ارتباك “الحركة” في غزّة حيال حكومة محمد مصطفى

لم تكد حكومة محمد مصطفى ترى النور حتى خضعت لواقع الانقسام الفلسطيني في شأن إدارة قطاع غزة وتوفير المساعدات الإنسانية. تزامن إعلانها مع تمايزات في ردّ فعل قادة “حماس”. قيادتها في الخارج سرّبت موقفاً تجنّب الحدّة. وقيادتها في الداخل اتّهمت الجهاز الأمنيّ التابع للسلطة الفلسطينية بإدخال عناصر منه إلى القطاع، لكنّ الأخيرة نفت.

التحدّي الأبرز لحكومة التكنوقراط وقف النار في القطاع كي تتمكّن، مبدئياً، من دخوله. ويوجد فيها 8 وزراء من القطاع. لكنّ بنيامين نتنياهو أعلن أنّ جيشه سيدخل رفح حتى لو عارض الرئيس جو بايدن، وهو ما يؤخّر دورها في غزة. التسريبات الإسرائيلية عن الاستعانة بقوات متعدّدة الجنسيّات تشترك فيها 3 دول عربية في اليوم التالي، قوبلت بالنفي أيضاً. تقف الحكومة وسط عنكبوت من التعقيدات، بحيث قد يقتصر عملها على الاقتصاد والإصلاحات.

المهلة القانونيّة وتفاهم السداسيّة مع بلينكن  

تحكّم عاملان بإعلان حكومة محمد مصطفى الخميس الماضي ثمّ قسمها اليمين أمام الرئيس محمود عباس أوّل من أمس الأحد:

– قانونيّ: لأنّ القانون الأساسي الفلسطيني يوجب على الرئيس المكلّف اقتراح أسماء الوزراء بغضون مهلة أسبوعين. وإذا لم يفعل يمكن تجديد المهلة ذاتها مرّة وحيدة.

– سياسي: تشجيع عربي أميركي خلال اجتماع اللجنة السداسية العربية في القاهرة، ثمّ لقائها وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن. شدّد بيان اللجنة على الثوابت التي أعلنتها منذ تشكيلها بمبادرة سعودية في شباط الماضي، أي الحلّ السياسي بإقامة دولة فلسطينية تضمّ الضفة الغربية وغزّة والقدس. يبدأ الحلّ بتنفيذ قرار مجلس الأمن وقف النار الفوريّ والدائم، ورفض تهجير الفلسطينيين وتصفية قضيّتهم، وإدخال المساعدات الإنسانية. كما شدّد على وقف الاستيطان والإجراءات الأحادية الإسرائيلية.

لم تكد حكومة محمد مصطفى ترى النور حتى خضعت لواقع الانقسام الفلسطيني في شأن إدارة قطاع غزة وتوفير المساعدات الإنسانية

أفادت المعلومات أنّ السداسية أبلغت الوزير الأميركي رفض دخول إسرائيل رفح، وعرضت عليه خطّة لحلّ الدولتين تقضي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية بقرار من مجلس الأمن. وعلم “أساس” أنّ تشكيل الحكومة جزء من ترتيب البيت الفلسطيني، كي تلعب السلطة دورها في إدارة غزة بعد وقف الحرب. واعتبرت أوساط فلسطينية متابعة لمسار ولادة الحكومة أنّها باتت تستند إلى مرجعية عربية. وهي مرجعية تواكبها موافقة أميركية على “تجديد” السلطة الفلسطينية كي تواكب إنهاء الحرب، لتحلّ مكان “حماس” في حكم غزة. وترتكز هذه الموافقة على خريطة طريق تشمل البدء بمسار يقود إلى اعتراف دولي بدولة فلسطينية وفق حلّ الدولتين. ولم تكن السلطة الفلسطينية لتقبل تشكيلها من التكنوقراط لو لم يكن هناك وعد أميركي بذلك.

دعم سعوديّ… وتقاطع أميركيّ روسيّ؟

حظي إعلان حكومة مصطفى بتأييد سريع من وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود الذي اتّصل بمصطفى مهنّئاً. ورحّب بتولّيه حقيبة الخارجية. وأكّد الثقة بقرارات الرئيس محمود عباس. وكانت الرياض بدأت مدّ السلطة الفلسطينية بالدعم الماليّ لمواجهة الصعوبات الاقتصادية الناتجة عن حجب إسرائيل رسوم الجمارك العائدة لها. وتمنّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي النجاح للحكومة في اتصال مع عباس. وهنّأ وزير خارجية المغرب ناصر بوريطة مصطفى بتشكيل الحكومة الفلسطينية الـ19، وبتولّيه منصب وزير الخارجية.

من جهتها قالت واشنطن إنّها تتطلّع إلى التعاون معها “في الضفة الغربية وغزة وتهيئة الظروف للاستقرار في المنطقة الأوسع نطاقاً”، وإنّ ما يهمّها “تجديد السلطة الفلسطينية”. وكان المسؤولون الأميركيون اقترحوا على عباس تكليف رئيس الحكومة السابق سلام فياض برئاسة الحكومة، لكنّه فضّل مصطفى.

أفادت المعلومات أنّ السداسية أبلغت الوزير الأميركي رفض دخول إسرائيل رفح، وعرضت عليه خطّة لحلّ الدولتين

البارز أنّ رئيس الحكومة الروسيّة ميخائيل ميشوستين هنّأ مصطفى وعبّر عن ثقته بأنّ الحكومة الجديدة ستساهم في تمتين العلاقات الفلسطينية الروسيّة. وأكّد استعداد موسكو لتوسيع تعاونها معها في مختلف المجالات الاقتصادية، التجارية، والإنسانية. وكانت موسكو انتقدت تسمية عباس لمصطفى لتشكيل الحكومة مفضّلةً شخصية ترضى عنها “حماس”. وبدا من التعديل في موقف موسكو أنّها قرّرت التعامل مع حكومة تحظى بالتأييد العربي. فمصر والأردن والدول الخليجية رحّبت بتكليف مصطفى في 14 آذار الماضي، على الرغم من أنّ “حماس” انتقدت “تفرّد” عباس.

برنامج اقتصاديّ إصلاحيّ وإنسانيّ وانتخابات تشريعيّة

حدّد الرئيس الفلسطيني مجموعة مهامّ طموحة لحكومة محمد مصطفى عند قسم وزرائها اليمين أمامه، ومنها:

– مواصلة العمل على توحيد أرضنا وشعبنا وتحقيق المصالحة الوطنية على أساس البرامج السياسية والالتزامات الدولية لمنظمة التحرير.

– على الحكومة التحضير لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في جميع محافظات الوطن، وعلى رأسها القدس الشرقية.

فور إعلانه الحكومة قال مصطفى إنّ “الأولوية الوطنية الأولى هي وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة”. وحدّد برنامجها بالخطوط العريضة التالية:

– المرجعية السياسية للحكومة هي منظمة التحرير الفلسطينية، وبرنامجها السياسي، والتزاماتها الدولية.

– إيلاء الوضع الإنساني أولويّة قصوى بما يشمل وضع خطّة شاملة للمساعدات الإنسانية والإغاثة الفورية لأهالي قطاع غزة، والتعافي وإعادة الإعمار في كلّ من القطاع والضفة.

– إعادة الهيكلة وتوحيد المؤسّسات، ومحاربة الفساد، ورفع مستوى الخدمات والتحوّل الرقمي.

– تثبيت واستقرار الوضع الماليّ وانعكاسه على الاستقرار الاقتصادي.

– سيادة القانون وتعزيز نزاهة القطاع الماليّ بتمكين الجهاز القضائي وتعزيز الأمن وضمان الحرّيات العامّة.

– تعزيز الصمود في القدس المحتلّة والأغوار والمناطق المهمّشة، والحفاظ على المقدّسات المسيحية والإسلامية.

حدّد الرئيس الفلسطيني مجموعة مهامّ طموحة لحكومة محمد مصطفى عند قسم وزرائها اليمين أمامه

تجاذبات إسرائيليّة داخليّة واقتراح قوّات متعدّدة

تواجه حكومة محمد مصطفى عقبات على الأرض من إسرائيل ومن “حماس”، بغياب وحدة الموقف الفلسطيني:

1- إسرائيلياً يخضع التعامل مع دورها للتجاذبات الداخلية بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو من جهة وخصومه المتعدّدين من جهة ثانية:

– الأوّل يرفض كلّياً أيّ دور للسلطة في غزة في اليوم التالي وفق البرنامج الذي عرضه في شباط الماضي على حكومته، ويقضي بإقامة منطقة عازلة تقتطع من مساحة القطاع، وتعطي الجيش حرّية دخول القطاع، مع قيام لجان محلّية تدير شؤونه.

حكومة محمد مصطفى

– وزير الدفاع يوآف غالانت طرح خلال زيارته واشنطن قبل 10 أيام صيغة مختلفة تقضي بإنشاء قوة عسكرية متعدّدة الجنسيات تضمّ قوات من دول عربية لحفظ الأمن في غزة وحماية قوافل المساعدات الإنسانية. ونقلت “يديعوت أحرونوت” عنه أنّ 3 دول عربية مستعدّة للاشتراك فيها. إزاء التكهّنات بأن تكون قوات مصرية في عدادها سارع مصدر مصري إلى نفي ذلك، وقال: “إرسال قوات عربية أو مشتركة إلى غزة أمر غير مقبول”. وأوضح أنّ “المطروح مصريّاً هو عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع ودعمها على النحو الذي يساعدها على الاضطلاع بمهامّها”. كما أنّ السلطة الفلسطينية رفضت اقتراح غالانت مؤكّدةً أنّها ستدير القطاع. ويتأرجح غالانت بين اقتراحه هذا وبين أن يقتصر حضور السلطة الفلسطينية على بديل أمنيّ لـ”حماس” غير سياسي.

– المعارضة تطالب بانتخابات لإسقاط نتنياهو. يائير لابيد دعا إلى أن تكون فورية، وهو ما يعني إنهاء الحرب لإنجازها، خلافاً لسعي نتنياهو وغالانت إلى دخول رفح، على الرغم من خلافهما على المفاوضات حول الرهائن واليوم التالي. وفي واشنطن يميل بعض الإدارة إلى تغيير نتنياهو. وهذا يعني انتظار ما ستسفر عنه هذه الانتخابات لإقرار دور الحكومة الجديدة في غزة. وتترقّب بعض الدوائر الفلسطينية إجراء هذه الانتخابات في حزيران المقبل.

تشير المصادر الفلسطينية المحايدة إلى ارتباك في قيادة “حماس”. فقائدها في القطاع يحيى السنوار يرفض الاقتراحات حول الهدنة مع إسرائيل

الخلاف الفلسطينيّ والتجاذب داخل “حماس”

2- فلسطينياً، لا يقتصر الموقف من حكومة محمد مصطفى على الانقسام بين السلطة الفلسطينية وحركة “فتح” في صلبها، بل يتعدّاه إلى التجاذبات داخل “حماس”. وعلى الرغم من الاعتقاد بأنّ “حماس” ستضطرّ إلى التعامل مع الحكومة كأمر واقع يصعب دحضه، صنّفت مصادر فلسطينية محايدة توزّع التحدّيات كالآتي:

– تجنّبت “حماس” إصدار موقف سلبي عنيف كالذي صدر عند تكليف محمد مصطفى بالاشتراك مع 3 فصائل أخرى. في حينها أعطى ردّ حركة فتح بعداً إقليمياً للخلاف، فتساءل مصدر قيادي فيها: “هل تريد حماس أن نعيّن رئيس وزراء من إيران أو أن تعيّنه طهران لنا”. وظهر بين قادة “فتح” ممّن يسعون إلى المصالحة وتوحيد الساحة الفلسطينية من أبلغ “حماس” بألّا تتوقّف كثيراً عند ردّ الحركة العنيف. لذلك اكتفى مصدر حمساوي في قيادة الخارج بموقف عامّ عند إعلان الحكومة جاء فيه أنّ أيّ إدارة للقطاع يقرّرها الشعب الفلسطيني والمقاومة.

– صدر عن حكومة غزة، أي قيادة الداخل، بيان يتّهم السلطة ممثّلة برئيس جهاز المخابرات ماجد فرج بإدخال عناصر منه مع قافلة مساعدات مصرية إلى رفح، أعلنت وزارة داخلية غزة أنّها اعتقلت ستّة منهم، مؤكّداً أنّ المقاومة ستدير توزيع المساعدات بالتعاون مع العشائر والبلديّات. وحمل على تعاون هذا الجهاز مع إسرائيل. ردّ “مصدر رسمي فلسطيني” على بيان “ما يسمّى بـوزارة داخلية حماس” وقال: “لن ننجرّ خلف حملات إعلامية مسعورة تغطّي على معاناة شعبنا في غزة وما يتعرّض له”.

إقرأ أيضاً: هل تنجح السداسية العربية في ترجمة الوعود الأميركيّة بالدولتين؟

– تشير المصادر الفلسطينية المحايدة إلى ارتباك في قيادة “حماس”. فقائدها في القطاع يحيى السنوار يرفض الاقتراحات حول الهدنة مع إسرائيل وتواصله مع قيادة الخارج نادر جداً ورئيس المكتب السياسي في الخارج خالد مشعل فتح اشتباكاً مع الأردن بتحريضه الأردنيين على التحرّك وفتح الجبهة مع إسرائيل. أمّا رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية فيجول بين طهران وقطر ومصر ويسعى مع تركيا من أجل إيجاد المخارج الممكنة لإنهاء الحرب وتوحيد الموقف.

لمتابعة الكاتب على X: 

@ChoucairWalid

إقرأ أيضاً

لبنان ما زال في بوسطة عين الرمّانة!

مرّت ذكرى 13 نيسان. لا يزال شبح بوسطة عين الرمّانة مخيّماً على الحياة السياسيّة اللبنانيّة. ولا يزال اللبنانيون في خصام مع المنطق. لا يزال اللبنانيون…

لبنان بعد الردّ الإسرائيلي على إيران؟

لا يمكن الاستسهال في التعاطي مع الردّ الإيراني على استهداف القنصلية في دمشق. بمجرّد اتّخاذ قرار الردّ وتوجيه الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل، فإنّ ذلك يعني…

“حصانة” إيران أم “الحصن” الإسرائيليّ؟

لماذا تعمّدت طهران ليلة السبت المنصرم الكشف عن كلّ تفاصيل خطة الهجوم الذي أعدّته ضدّ تل أبيب انتقاماً لاستهداف قنصليّتها في دمشق قبل أسبوعين والتسبّب بسقوط قيادات…

بايدن الرابح الأكبر من الضربة الإيرانيّة لإسرائيل

 ربح جو بايدن مزيداً من “المونة” على إسرائيل يمكّنه من لجم اندفاعها العسكري ضدّ إيران بعد توظيفه الدفاع عنها في المشهد الانتخابي. اكتسبت طهران موقع…