يحيى جابر يفتح جرح جمّول: بيّي… حارب وانهزَم بِعَنجَر

في حين يبحث الحزب عن شرعية وطنية بين رميش والهبّارية، ليقول إنّ إسرائيل تقصف كلّ الطوائف… يفتح يحيى جابر جرح اغتيال جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية – جمّول. وذلك على مسرح المدينة. فهل هي صدفة فتح جرح اليسار اللبناني المذبوح، في لحظة حرب الجنوب وغزّة؟ وهل هي صدفة أن تروي لنا أنجو ريحان حكاية عائلتها اليسارية، الشيوعية، التي طردتها قوى الأمر الواقع من الجنوب؟ وهل هي صدفة أن تخبرنا عن محاولة اغتيال المقاومين الوطنيين في الجنوب بكواتم الصوت في الثمانينيات؟

مسرحية جديدة ليحيى جابر على مسرح المدينة بعنوان “شو منلبس”. يأخذنا فيها إلى تجربة اليسار والمقاومة في الجنوب. وكيف أنّ “بيّي راح مع العسكر… حارب وانهزم بعنجر”.

مرّة جديدة يأخذنا يحيى جابر في رحلة داخل واحدة من ذاكرات هذا اللبنان وذكرياته. لبنان الذي ينهار اليوم بفعل كلّ الحروب والسرقات والميليشيات التي نهشته. وهذه المرّة ترافقه أنجو ريحان مجدّداً. الممثّلة الذكيّة والمتمكّنة. ذات الحضور الآسِر. ابنة الجنوب وبيئة اليسار اللبناني.

هذه المرّة وصل يحيى جابر إلى جرح اليسار اللبناني واغتيال كوادره. وكيف شطب “الإخوان” بكواتم الصوت والتفجيرات “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية – جمّول”.

المسرحية تهرب من التسميات. لكنّها تشير إلى “العلم الأخضر والعلم الأصفر”، كنايةً عن الحزب وحركة أمل.

المقاومة التي تبحث اليوم عن شرعية “وطنية”، بين شهداء الهبّارية السُّنّة، ومحاولة توريط رميش المسيحية، وما رشح عن محاولات في قرى درزية تشبه ما جرى في رميش. تلك المقاومة كانت ذات مرّة شيعية ومسيحية وسنّيّة ودرزية… لكنّ كواتم الصوت حرصت على أن تبقى في يدٍ واحدة.

حارب وانهزم.. بعنجر

“شو منلبس” عنوان المسرحية الجديدة. وهو لا يعلن المضمون السياسي والاجتماعي. لكنّه تورية عن حيرة أهل اليسار اللبناني حول ماذا يلبسون. من المايوه والحجاب، إلى أيّ أفكار أو هويّة نلبس، وصولاً إلى أين يسكنون وكيف تهجّروا من الجنوب إلى الرميلة. وكيف تناوب على ملاحقتهم العدوّ الإسرائيلي، ثمّ قوى الأمر الواقع في الجنوب.

مسرحية جديدة ليحيى جابر على مسرح المدينة بعنوان “شو منلبس”. يأخذنا فيها إلى تجربة اليسار والمقاومة في الجنوب

“الوالد الشيوعيّ” في حكاية أنجو ريحان، كان يقاتل إسرائيل وهو في الحزب الشيوعي اللبناني. وتنقّل بين معتقل الريجيه في النبطية، ومعتقل أنصار، ومعتقل عتليت في الداخل الفلسطيني. وحين خرج من الأسر في منتصف الثمانينيات، فجّر مجهولون سيّارته الأولى. ثمّ الثانية. وبعد تهديداتٍ لم تجبره على ترك الجنوب، 3 طلقات بكاتم الصوت كادت تقتله. مثله مثل مئات وآلاف من اليساريين والشيوعيين.

يقول الوالد بحسرة لزوجته: “طلبوا الرفيق الياس عطاالله والرفيق جورج حاوي إلى عنجر. وقالت عنجر لهما: ممنوع العمليّات إلا بإذن منّا”. قبل أن يتعرّض لمحاولة اغتيال. هو الذي لم يقتله الإسرائيليون، بل اعتقلوه وأعتقوه، كادت “اليد القريبة” تنال منه.

اتُّخِذَ بعدها القرار بترك الجنوب. وتوجّه الشيوعيون إلى بلدة الرميلة، حيث سكنوها لسنوات تحت ظلال القائد العسكري لـ”جمّول” الياس عطاالله. وهناك تروي أنجو ريحان كيف اكتشفت الفتاة الصغيرة التي كانتها، “البحر والمايوه”.

تعدّد الشخصيّات… حيلة يحيى الدائمة

البطلة واحدة: أنجو ريحان. وعلى طريقة المونودراما: “وان وومن شو”. كما في كلّ أعمال يحيى جابر. تلعب أنجو أدوار الأمّ والأب والابنة والراهبة في المدرسة والجيران والأقارب والجندي الإسرائيلي والقتلة المجهولين المعلومين…

يارا الابنة، بطلة الحكاية، أرادت أن تتحوّل إلى مسيحية في مدرسة الراهبات. ثمّ تحجّبت لعشر دقائق قبل أن يمنعها والدها. وتريد أن تكون “إبراهيم”، الصبي الذي لم تنجبه أمّها. ويوسف، الوالد، “أبو الخمس بنات”، حائرٌ. يمنع البنات من لبس التنّورة في القرية. ويمنع لبس المايوه في بحر صور. ويسمح بالمايوه على شاطىء الرميلة. أعياد الميلاد “عادات بورجوازية” ممنوعة في الضيعة، ومسموحة لأنّ “البورجوازية فيها أشياء مفيدة” في الرميلة.

المسرحية كوميدية بالطبع مثل أعمال يحيى جابر كلّها. لكنّها كوميديا رمادية، أو أقرب إلى السوداء. في العرض الافتتاحي خرج كثيرون وهم يذرفون الدموع. فمعظم اللبنانيين، وإن لم يكونوا من أهل اليسار اللبناني، إلا أنّهم ذاقوا مرارة التهجير. مرارة الملاحقة الأمنيّة. الخوف من القتل. فقدان الأحبّة. اعتقال الأقرباء والأهل. إن لم يكن هنا فهناك أو هنالك…

هذه المرّة وصل يحيى جابر إلى جرح اليسار اللبناني واغتيال كوادره. وكيف شطب “الإخوان” بكواتم الصوت والتفجيرات

يحيى “ابن بطّوطة” الطوائف والمناطق

بدأ يحيى جابر رحلته في جذور الطوائف وبطون المناطق قبل 30 عاماً:

– في 1995 مع مسرحية “ابتسم أنت لبناني”، بطولة أحمد الزين. في دور شيعي متزوّج بامرأة مارونيّة، يحتفلان بعيد زواجهما في غرفة. ثمّ يتطلّقان في النهاية.

– في 2012 استعاد رحلته مع ستاند آب كوميدي شخصي بعنوان “يا يحيى خذ الكتاب بقوّة”. عن ذكرياته ووالده، بشخصية المنجّم والمبصّر والمشعوذ والساحر والشاعر.

– عام 2013 أطلق “بيروت الطريق الجديدة” مع زياد عيتاني. رحلة كوميدية في ذاكرة بيروت، بين السُّنّة والشيعة، وحروب الأخوة والاجتياح الإسرائيلي، وإعادة الإعمار، ومن جنازة عبد الناصر إلى اغتيال رفيق الحريري. وعُرضت المسرحية سنواتٍ طويلة، وشاهدها عشرات الآلاف.

– أما في 2018 كانت “مجدّرة حمرا”. أنجو ريحان قدّمت المرأة الجنوبية بشخصيّاتها العديدة. والمسرحية عروضها مستمرّة بنجاح غير مسبوق منذ 2018. وحفرت أنجو لنفسها اسماً في لائحة المسرح اللبناني، سيكون من الصعب تجاهله حين يكتب التاريخُ مذكّراته.

– وفي 2018 أيضاً قدّم “من كفرشيما للمدفون” مع نتالي نعّوم، الممثّلة الخفيفة الظلّ. عن رجل يخون زوجته، وبينهما تكرّ سبحة ذاكرة الحرب والأحزاب والقتل وتناقص أعداد المسيحيين بسبب حروبهم. واقتراح أن يتزوّج المسيحي بـ 5 نساء لزيادة النسل “بدل تربية الكلاب والقطط”.

– في 2022 كانت تجربة “تعارفوا”. بطولة شخصيات حقيقية، ومتنوّعة طائفياً. كلّهم على المسرح للمرّة الأولى. معظمهم خارجون عن القانون… رووا حكاياتهم المؤلمة والمضحكة.

المسرحية تهرب من التسميات. لكنّها تشير إلى “العلم الأخضر والعلم الأصفر”، كنايةً عن الحزب وحركة أمل

– في 2022 أيضاً وصل إلى بعلبك مع عبّاس جعفر في “هيكالو”. وحكايات التهريب والمخدّرات والثأر والقتل العبثي. من “حيّ الشراونة” إلى مهرجانات بعلبك، ومن زراعة الحشيشة إلى تاريخ المدينة العتيقة.

– وها هو اليوم في 2024 يصل بنا إلى اليسار اللبناني وتاريخه الذي لم يُكتَب بعد، لا في كتاب ولا في فيلم ولا في مسرحية.

30 عاماً رحلة يحيى جابر. في محاولاته المستمرّة لوضع اللبنانيين أمام بعض مراياهم. بين العشيرة والعائلة والحزب. يقول إنّه يواجه الجهل بـ”التعارف”. واليوم يفتح جرحاً سياسياً عميقاً، نعيش بعض فصوله فيما نشاهد العرض. حيث لا تزال كواتم الصوت مستنفرة. وحيث الحرب الدائرة في الجنوب واحدة من نتائج تحويل المقاومة إلى “احتكار” طائفي.

لكن في مسرح يحيى جابر تحضر الطائفية كهويّة فرعية. قضيّته ليست سياسية بالمعنى المباشر. هو أقرب إلى الأدب منه إلى السياسة. شخصيات مسرحه فيها من طهارة الحكاية، ما فيها من خطيئة الذاكرة.

إقرأ أيضاً: يحيى جابر: بعلبك تنزّ دماً وكوميديا سوداء على المسرح

الطهارة في بساطة الاجتماع العتيق، والخطيئة في المسار السياسي الدموي. خلطة تنهل مكوّناتها من ثقافة يحيى جابر العميقة، ومعرفته بالتاريخ والاجتماع والسياسة في لبنان، وذكائه المسرحي الاستثنائي، ونباهته النقديّة العالية. هو الذي يشتغل على ذكريات أبطال مسرحيّاته. “يفصفص” الذاكرة الشخصية ليصل ببئر بحثه إلى مياه الذاكرة الجماعية العميقة. ويستخرجها من وحول الماضي ليصنع منها فخّاراً يكسّر بعضه بعضاً على المسرح، بالضحك حيناً، وبالدموع أحياناً.

 

لمتابعة الكاتب على X:

 mdbarakat@

إقرأ أيضاً

ساعات الخيارات الصّعبة

“غد بظهر الغيب واليوم لي   وكم يخيب الظنّ بالمقبل” (عمر الخيّام) بالبداية، ليس لواحد مثلي مرتبط بشكل لصيق بقضية فلسطين ومبدأ مواجهة الاستعمار ومكافحة الظلم…

أين العرب في اللحظة الإقليميّة المصيريّة؟

الوضع العربي مأزوم. العرب في عين العاصفة. لا يحتاج الأمر إلى دلائل وإثباتات. سوريا كانت لاعباً إقليمياً يُحسب له ألف حساب، صارت ملعباً تتناتش أرضه…

ضربة إسرائيل في أصفهان وصفعة الفيتو في نيويورك

هل نجحت أميركا بـ”ترتيب” الردّ الإسرائيلي على طهران كما فعلت في ردّ الأخيرة على قصف قنصليّتها في دمشق؟ هل نجحت في تجنّب اتّساع المواجهة بين…

غزة: العودة من الركام إلى الركام

احتلّت الحرب على غزة منذ انطلاق شراراتها الأولى في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلى أيّامنا هذه، أوسع مساحة في المعالجات الإعلامية المرئية والمقروءة…