“محمد رضا زاهدي”.. الإيراني الوحيد في شورى الحزب

2024-04-06

“محمد رضا زاهدي”.. الإيراني الوحيد في شورى الحزب

مدة القراءة 7 د.

عام 1988، أعلن مرشد الثّورة الإيرانيّة روح الله الخميني تجرّع كأس السّمّ لوقف الحرب مع العراق. يومها كانَ أمام طهران كأس واحدة، فتجرّعتها. فإيران بطبيعتها “انتحاريّة”، كما حصلَ يوم اجتاحت “شبه جزيرة الفاو” العراقيّة بأمواج بشريّة. قاتلت بالأجساد ولم تُقاتل بالتكنولوجيا.

شأنها شأن الأنظمة الشّموليّة، لا تتجرّع “كأس السّمّ” إلّا في لحظة انعدام الخيارات.

اليوم، وبعدَما قصفت إسرائيل قُنصليّة إيران في سوريا وقُتل “رئيس أركان” فيلق القدس في سوريا ولبنان العميد محمّد رضا زاهدي، باتَ على طهران أن تختار واحدةً من 3 كؤوس:

1- سُمّ الصّمت وتلقّي المزيد.

2- سمّ “الرّدّ المتناسِب” وما يترتّب عليه من عواقب لا تبدأ في إيران ولا تنتهي في نفوذها الإقليميّ.

3- سمّ “الرّدّ غير المُتناسب” الذي “يحفظ ماءَ الوجه” ولا يردع “الثّور الإسرائيليّ الهائج”.

ليسَ تفصيلاً أن تستهدِفَ إسرائيل مبنى القنصليّة الإيرانيّة في دِمَشق. وليسَ تفصيلاً أيضاً أن تقتل محمّد رضا زاهدي ونائبه محمّد هادي حاج رحيمي في وضَح النّهار ومن أجواء سوريا وهو في نقطة يمكن اعتبارها أرضاً إيرانيّة.

عمليّاً، يُعتَبر محمد رضا زاهدي أكثر أهمّية من قائد “فيلق القدس” إسماعيل قاآني. فهو اليد التنفيذيّة لإيران والمُشرف على عمليّات أذرعها من البوكمال على الحدود السّوريّة – العراقيّة حتّى النّاقورة، مروراً بتخوم هضبة الجولان.

وبحسب ما يكشف مصدر إقليميّ واسع الاطّلاع لـ”أساس”، فإنّ محمد رضا زاهدي هو “الشّخصيّة الأجنبيّة” الوحيدة في مجلس شورى الحزب في لبنان.

ليسَ تفصيلاً أن تستهدِفَ إسرائيل مبنى القنصليّة الإيرانيّة في دِمَشق. وليسَ تفصيلاً أيضاً أن تقتل محمّد رضا زاهدي

بناءً على ما سلف، باتت إيران أمام خيارَيْن، أحلاهُما مُرّ:

الأوّل: أن تُقدِم على الرّدّ. وهذا قد يرفع احتمال انزلاق المنطقة برمّتها نحوَ حربٍ إقليميّة واسعة.

الثّاني: أن تُحجِم طهران عن الانتقام من إسرائيل. وهذا دونه عواقب عسكريّة وأمنيّة وسياسيّة. أولاها أن تستمرّ تل أبيب بضربِ إيران بشكلٍ مُباشر، وتقتل قادتها في سوريا وغيرها. وثانيها أن تتهشّم صورة إيران أمام حلفائها وخصومها، وتتحوّل من “أخطبوطٍ” يُرعِب الإقليم إلى “نَمِرٍ من ورق”.

احتمالات الرّدّ الإيرانيّ

لأنّ طهران باتت في مأزق استراتيجيّ، فهذا يعني أنّ من المُرجّح أن تُقدِمَ على الانتقام لضربة قنصليّتها في سوريا.

لكنّ السّؤال يتناول شكل هذا الرّدّ وكيفيّته وتوقيته. فإيران غير معنيّة بتوسعة نطاق الحرب في المنطقة. وهذا الأمر أوكِلَ لوزير خارجيّتها حسين أمير عبد اللهيان منذ اللحظات الأولى لعمليّة “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر (تشرين الأوّل) الماضي. إذ قامَ رئيس الدّبلوماسيّة الإيرانيّة بزيارات عديدة للعاصمة اللبنانيّة بيروت، والتقى الأمين العامّ للحزب حسن نصرالله وقادة الفصائل لحثّهم على عدم القِيام بأيّ خطوةٍ من شأنها توسعة نطاق الصّراع.

محمد رضا زاهدي

في هذا الإطار، يكشف المصدر الإقليمي لـ”أساس” أنّ الاجتماع الأوّل بين عبد اللهيان ونصرالله مساءَ الخميس في 12 تشرين الأوّل استمرّ أكثر من 6 ساعات، حتّى نجحَ الضّيف الإيرانيّ في إقناع نصرالله بعدم توسعة نطاق الصّراع بعدما تيقّن الإيرانيّون أنّ الأمين العامّ للحزب مُتحمّسٌ لدخول “طوفان الأقصى” إلى جانب حركة “حماس”.

كان عِماد سياسة إيران منذ 7 أكتوبر هو إدارة الصّراع من بعيد والتّحوّل إلى “إسفنجة” تمتصّ الضّربات الإسرائيليّة ضدّ مصالحها في سوريا. لكنّها اليوم تعرّضَت لهجوم استثنائيّ. وعليه باتت معنيّة بشكلٍ مُباشر، وأكثر من ذي قبل، بالرّدّ على إسرائيل.

يقول المنطق إنّ إيران تمتلكُ القدرة على ضربِ إسرائيل وإلحاق الضّرر الكبير بها. لكنّ القدرة وحدها لا تكفي. إذ تحتاج إلى جانبها إلى النّيّة والجُرأة. وهاتان غير مُتوفّرتَيْن حتّى اللحظة بسبب حسابات إيران الإقليميّة والدّاخليّة.

 يُعتَبر محمد رضا زاهدي أكثر أهمّية من قائد “فيلق القدس” إسماعيل قاآني. فهو اليد التنفيذيّة لإيران

لذا احتمالات الرّدّ الإيرانيّ ستكون كالآتي:

1- أن تُحجِمَ عن الرّدّ، وتكتفي بالتهديدات العالية النّبرة لتحصيل ما تستطيع من مكاسب سياسيّة من الولايات المُتحدة في مُفاوضاتها معها. فقد حمّل مسؤولون إيرانيّون واشنطن مسؤوليّة الغارة الإسرائيليّة، وهذا يدخل في تحسين شروط التّفاوض. وذلكَ لأنّ الإيرانيين يعلمون جيّداً أنّ واشنطن لم تكُن على علمٍ بالغارة الإسرائيليّة.

2- أن تُقدِم على ضربِ العُمق الإسرائيليّ انطلاقاً من الأراضي الإيرانيّة أو السّوريّة. ذلك على اعتبار أنّ إسرائيل استهدفَت أرضاً إيرانيّة في سوريا. لكنّ هذه الخطوة من شأنها أن تُعطي حكومة بنيامين نتنياهو ما تبحث عنه منذ تشرين الأوّل، وبالتّالي جرّ إيران وأميركا والغرب إلى مواجهة مُباشرة.

كما يعلم الإيرانيّون أنّه على الرّغم من تباين وجهات النّظر بين إدارة بايدن وحكومة نتنياهو، إلّا أنّ الأميركيين لن يسمحوا بأيّ شكلٍ من الأشكال أن تُقدِمَ إيران على ضرب العُمق الإسرائيليّ. وهذا ما تبلّغوه، بحسب المصدر، من الوسطاء.

هذا يعني أنّه في حال لجأت طهران إلى ذلك، فإنّها تكون قد اختارت الانخراط المُباشر في الحرب.

3- أن تلجأ إلى تصعيد عمليّات أذرعها من اليَمَن إلى لبنان بشكل أكثر قسوة. وهذا أيضاً من شأنه أن يُعطي تل أبيب الذّريعة لتوسيع نطاق الحرب، خصوصاً ضدّ الحزب في لبنان. ومن يُتابع السّياسة الإيرانيّة يُدرك أنّها عملت دون كللٍ لمحاولة إبعاد الحزب عن “الثّور الإسرائيلي الهائج”، لئلّا تتعرّض “دُرّة التاج” لضربة كبيرة تُفقِدها أهمّ ورقةٍ لها في الإقليم.

4- من المُحتمل أن تُقدِمَ طهران على الرّدّ بالمثل. أي بقصفِ قنصليّات أو سفارات إسرائيليّة في المنطقة انطلاقاً من أراضيها. لكنّ هذا الخيار قد يُسبّب لها أزمةً أعمق مع دول الجوار. إذ تقع السّفارات والقنصليّات الإسرائيليّة الأقرب إلى إيران في تركيا وأذربيجان ودولة الإمارات ومملكة البحرين.

تركيا هي من أكثر الدّول التي تتعاطى تجاريّاً واقتصاديّاً مع إيران. وليسَت إيران في وارد الصّدام معها.

 طهران باتت في مأزق استراتيجيّ، فهذا يعني أنّ من المُرجّح أن تُقدِمَ على الانتقام لضربة قنصليّتها في سوريا

أمّا أذربيجان فهي حليفة استراتيجيّة لتركيا. كما أنّ العلاقة بين طهران وباكو شهدت تطوّرات إيجابيّة في الآونة الأخيرة. وهي أيضاً ليسَت بوارد الصّدام معها. وإيران لا تُريد أن تصطدمَ سياسيّاً مع الإمارات والبحرين. وذلك في إطار سياستها الجديدة في الانفتاح على دول الخليج العربيّ. هذا عدا عن مصالحها الاقتصاديّة الاستراتيجيّة مع دولة الإمارات.

5- أن تختار إيران اللجوء إلى ما يُعرَف بـ”حرب الظّلال” عبر استهداف سفارات أو قنصليّات أو مصالح إسرائيليّة بعبوّات ناسفة، كما حصلَ سابقاً في الهندِ وتايلند من دون أن تكونَ لها بصمات واضحة. وهذا الخيار دونه “اليقظة الأمنيّة الإسرائيليّة” التي أحبطَت غير مرّة محاولات كهذه في قبرص وغيرها. ومن الطّبيعي أيضاً أن تكونَ إسرائيل أخذت في الحسبان هذا الأمر وعزّزَت إجراءاتها في مختلف دول العالم.

يدخل في حسابات “حرب الظّلال” أيضاً أن تُشاغب طهران في البِحار. وهذا مُرجّح. إذ كانت إيران قد لجأت غير مرّة إلى استهدافِ سفنٍ تجاريّة إسرائيليّة في بحر عُمان وبحر العرب والبحر الأحمر.

كما لجأت إيران إلى هذا النّوع من الأنشطة الأمنيّة غير مرّة، عبر قرصنة شبكات ومحطّات تحلية المياه والكهرباء الإسرائيليّة، والمطارات وشبكات الاتصالات.

إقرأ أيضاً: إسرائيل تستكمل تصفية “جيل سُليماني”

لا يُعتبر هذا الرّدّ مُتناسباً مع حجم الضّربة التي تلقّاها “فيلق القدس” في دمشق. وعليه من المُستبعد أن تجرّ خطوة كهذه المنطقة إلى حربٍ واسعة. فتل أبيب قد تكون مُستعدّة لتحمّل استهداف سفينة تجاريّة أو غير تجاريّة مُقابل الهدف الثّمين الذي قطفته في سوريا.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@IbrahimRihan2

إقرأ أيضاً

هوكستين “خانهُ التعبير”: الخطّ الأزرق ليس الحدود

تزامناً مع المحاولات الأميركية الفرنسية لفصل مسار لبنان عن غزة، بدأت الدبلوماسية الدولية تعمل على خارطة طريق تعتبرها شبه جاهزة لاتفاق مع لبنان بعد وقف…

جلسة تمديد ورفع عتب لتوصيات “النّزوح” (1/2)

تكتَسِب الجلسة المُقبلة لمجلس الوزراء أهميّة خارج إطار بنودها العاديّة لأنّها الأولى بعد انعقاد مجلس النواب وإصداره توصية في شأن النزوح السوري، ولأنّها قد تشهد…

منازلة جيوسياسيّة في آسيا الوسطى: روسيا اللاعب الأقوى

اختار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الصين لتكون وجهته الخارجية الأولى عقب بدء ولايته الرئاسية الجديدة، والثالثة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. وهذا يبرز الأهمّية التي…

أميركا والعرب يخطّطون لإسقاط نتانياهو

وكأنّ الولايات المتحدة الأميركية تعود إلى اعتماد مبدأ توزيع التوازنات في منطقة الشرق الأوسط وفق نظرية “الصفائح المتوازنة”. وهذه الصفائح هي العربية والإسرائيلية والإيرانية. إذ…