصر لفلسطين بالإبداع

فاز الشاعر والروائي الفلسطيني باسم خندقجي المعتقل في سجن عوفر الإسرائيلي منذ 2004، بالجائزة العالمية للرواية العربية 2024، عن رواية “قناع بلون السماء”.

 

هذا الفوز الذي يأتي بعد 205 أيام على الإبادة الجماعية التي ترتكب بحقّ أهالي غزّة. هو فعلاً بطعم الانتصار لكلّ فلسطيني ولكلّ معتقل ليثبت أنّ “الباطن يتجلّى والظاهر يُحجر”. كما يقول نور بطل الرواية في واحدة من رسائله الصوتية لصديقه مراد المعتقل هو أيضاً. فوز ضدّ القهر والاجتياح والتجويع والنكبات.

كتب روايته على قصاصات ورق صغيرة وهرّبها من سجن إلى آخر، ثمّ أُعيد جمعها لتصدر من بيروت عن دار الآداب.

رواية داخل الرواية

“قناع بلون السماء” (240 صفحة) رواية من خلف القضبان. لكنّها ليست عن السجن، كما اعتدنا في الإنتاج الأدبي المكتوب في السجون. بل هي عن عالم الفلسطينيين الذين أرادوا سجنهم جميعاً وبناء جدار عنصري يعزلهم عن العالم ومحاصرة من هم في رام الله بشكل جزئي ومن هم في غزّة بشكل كلّي. كما هي الحال في سجن عوفر الذي يقبع فيه باسم خندقجي.

باسم خندقجي

رواية عن السجن الأكبر، وهو فلسطين المحتلّة، وعن سجّانها الإسرائيلي، ومخيّمات اللجوء المكتظّة بالسكّان من دون أدنى حقوق بشرية، ومحاولات اختراق نظامه الاستخباري وعالمه العسكري القمعي المجرم، والبحث عن الحرّية ولو كانت وهماً عبر بطاقة هويّة مزيّفة… هي رواية عن الزيف وتشويه الحقائق والاستزلام والصراعات الداخلية الفلسطينية. رواية بطلها نور المهووس بالآثار والتفاصيل المهملة، والمقيم في مخيّم في رام الله. ذات يوم يجد هويّة زرقاء في جيب معطف قديم، وصاحبها هو الإسرائيلي أور، فيرتدي نور قناع المحتلّ في محاولة لفهم مفردات العقل الصهيوني. في تحوّل نور إلى أور، وهو اسم عبري معناه نور أيضاً، وفي انضمامه إلى بعثة تنقيب في إحدى المستوطنات، تتجلّى فلسطين المطمورة تحت التراب بكلّ تاريخها.

يدمج باسم خندقجي في هذه الرواية التاريخي بالمتخيّل والشخصي بالسياسي وفكّك الواقع عبر التخييل بأسلوب روائي مبتكر سلس ومشوّق

وفي المسافة الفاصلة بين نور وأور، وبين الهويّة الإسرائيلية الزرقاء والتصريح الفلسطيني، وبين السردية الأصلية المهمّشة والسردية المختلفة السائدة. يأخذنا نور في رحلة تاريخية مشوّقة لحرّية مفترضة داخل بلاده التي سُرقت منه وهويّته التي أضاعها هو نفسه بيده.

رواية تجريبية في طريقة السرد والأسلوب، مشغولة بلغة العصر والرسائل الصوتية التي باتت جزءاً من حواراتنا ونقاشاتنا اليومية عبر الموبايل. رواية عن الحبّ والصداقة والإنسان.

مساران متوازيان

أراد خندقجي أن يبني صداقة بين نور الذي يتنكّر بهويّة أور الإسرائيلي بعدما وجد بطاقته الزرقاء صدفة في معطف مستعمل اشتراه من السوق، وبين مراد السجين المحكوم في سجون الاحتلال بالمؤبّد (مصير مشابه لما يعانيه باسم منذ 20 سنة) الذي يصنع من القراءة منفذاً إلى الخارج. مراد لا يسمع هذه الرسائل، ونور قرّر إكمال أحاديث ونقاشات حول الهويّة والسردية الفلسطينية والحقيقة والحرّيات، قبل اعتقال صديقه. فبات هو الراوي وهو البطل وهو المحرّك.

باسم خندقجي

مساران متوازيان لنور ومراد، للسجن الأصغر ذي القضبان الحديدية والمعالم المحدّدة والواضحة، وللسجن الأكبر الذي يضيع فيه المساجين وهويّتهم ومعالمهم. مساران متوازيان متقاطعان في رحلة البحث عن الوطن، عن الأرض، وعن الحرّية ومعرفة العدوّ ومواجهته وكشف الحقيقة وإنعاش الذاكرة التي يريد العدوّ اغتيالها منذ 75 سنة… عدوّ لا يزال يفشل حتى مع فاقدي الذاكرة والمصابين بالخرف كما أثبت فيلم “عائدة” لكارول منصور الذي يتناول هذه الثيمة بالذات: الذاكرة. فالذاكرة المتعلّقة بالأرض والبيت ومسقط الرأس وذكريات الطفولة. تبقى حيّة حتى الممات، ولها مكانة نضرة في الدماغ مهما شاخ ومرض وأصيب بالنسيان.

فاز الشاعر والروائي الفلسطيني باسم خندقجي المعتقل في سجن عوفر الإسرائيلي منذ 2004 بالجائزة العالمية للرواية العربية 2024

يدمج باسم خندقجي في هذه الرواية التاريخي بالمتخيّل، والشخصي بالسياسي، وفكّك الواقع عبر التخييل بأسلوب روائي مبتكر سلس ومشوّق. ومن خلال قصة نور مع محيطه وقصة أبيه المناضل المغبون. يقوم خندقجي بجردة حساب مع “فتح” وجماعات النضال الأوّل الذين وقّعوا اتفاقية أوسلو ودخلوا السلطة وخوّنوا من كان يقاوم لاسترجاع الأرض. كما حصل مع أبي نور الأسير المحرّر الذي بنى اتفاق أوسلو بينه وبين رفاقه جداراً سياسياً وعزلة وصمتاً. ويحاول نقد الواقع المظلم وتشريحه والإشارة إلى الخلافات الفلسطينية الفلسطينية والتشظّي والتهجير والعنصرية بنبض إنساني.

إقرأ أيضاً: “عرس” وجدي معوّض في بيروت… يا فرحة ما تمّت

عن باسم خندقجي

روائي فلسطيني ولد في مدينة نابلس عام 1983. درس الصحافة والإعلام في جامعة النجاح الوطنية في نابلس. كتب القصص القصيرة حتى اعتقاله في 2004 حين كان يبلغ من العمر 21 عاماً. أكمل تعليمه الجامعي من داخل السجن عن طريق الانتساب إلى جامعة القدس، وكانت رسالته عن الدراسات الإسرائيلية في العلوم السياسية. وأيضاً أكمل كتاباته داخل السجون. كتب العديد من المقالات الأدبية والسياسية وعن المرأة الفلسطينية التي ناضلت وضحّت في سبيل قضيّتها، وعن حركة الأسرى داخل السجون الإسرائيلية، وكتب أيضاً العديد من الدواوين الشعرية والروايات، أهمّها: ديوان “طقوس المرّة الأولى” (2010)، ديوان “أنفاس قصيدة ليلية” (2013)، رواية “نرجس العزلة” (2017)، رواية “خسوف بدر الدين” (2019)، رواية “أنفاس امرأة مخذولة” (2020)، ورواية “قناع بلون السماء” (2023).

مواضيع ذات صلة

جاهدة وهبه في دوما: أيقونات بياف وأمّ كلثوم

في “دوما”، عرفت المطربة جاهدة وهبه كيف تحبس اللحظة الموسيقيّة في الأسماع والوجدان. فهي المتفرّدة والخبيرة بابتكار الفضاءات الملائمة لكلّ حدث. في الآتي رحلة إلى…

مثقّفو فرنسا أعلنوا “المقاومة” ضدّ اليمين المتطرّف (2/2)

استفاق الفرنسيون فجأة على عرائض ونداءات من المثقّفين ضدّ اليمين المتطرّف. أكثر من 800 وثيقة وبيان في قطاع النشر والكتاب فقط لإعلان التعبئة ضدّ اليمين…

الساسة والسياسة: محمود درويش وياسر عرفات (1/4)

ننشر اعتباراً من اليوم أجزاء من كتاب “محمود درويش في حكايات شخصية”، للمناضل والسياسي والكاتب الفلسطيني نبيل عمرو، حيث يتناول في الحلقة الأولى علاقة درويش…