أزمة المعارضة اللبنانية… السياسة دون أهلها

في لبنان معارضات كثيرة. معارضات لا تجتمع تحت سقف أو تتوحّد حول هدف معيّن أو مطلب محدّد. على الرغم من ذلك تنادي كلّها بالأهداف وبالمطالب المتشابهة نفسها. بالمعنى السياسي يغيب قادة المعارضة عن المشهد في لبنان. لكنّ من يمنعها من الاجتماع وتوحيد الجهود؟ هل هي المصالح الشخصية؟ ربّما. الثابت الوحيد أنّ الحزب يستغلّ هذا التشتّت لينفرد بقرار السلم والحرب ويفتح جبهة في الجنوب دعماً وإسناداً لحليفته حركة حماس. ويضرب بآراء المعارضات اللبنانية المشتّتة عرض الحائط.

 

 

مطلع الألفية الجديدة، قبل عقدين ونيّف من الزمن. وفي الفترة الفاصلة بين انسحاب الجيش الإسرائيلي من غالبية الأراضي اللبنانية المحتلّة والتمديد للرئيس إميل لحّود 3 سنوات إضافية في رئاسة الجمهورية. استطاعت المعارضات في لبنان توحيد جهودها وتشكيل معارضة واسعة التمثيل، ثقيلة الوزن. وقدّمت برنامجاً وطنياً وقراءة صريحة لسياق الأحداث. حوّلت الأرخبيلات السياسية إلى كتلة ومنصّات جاهزة لاستيعاب المتغيّرات الداخلية والخارجية والتفاعل الإيجابي معها.

اجتمعت المعارضات اللبنانية تلك، يومها، في فندق البريستول، وعُرفت باسم “لقاء البريستول”. حدّدت أهدافها راسمةً خريطة طريق واضحة للاستقلال عن الهيمنة السورية وتحرير القرار الوطني. آنذاك لم تكن أزمة المعارضة أزمة خيارات. اليوم هي هكذا. بعضها خجول. وغيرها يتستّر بين وجوده في السلطة وبين “محاباته” حراك 17 تشرين الأول.

المعارضة وأهلها

يومها أيضاً، أنتجت المعارضة في لبنان سياسةً وطنيةً لا لبس فيها. وفرضت معادلةً جديدةً وحاسمة على الداخل اللبناني والخارج العربي والإقليمي والدولي. صحيح أنّها لم تنجح في كلّ ما هدفت إليه، ولم تحقّق برنامجها كاملاً. ذلك لأنّها سرعان ما تفرّقت وعادت معارضات. لكنّها حقّقت الكثير من أهدافها، وأوّلها انسحاب القوات السورية من لبنان. وشكّلت في التاريخ اللبناني المعاصر بصيص نور وقدّمت تجربة وطنيةً تبعث على الأمل في دولة لبنانية وجمهورية لبنانية وقرار وطني مستقلّ.

أنتجت المعارضة في لبنان سياسةً وطنيةً لا لبس فيها. وفرضت معادلةً جديدةً وحاسمة على الداخل اللبناني والخارج العربي والإقليمي والدولي

الرديء الذي فعلته آنذاك ليس محصوراً بـ”التحالف الرباعي” بين أركان المعارضة في لبنان وبين الحزب. الأردأ كان في رفع شعار بناء الدولة ككليشيه ومن دون فاعلية. بدت يتيمة في السياسة وأهلها وقويّة بشارع يزخّم حضورها علّها تنطلق الى الأمام خطوة. لم تبنِ دولة، فكان ما كان. وإذا بالآخر يستبدّ لحظة انقلابه مستعملاً كلّ القوانين القمعية التي كانت قائمة منذ ما قبل لبنان الكبير حتى قانون الجمعيات في عام 1904.

يومها لم يكن التمديد للرئيس الأسبق إميل لحّود تمديداً لشخص في منصب. بل كان تمديداً لنهج. وإمعاناً في السيطرة على القرار الوطني. ومنعاً لأيّ سياسة “لبنانية” من قبل القوات السورية المهيمنة على البلد منذ ثلاثة عقود تقريباً. كان إيغالاً في سياسات يعارضها غالبيّة اللبنانيين، وتمحو للبنان أيّ دور أو حضور، وتجعله محافظةً سوريّةً تتبع لدمشق وحاكمها.

انقسام أقلّ حدّةً

لم تجتمع المعارضات اللبنانية يومها على عقيدة موحّدة. وهذا عامل حيوي إيجابي وليس سلبياً. إذا ما ارتقى في السياسة نحو قبول المتحوّل والثابت. ولم تحلّ الأحزاب المعارضة نفسها وتشكّل حزباً جديداً. بقيت كلّ معارضة على أفكارها القديمة وخلفيّاتها التاريخية. جلّ ما فعلته أنّها تخلّت عن مصالح شخصية ضيّقة، وعن قراءة شخصية أضيق. لتعود إلى الاثنين لاحقاً. أو بمعنى أدقّ فقد عادت راهناً.

كان البلد يغلي وكانت المنطقة تشهد تغيّرات وتحوّلات إقليمية ودولية مؤاتية. كانت المنصّات جاهزةً، إعلاماً وأحزاباً وجمعيّات وتجمّعات. كانت لحظةً ذهبيةً من تاريخ الوطن، بعدها لا يشبه ما قبلها وصولاً إلى لحظتنا الراهنة.

ما أشبه اليوم بالأمس، لكن مع فوارق لمصلحة توحيد جهود المعارضات. الانقسام في البلد اليوم ليس حادّاً كما كان في الأمس. لا انقسام جوهريّاً على القضية الفلسطينية كما في السبعينيّات يوم قاد الاختلاف على الوجود الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى تظاهرات مؤيّدة له وتظاهرات مضادّة رافضة لهذا الوجود. وهو الانقسام الذي أشعل حرباً أهليّةً دامت 15 سنةً.

لم تحلّ الأحزاب المعارضة نفسها وتشكّل حزباً جديداً. بقيت كلّ معارضة على أفكارها القديمة وخلفيّاتها التاريخية

ليس الانقسام اليوم حادّاً كما كان حول الوجود السوري في لبنان وهيمنته على القرار الوطني والاقتصاد الوطني والسياسة والاجتماع. يجمع اللبنانيون اليوم على دعم القضية الفلسطينية ورفض توطين الفلسطينيين في لبنان. وينادون كلّهم بدولة فلسطينية مستقلّة على الأراضي الفلسطينية. لكنّهم يرفضون الحرب. يرفضون أن ينفرد حزبٌ بقرار السلم والحرب في لبنان. يرفضون أن يزجّ الحزب لبنان بأكمله في أتون حرب لا أفق لها ولا وقت، وهيهات أن تُحصر حرب في بقعة جغرافية محدّدة.

ما أقرب الأمس إلى اليوم

بين معطيات الأمس ومعطيات اليوم مشتركات كثيرة:

–  القرار الوطني في لبنان مسيطر عليه من قبل الحزب الذي يخوض حرباً لا ناقة لنا فيها ولا جمل، ويتفرّد بقرار السلم والحرب بترسانة عسكرية لا أوّل لها ولا آخر.

–  اللحظة الوطنية والإقليمية والدولية مؤاتية للتغيير ولصنع سياسة وإنتاج قرار وطني مستقلّ لا يأخذ في الحسبان إلا المصالح اللبنانية البحتة.

–  المعارضات موجودة. وهناك معارضة من مختلف المشارب والمذاهب والعقائد.

–  الأهداف واضحة ومحدّدة: انتخاب رئيس للجمهورية. الالتزام بالدستور. انتظام عمل المؤسّسات وقيامها بدورها. بناء الدولة واستعادة القرار الوطني وفي صلبه قرار السلم والحرب والتموضع الإقليمي والدولي.

ـ المشكلة الوحيدة اليوم هي أنّ المنصّات ليست جاهزة لتحرير قرار البلد من الاحتلال السياسي الإيراني.

هكذا لا ينقص سوى توحّد المعارضات اللبنانية، بحسب ما تطالب به وتجمع عليه كلّها فرادى وكلٌّ في موقعها. فلماذا لا تتوحّد المعارضة؟

القرار الوطني في لبنان مسيطر عليه من قبل الحزب الذي يخوض حرباً لا ناقة لنا فيها ولا جمل، ويتفرّد بقرار السلم والحرب

أهداف واحدة ومعارضات

تطالب القوات اللبنانية بانتخاب رئيس للجمهورية. وحصر قرار السلم والحرب في يد الدولة. والخروج من سياسة المحاور. وبناء الدولة والمؤسّسات والعودة إلى حياة ديمقراطية. وتحرير القرار الوطني من يد الحزب.

بمثل ما تطالب القوات اللبنانية يطالب الحزب التقدّمي الاشتراكي. وحزب الكتائب اللبنانية. وغالبية القوى والشخصيات السنّيّة ممّن يدور في فلك الحريريّة وصولاً إلى نواب بيروت. والقوى والشخصيات الشيعية المعارضة. ولقاء سيّدة الجبل. والمجتمع المدني. وغالبية القيادات الروحية من مختلف الطوائف. فلماذا لا يجتمعون؟ حتى التيار الوطني الحرّ يبحث عن “مدخل” لهذا المنطق.

إقرأ أيضاً: هل يسير لبنان على خطى غزّة.. نحو التدمير الكامل؟

لماذا المعارضة مصابة بخجل؟ هل هو الخوف من الحزب؟ أو هو الترقّب، بمعنى ترقّب ما ستسفر عنه الحروب المندلعة من غزة مروراً بلبنان وصولاً إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب؟ أم المصالح الشخصية الضيّقة تحول دون الاجتماع على كلمة سواء؟ أم تراهم ينتظرون افتتاح فندق البريستول من جديد، باعتباره المكان الوحيد الصالح للاجتماع وتوحيد الجهود وتحديد الأهداف؟!

 

لمتابعة الكاتب على X:

@jezzini_ayman

إقرأ أيضاً

ساعات الخيارات الصّعبة

“غد بظهر الغيب واليوم لي   وكم يخيب الظنّ بالمقبل” (عمر الخيّام) بالبداية، ليس لواحد مثلي مرتبط بشكل لصيق بقضية فلسطين ومبدأ مواجهة الاستعمار ومكافحة الظلم…

أين العرب في اللحظة الإقليميّة المصيريّة؟

الوضع العربي مأزوم. العرب في عين العاصفة. لا يحتاج الأمر إلى دلائل وإثباتات. سوريا كانت لاعباً إقليمياً يُحسب له ألف حساب، صارت ملعباً تتناتش أرضه…

ضربة إسرائيل في أصفهان وصفعة الفيتو في نيويورك

هل نجحت أميركا بـ”ترتيب” الردّ الإسرائيلي على طهران كما فعلت في ردّ الأخيرة على قصف قنصليّتها في دمشق؟ هل نجحت في تجنّب اتّساع المواجهة بين…

غزة: العودة من الركام إلى الركام

احتلّت الحرب على غزة منذ انطلاق شراراتها الأولى في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلى أيّامنا هذه، أوسع مساحة في المعالجات الإعلامية المرئية والمقروءة…