مركز أبحاث أميركيّ (4/4): إسرائيل تضرب قيادة الحزب والجيش.. وتنشئ سعد حدّاد جديداً؟

في الحلقة الرابعة والأخيرة من التقرير الطويل، الذي أعدّه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية “CSIS ويختصره “أساس”، تُطرح أربعة خيارات على الأقلّ أمام إسرائيل:
1- العودة إلى الوضع قبل 7 أكتوبر (تشرين الأول) والتركيز على الردع.

2- شن حرب شاملة على الحزب لتدمير قدراته وإجباره على الانصياع لمطالب إسرائيل.

3- الانخراط في حرب محدودة مع الحزب للضغط عليه ودفع قوّاته بعيداً عن الحدود الإسرائيلية.

4- استخدام الدبلوماسية القسرية لتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

ويخلص التقرير إلى أنّ الولايات المتحدة وحدها القادرة على منع ما يمكن أن يصبح حرباً أوسع نطاقاً وأكثر عنفاً في الشرق الأوسط.

أهداف إسرائيل وخياراتها

1- الوضع الراهن والعودة إلى الردع: قد تحاول إسرائيل العودة إلى نهج الردع، الذي حافظ على السلام بصعوبة طوال عشرين عاماً تقريباً. وهو يستند إلى فكرة أنّ التهديد بالحرب، بما في ذلك التدمير المحتمل لأجزاء من لبنان، والضربات العقابية على الحزب والبنية التحتية اللبنانية ستمنع الحزب من شنّ هجمات أو على الأقلّ ضربات واسعة النطاق على إسرائيل. يعمل هذا التهديد من خلال تعريض عناصر عزيزة على الحزب للخطر، مثل حياة قادته، وسلطته في لبنان، ورفاهية ناخبيه. وحذّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في كانون الأول 2023، من أنّه “إذا اختار الحزب بدء حرب شاملة. فسيحوّل بيروت وجنوب لبنان إلى غزة وخان يونس”.

يبدو أنّه تمّ الحفاظ على الردع حتى بعد 7 أكتوبر. أكّد نصر الله علناً أنّ الحزب لا يخطّط لحرب أوسع حتى مع دعمه للفلسطينيين، ولن يستبعد التصعيد إذا تغيّرت الظروف. وتركّز ضربات الحزب على هدف غير بارز على طول الحدود على الرغم من أنّ لديه القدرة على شنّ المزيد من الهجمات وضرب إسرائيل بأكملها.

تحاول إسرائيل العودة إلى نهج الردع، الذي حافظ على السلام بصعوبة طوال عشرين عاماً تقريباً

غير أنّ الردع قد يفشل لعدّة أسباب. ومن شأن أيّ ضربة تقتل عدداً كبيراً من المدنيين الإسرائيليين، حتى وإن كانت عرضية، أن تؤجّج الوضع. ويعتمد الردع أيضاً على فهم حسابات قرار الخصم، وقد تسيء إسرائيل فهم تسامح الحزب مع الهجمات على قادة حماس أو استمرار خسارة كوادره، بما فيهم قادة العمليّات الرئيسيون. لقد تغيّر مدى تسامح إسرائيل مع المخاطر. وقد يقرّر قادتها أنّه حتى لو كانت هناك فرصة ضئيلة لمهاجمة الحزب لإسرائيل، فيجب استباقها.

2- حرب شاملة: إذا فشل الردع، سواء بالصدفة أو بالاختيار، فإنّ الحرب الشاملة ممكنة.. جزء من منطق إسرائيل هو أنّ الحرب مع الحزب أمر لا مفرّ منه في مرحلة ما، ويجب عدم انتظار هجوم مفاجئ. وأشار تشاك فريليتش، نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، إلى أنّ “هذا هو الوقت المناسب للقيام بذلك”.

من المرجّح أن تركّز الحرب على منع تكرار 7 أكتوبر أكثر خطورة، من خلال ملاحقة قدرات الحزب الصاروخية والطائرات بدون طيار ومحاولة دفع مقاتليه بعيداً عن الحدود، ربّما إلى الجانب الآخر من نهر الليطاني. ومع ذلك، حتى الهزيمة الحاسمة للحزب لن تؤدّي إلى تدميره نظراً لجذوره العميقة في لبنان والدعم القويّ من إيران.

تمتلك إسرائيل قدرة كبيرة على خوض حرب مع الحزب، على الرغم من أنّه عدوّ لدود. تراقب المخابرات الإسرائيلية مواقع صواريخ الحزب والطائرات بدون طيار. وفي الواقع، يرجع تمكّن حماس من مفاجأة إسرائيل في 7 أكتوبر، في جزء منه، إلى أنّ المخابرات الإسرائيلية كانت أكثر تركيزاً على الحزب، الذي اعتبرته التهديد الأكبر.

تمتلك إسرائيل قدرة كبيرة على خوض حرب مع الحزب، على الرغم من أنّه عدوّ لدود

يفوق جيش الدفاع الإسرائيلي الحزب من حيث القوات والدبّابات والمدفعية وغيرها من أشكال القوّة العسكرية. كما أنّ معدّات إسرائيل أكثر تطوّراً وقوّاتها أفضل تدريباً. منذ أدائها الضعيف في حرب 2006، استعدّت إسرائيل للحرب ضدّ الحزب على عكس عدم استعدادها لغزو غزّة. وأعدّت مجموعة أهداف لضربه في أيّ وقت. وقد يتضمّن ذلك غارات جوّية واسعة النطاق تستهدف قادة الحزب، وتعطيل القيادة والسيطرة (تشمل هجمات إلكترونية)، وضرب مواقع إطلاق صواريخ الحزب، وترسانته من الذخائر الدقيقة. وعلى الرغم من أنّ إسرائيل ستستهدف قيادة الحزب ومواقعه العسكرية في بيروت وفي وادي البقاع، يرجّح أن تركّز معظم جهودها على وجوده بالقرب من الحدود. وبناء على تجربة غزة، ستحاول إسرائيل تدمير شبكة أنفاق الحزب التي كان العثور عليها واستهدافها أولوية عسكرية واستخبارية إسرائيلية لسنوات.

لقد أشار بعض القادة الإسرائيليين، مثل بيني غانتس، عضو مجلس الوزراء الحربي لنتنياهو، في شباط 2024، إلى أنّ إسرائيل يمكن أن تضرب الجيش اللبناني كجزء من حرب أوسع. وقال إنّ “المسؤول عن إطلاق النار من لبنان ليس فقط الحزب أو العناصر الإرهابية التي تنفّذه. بل أيضاً الحكومة اللبنانية والدولة اللبنانية التي تسمح بإطلاق النار من أراضيها”. وأضاف: “لا يوجد هدف أو بنية تحتية عسكرية في منطقة الشمال ولبنان ليست في مرمى بصرنا”.

قد تقوم إسرائيل بعد ذلك بغزو لبنان بعدّة فرق للكشف عن الأنفاق وتدميرها وإبعاد مقاتلي الحزب إلى الجانب الآخر من نهر الليطاني. وعلى الرغم من أنّ جنوب لبنان ليس مكتظّاً بالسكّان مثل غزة، إلا أنّ بعض القتال قد يشمل حرب مدن. وإذا نجحت إسرائيل في طرد قوات الحزب، فستراقب المنطقة بعناية وتشنّ ضربات مكثّفة لمنع أيّ عودة لهم. وقد تضغط إسرائيل من أجل تشكيل قوّة أقوى من قوات اليونيفيل لمراقبة المنطقة أو تسعى إلى إنشاء منطقة عازلة، والعمل مع وكلاء لبنانيين، كما فعلت قبل عام 2000، على الرغم من أنّ كلا النهجين أثبتا عدم كفايتهما في الماضي.

ستخدم الحرب المحدودة عدّة أهداف لكلّ من إسرائيل والحزب. بالنسبة لإسرائيل، ستؤدّي إلى اختلال توازن الحزب

سيردّ الحزب بعدّة طرق. ستشنّ قوّاته هجمات حرب العصابات، باستخدام شبكة أنفاق واسعة النطاق ومواقع دفاعية جيدة الإعداد بالقرب من الحدود الإسرائيلية، مستفيدة من التضاريس الوعرة هناك. سيحاول الحزب شنّ هجمات عبر الحدود، وربّما التسلّل البحري من أجل ضرب إسرائيل مباشرة. وسيستخدم ترسانته الضخمة من الصواريخ والقاذفات لإرباك الأنظمة الدفاعية الإسرائيلية وضرب أهداف في جميع أنحاء البلاد. كما يمكن للحزب تنفيذ هجمات إرهابية على أهداف إسرائيلية في العالم بالعمل الوثيق مع إيران. كما سيستخدم نفوذه على الحكومة اللبنانية لضمان أن يكون أيّ وقف لإطلاق النار وفق شروطه.

3- حرب محدودة: توجّه آخر يتلخّص في الحفاظ على المستوى الحالي للصراع، دون حرب شاملة، لكن بقتل العشرات من مقاتلي الحزب كلّ شهر، فضلاً عن عدد صغير من الإسرائيليين. وإذا استمرّت الاتجاهات الحالية، فإنّ عدد اللبنانيين الذين سيُقتلون سيكون أكبر بكثير من عدد الإسرائيليين. ستشمل الحرب المحدودة غارات جوّية إسرائيلية منتظمة على قوات الحزب بالقرب من الحدود وعلى قائد الحزب من حين لآخر بينما يطلق الحزب صواريخ مضادّة للدبّابات على البنية التحتية العسكرية والمدنية عبر الحدود. وهو ما يسمح للجماعات الفلسطينية في لبنان عبور الحدود من حين لآخر لشنّ هجمات بالصواريخ وقذائف الهاون على المواقع الإسرائيلية.

ستخدم الحرب المحدودة عدّة أهداف لكلّ من إسرائيل والحزب. بالنسبة لإسرائيل، ستؤدّي إلى اختلال توازن الحزب، وهو ما يجبر قادته على الاختباء أو المخاطرة بالقتل، ويعرّض مخابئ أسلحته للخطر. كما ستُظهر الغارات للشعب الإسرائيلي أنّ الحكومة تحاول الدفاع عنهم وتمنع شنّ هجوم مفاجئ عبر الحدود. بالنسبة للحزب، فإنّ الحرب المحدودة تسمح له بإظهار التضامن مع حماس والتأكيد على أجندة “المقاومة” الإيرانية. فقدَ الحزب أكثر من 100 مقاتل منذ 7 أكتوبر، إلا أنّ هذا المستوى من الخسائر يمكن التحكّم فيه بالنسبة لمنظّمة كبيرة تضمّ العديد من الأفراد المؤهّلين.

تريد إسرائيل انسحاب قوّاته المسلّحة إلى نهر الليطاني، كما وعد بموجب القرار 1701

إسرائيل

رسم بياني بمعدّل الطلعات اليومية للطائرات الإسرائيلية فوق لبنان بناء على تقارير الأمانة العامّة للأمم المتحدة حول لبنان.

4- الدبلوماسية القسريّة: نهج آخر هو استخدام الدبلوماسية القسرية لإجبار الحزب على الالتزام بالقرار 1701. تستخدم الولايات المتحدة، عبر الوسيط آموس هوكستين، الدبلوماسية للتفاوض مع القادة اللبنانيين، وبالتالي بشكل غير مباشر مع الحزب، في حين تمارس إسرائيل الضغط العسكري على الحزب بالهجمات على قوّاته وقادته. إنّ التهديد بحرب شاملة يمنح هذا الضغط قوّة إضافية. ولكنّ الحزب لا يريد أن يُنظر إليه على أنّه يستسلم للضغوط الإسرائيلية، وخاصة حين تتصدّر الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين العناوين الرئيسية للإعلام.

بالإضافة إلى إنهاء هجمات الحزب، تريد إسرائيل انسحاب قوّاته المسلّحة إلى نهر الليطاني، كما وعد بموجب القرار 1701. وقد تقبل بانسحاب أقلّ شمولاً يُبعده عن الحدود الإسرائيلية اللبنانية. وقد يكون من الضروري تعزيز قوة الأمم المتحدة المؤقّتة في لبنان، وأن تكون أكثر عدوانية في استخدامها للقوّة ردّاً على أيّ توغّل، وهو أمر من الصعب تحقيقه. وسيُطلب من إسرائيل أيضاً تقديم تنازلات وإجراء تغييرات استجابة للقرار 1701 وإرضاء الحزب. ومن المرجّح أن يسعى الحزب إلى إخلاء إسرائيل لمزارع شبعا وقرية الغجر. وربّما وضعها تحت قيادة اليونيفيل ليتمكّن من ادّعاء النصر السياسي حتى لو قدّم تنازلات.

إدارة الأزمة… مهمّة أميركيّة

مع ارتفاع مخاطر الصراع، تحتاج واشنطن إلى تكثيف جهودها لمنع نشوب حرب شاملة ستكون لها عواقب وخيمة وسلبية على الولايات المتحدة في الداخل، وفي الشرق الأوسط، وفي العالم. إنّ استعادة الردع والحرب المحدودة، مع أنّهما أفضل الخيارات من وجهة نظر الولايات المتحدة، إلا أنّهما محدودان. ويبدو الخيار الأوّل حلّاً مؤقّتاً قد ينهار بسهولة، في حين أنّ الخيار الثالث قد يتطوّر إلى حرب شاملة، وحتى في شكل محدود يمكن أن يكون كارثيّاً لكلّ من لبنان وإسرائيل. ستتطلّب الحرب الشاملة بين إسرائيل والحزب وسائل عسكرية أميركية إضافية لازمة في مسارح العمليات الأخرى.

مع ارتفاع مخاطر الصراع، تحتاج واشنطن إلى تكثيف جهودها لمنع نشوب حرب شاملة ستكون لها عواقب وخيمة وسلبية

بالتالي، يجب على الولايات المتحدة تركيز جهودها على تنفيذ سياسة الدبلوماسية القسرية. بذل مسؤولون أميركيون، مثل آموس هوكستين، جهوداً حثيثة لاستعادة الاستقرار. وناقشوا اقتراحاً يدعو إلى انسحاب الجهات المسلّحة غير الحكومية من جنوب لبنان. ونشر القوات المسلّحة اللبنانية، وخطة تنمية لجنوب لبنان. وقدّمت فرنسا اقتراحاً من ثلاث خطوات إلى إسرائيل والحكومة اللبنانية والحزب (وأطلعتها على الولايات المتحدة) يحدّد الخطوط العريضة لعملية تهدئة مدّتها 10 أيام، ويدعو إلى سحب مقاتلي الحزب إلى ما بعد حوالي 10 كيلومترات من الحدود. المفاوضات حاسمة، لكنّها غير سهلة. وقد رفض الحزب التفاوض على اقتراح لخفض التصعيد حتى تنتهي الحرب في غزة.

إقرأ أيضاً: الحزب قد يسقط طائرة إسرائيلية يقودها طيّار… ويحتلّ الجليل

القيادة الأميركية مهمّة. وكما قال هنري كيسنجر، “على المرء أن يتذكّر أنّ كلّ التقدّم نحو السلام في الشرق الأوسط قد تمّ إحرازه تحت رعاية الولايات المتحدة”.

وقد يكون منع نشوب حرب شاملة بين إسرائيل والحزب هو الاختبار التالي.

*****

أعدّ التقرير:

  • سيث جي. جونز، نائب الرئيس الأوّل، ومدير برنامج الأمن الدولي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
  • دانييل بايمان، زميل أقدم في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وأستاذ في كلّية الخدمة الخارجية بجامعة جورج تاون.
  • ألكسندر بالمر، زميل مشارك في مشروع التهديدات العابرة للحدود الوطنية في المركز.
  • رايلي مكابي، مدير برنامج وباحث مشارك في مشروع التهديدات العابرة للحدود الوطنية في المركز.
  • مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، وهو مركز أبحاث أميركي مقرّه واشنطن العاصمة.

 

لقراءة النص الأصلي: إضغط هنا

إقرأ أيضاً

فريدمان: إيران أخطأت.. وعلى إسرائيل ألا تحذو حذوها!

حذّر المحلل والكاتب السياسي الأميركي توماس فريدمان من “الانبهار بالطريقة التي أسقطت بها الجيوش الإسرائيلية والأميركية وغيرها من جيوش الحلفاء كل الطائرات الإيرانية بدون طيار…

إيكونوميست: إسرائيل وحيدة وضعيفة.. ومعركة غزة بداية الصراع على مستقبلها

في عدد خصّصته للحرب الإسرائيلية على غزة بعنوان “إسرائيل وحيدة”، ووضعت فيه صورةً لعلم إسرائيلي يتعرّض لرياح شديدة على غلافها، وصفت مجلّة إيكونوميست البريطانية الوضع…

ريتشارد هاس: مستقبل إسرائيل في السلام… لا الحرب

“لم يكن لإسرائيل الحقّ في الردّ على هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) فحسب. بل كان من الضروري لها أيضاً إظهار أنّ حماس ستدفع ثمناً باهظاً…

مركز أبحاث أميركيّ: خطة إيران “الكبرى” المقبلة… إسقاط نظام الأردن

“إسقاط النظام في الأردن الآن، ومهاجمة إسرائيل من الشرق بينما تظلّ الأخيرة مشغولة بقوات المقاومة المدعومة من إيران في لبنان وسوريا وغزة، إفشال المشروع السعودي…