صناعة التاريخ بـ”الحرب”.. عندما تتكدّس الجثث

2024-04-06

صناعة التاريخ بـ”الحرب”.. عندما تتكدّس الجثث

تستمرّ الحرب في أوكرانيا، لكنّ إحصاء عدد الضحايا توقّف. تتوسّع الحرب بعد الانقلاب في الموقف الفرنسي من محاولة التوسّط إلى الدعوة للمشاركة العسكرية المباشرة والفعليّة في الحرب ضدّ روسيا. استمرار الحرب وتوسّعها يعنيان المزيد من الضحايا، وهذا ليس جديداً على ثقافة الحرب الأوروبية.

حروب نابليون التوسّعية في أوروبا التي استمرّت 25 عاماً أسفرت عن سقوط حوالي 3.5 ملايين قتيل أوروبي. هذا إحصاء فرنسي. الإحصاء الأوروبي رفع العدد إلى أربعة ملايين، بمن فيهم مليون مدني. كان نابليون يريد السيطرة على كلّ أوروبا. إلا أنّ أحلامه التوسّعية انتهت به أسيراً.. حتى الموت.

ولكن ربّما أسوأ ما قام به نابليون، الذي يُعتبر رمزاً قومياً في فرنسا، أنّه باع ولاية لويزيانا (في الولايات المتحدة)، التي كانت مملوكة من الدولة الفرنسية، إلى الحكومة الأميركية. أدّى ذلك، كما قال المستشار الألماني الكبير بيسمارك في عام 1898، إلى وقوع أكبر تغيير في موازين القوى العالمية. إذ إنّ نقل لويزيانا من الحضن الفرنسي إلى الحضن الأميركي مكّن الولايات المتحدة المتكوّنة حديثاً من التوسّع شمالاً.. وذهب نابليون إلى أبعد من ذلك، فباع الولايات المتحدة المساحات الشاسعة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها فرنسا أيضاً بين ولايتَي لويزيانا ومونتانا. ثمّ كانت الطامة الكبرى عندما باعت روسيا القيصرية ولاية آلاسكا الشمالية إلى الولايات المتحدة أيضاً بحفنة من الدولارات، وذلك خوفاً من أن تحتلّها القوات البريطانية التي كانت في ذلك الوقت تحتلّ كندا.

كان لصفقة بيع لويزيانا الفرنسية إلى الولايات المتحدة أثر مباشر على تمويل الحرب النابليونية في أوروبا، وهو ما مكّن نابليون من توسيع طموحاته حتى وصل إلى روسيا.

تستمرّ الحرب في أوكرانيا، لكنّ إحصاء عدد الضحايا توقّف

التعاون الأميركي الفرنسي ضد روسيا

يأخذ التعاون الأميركي – الفرنسي ضدّ روسيا اليوم شكلاً آخر يتمثّل في الموقف الجديد للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ولكنّ ماكرون ليس نابليون. تكمن أهمّية وخطورة موقفه الجديد في أنّه يشكّل عنواناً لتدخّل الحلف الأطلسي (أي أوروبا وأميركا معاً) في الحرب في أوكرانيا. الأمر الذي قد لا يترك مجالاً أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمناورة السياسية، ويجرّه إلى اتّخاذ القرار الذي يخشاه العالم كلّه، وهو اللجوء إلى السلاح النووي. ولقد هدّد مراراً باستخدامه، وأعدّ العدّة لذلك. فإذا وقعت الواقعة فلن يبقى من يحصي عدد الضحايا.

عندما جرى إحصاء عدد ضحايا حرب نابليون الأربعة ملايين. كان عدد سكّان أوروبا في ذلك الوقت، أي في عام 1800، 1871 مليوناً فقط. والحروب النابليونية التوسّعية تواصلت بين عامَي 1790 و1815.

الحرب

صحيح أنّ حرب أوكرانيا لم تتجاوز حتى الآن عاماً واحداً وبضعة أشهر. لكنّ مخاطر توسّعها لا تنحصر في أوروبا وحدها، إذ تهدّد العالم كلّه بالنتائج الكارثية لانتقال القتال من الأرض الأوكرانية إلى روسيا شرقاً، وأوروبا غرباً، ومنهما إلى العالم كلّه. وما شبح انفجار المفاعل النووي السلمي في تشيرنوبيل (الأوكراني) ببعيد!!

عندما تتكدّس الجثث

أدّت الحرب العالمية الثانية إلى مقتل أربعين مليون إنسان، معظمهم من الدول الأوروبية. وقبلها الحرب العالمية الأولى التي حصدت حياة عدد مماثل تقريباً من الضحايا. وخسرت أوروبا يومها 9 في المئة من سكّانها البالغ عددهم في ذلك الوقت 485 مليون إنسان. لقد سقطت الأكثرية من هذه الضحايا بين عامَي 1930 و1941. في هذه الحرب وما بعدها تسبّب الرئيس السوفيتي جوزف ستالين بمقتل، أو يُتّهم بالتسبّب في مقتل، حوالي 20 مليون إنسان تقريباً. قُتل معظمهم بين عامَي 1939 و1941، أي ما يعادل 12.5 في المئة من عدد سكّان الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت. وهكذا بين هتلر في ألمانيا وستالين في الاتحاد السوفيتي، وقبل ذلك نابليون في فرنسا وأوروبا، تتكدّس جثث الملايين من الأوروبيين تحت تراب طموحات سرعان ما تتبخّر حتى قبل رحيل “أبطالها”!

صحيح أنّ حرب أوكرانيا لم تتجاوز حتى الآن عاماً واحداً وبضعة أشهر، لكنّ مخاطر توسّعها لا تنحصر في أوروبا وحدها

مع ذلك لم يتعلّم العالم الدرس، كما تشهد على ذلك جبهة أوكرانيا المفتوحة.. وجبهة تايوان التي لا تزال تنتظر ساعة الصفر.. وكما تشير إلى ذلك جبهة غزة المفتوحة على كلّ الاحتمالات.. فقد توقّف إحصاء الضحايا من أهالي غزة الذين يتساقطون يومياً تحت القصف الإسرائيلي حتى تحوّلت إلى ما يشبه “فردان” بين فرنسا وألمانيا حيث توجد أكبر مقبرة “طبيعية” في العالم لجنود الدولتين.. ولكنّ ضحايا غزة على خلاف ضحايا فردان هم من المدنيّين العزّل، ومن الأطفال الذين تتعمّد إسرائيل قتلهم لأنّها تعتقد أنّهم سيكونون أعداء المستقبل. ويقف العالم مكتوف الأيدي أمام استمرار هذه المذبحة الإنسانية حتى لا يُتّهم باللاساميّة!! وكأنّ الساميّة تعني إباحة قتل الأبرياء.

إقرأ أيضاً: إسرائيل تدفع فاتورة الدّفاع عن نتنياهو

صحيح أنّ الأمم المتحدة في جمعيّتها العامّة في مجلس الأمن رفعت إلى حدّ ما الصوت مطالبةً بوقف الحرب الإسرائيلية المدمّرة على غزة. إلّا أنّ هذا الموقف أشبه ما يكون بشبكة من خيوط العنكبوت. صحيح أنّ هذه الشبكة قادرة على التقاط حيوانات صغيرة، إلا أنّ هذه الحيوانات الكاسرة على غرار نتنياهو تدمّر هذه الشبكة ولا تقيم لها وزناً.

يذكر التاريخ شخصيات صنعت تاريخ الإنسانية الحديث بالدم: نابليون وهتلر وستالين وماوتسي تونغ.. والآن بنيامين نتنياهو.. بئست هذه الذكرى.

مواضيع ذات صلة

لماذا هدّد نصرالله قبرص؟

مفاجئاً كان تهديد زعيم ميليشيا الحزب حسن نصرالله لدولة قبرص في خطابه الأخير. بيد أنّ التدقيق في هذا الموقف يشير إلى كونه أكثر من مجرّد…

نتنياهو أستاذ علم الابتزاز السّياسيّ!

هل هناك بالفعل خلاف جوهري وحقيقي بين واشنطن وتل أبيب؟  هل هناك تضارب مصالح بين البلدين حول ما يحدث في الشرق الأوسط؟ هل بالفعل كان…

الحزب: خارج “النّظام الدّوليّ” وليس الدّولة فقط

لم يحدث في التاريخ السياسي المعاصر أن استطاعت مجموعة مسلّحة في بلد صغير محدود الموارد أن تتحوّل إلى لاعب إقليمي ذي انتشار عالمي يمتلك ترسانة…

انتخابات إيران: “مهسا أميني” تصوّت لبيزشكيان؟

في مواجهة خمسة مرشّحين محافظين في انتخابات إيران الرئاسية، وبفعل احتمال تبعثر أصوات الناخبين المؤيّدين لهذا التيّار، تزيد حظوظ منافسهم الإصلاحي الوحيد مسعود بيزشكيان بالفوز…